كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى الجلسة الختامية لمؤتمر أقطاب إفريقيا بالدار البيضاء 6/1/1961

لقد كانت الأيام القليلة الماضية خطوة لى عميقة الأثر فى نفسى، ولقد عشت معكم هنا فى جو إفريقيا الواعية التى أحست بمسئولياتها تجاه نفسها وتجاه السلام العالمى. ولقد كان فى فكرى دائماً أنه إذا كان العام الذى مضى عام ١٩٦٠.. عام أعياد الاستقلال فى إفريقيا؛ فإن هذا العام الذى بدأناه – ١٩٦١ – يجب أن يكون عام حماية الاستقلال فى إفريقيا، ودعم تعاوننا الإفريقى؛ حتى لا نكتفى من الاستقلال بالعيد بينما ينقض الاستعمار فى نفس يوم العيد ليسلب القوى الوطنية أكبر ثمرات نضالها ضده وصبر السنين الطويلة فى مقاومته، ولقد رأينا فى السابق أن ما تصورناه عيداً للانتصار كان فى واقع الأمر يوم الخطر الأكبر.

وفى رأيى أن هذا المؤتمر الذى تنتهى أعماله بهذه الجلسة إنما هو بداية لها قيمتها فى عام هام خطير من أجل تدعيم الحرية وتعميق الانتماء لإفريقيا؛ سواء بحمل أعلام الاستقلال إلى الشعوب التى ما زالت تقاتل لترفعها، أو لحماية هذه الأعلام فى يد الشعوب التى أمسكت بها وانطلقت تحتها إلى الأهداف التالية من كفاحها، وأخطرها وأهمها عملية التطور الاقتصادى والاجتماعى لتكون النتيجة ذلك المواطن الإفريقى الحر الذى نتمناه جميعاً.

وبعد هذه البداية الهامة فى هذا العمل الحاسم فإن هذا المؤتمر، كانت له دلالات أخرى؛ فإن اجتماع دول إفريقيا الحرة هنا كان معناه أنها فى نفس الوقت الذى ملكت فيه حريتها تحققت أن هناك وحدة تربط كافة شعوبها جميعاً، كذلك فقد انهارت فى هذا المؤتمر ألعوبة الاستعمار فى تقسيم القارة وفصلها بالصحراء الإفريقية الكبرى، إلى إفريقيا غربية بالشمال، وإلى إفريقيا سوداء فى الخلف وإلى الجنوب، وتأكد فى هذا الاجتماع أن الصحراء الكبرى كانت جسراً ولم تكن فاصلاً.

وليس معنى ذلك – وأنا أريد أن أكون واضحاً يا صاحب الجلالة – أننا وجدنا التماثل كاملاً فى وجهات نظر كل من التفوا حول هذه المائدة. والحق أن المناقشات الطويلة بيننا دليل على واقعية النضال الإفريقى، وعلى إدراكه بأن جديته وأصالته إلى أبعد الحدود، هى أرجح الاحتمالات للنجاح.

ولقد كان من أبرز معالم مؤتمرنا، أنه خلال هذه المناقشات بيننا، تبدت إرادة العمل الإفريقى ظاهرة، إرادة شخصية إفريقية مستقلة.. إرادة إفريقية واقعية موجهة، ترسى دعامة مكاسب مؤتمرنا فى رأيى، كما أن أهم واجباتنا بعد هو أن نصون هذه الإرادة – إرادة العمل الإفريقى – بأن نفتح الطريق لها.

يا صاحب الجلالة:

لقد منحنى هذا المؤتمر فرصة لتأكيد صداقات قديمة أعتز بها، وربط أواصر صداقات جديدة خفق لها قلبى دون تحفظات.

ولقد أتيح لى أن ألتقى بجلالتكم، وأن أعيد معكم ذكرى أيام لقائنا فى القاهرة، أثناء احتفالات تدشين بدء العمل فى سد أسوان العالى.

كذلك فقد التقيت مرة أخرى بالصديق العزيز الرئيس “كوامى نكروما”، الذى يربطنا به أعمق الود والصداقة.

ومن ناحية أخرى أتيح لى أن التقى بالرئيسين “سيكوتورى” و”موديبو كيتا”، وهو التقاء طالما تطلعت إليه مع بطلين من أبطال الكفاح الإفريقى.

يا صاحب الجلالة:

أرجو أن أستأذنكم فى توجيه الشكر إلى شعبكم الذى كانت رعايته الواعية لهذا المؤتمر، ومنها كان ترحيبه الكريم بالمشتركين فيه، من أكبر دعامات نجاحه.

لقد كان هذا الشعب صديق الحرية العريق، يجسد أمامنا جميعاً فى طريق ذهابنا إلى جلسات المؤتمر عزيمة الجماهير الإفريقية وتحفزها وإيمانها غير المحدود برسالتها وبأهدافها. ومن هنا فإن هذا الشعب لم يفتح بيته لضيافتنا فقط، وإنما منحنا طاقة دافعة حققت أثرها.

يا صاحب الجلالة:

إننى أوجه لكم صادق الشكر وعميق التقدير لمبادرتكم الإيجابية إلى الدعوة إلى هذا المؤتمر، كذلك فقد لمسنا جميعاً مدى الجهد المتزايد الذى واجهتم به رياستكم لجلساته، وإننا لندرك جميعاً أن هذا الجهد كان من أهم مقومات نجاح العمل الذى تعدون له، وإذا كانت لى من كلمة أضيفها بعد ذلك فهى الأمل فى مؤتمر آخر يعقد على أرض قارتنا الإفريقية؛ لنستمع إليه ومعنا قادة الشعوب الآسيوية الحرة.

وإننا لنؤمن أن مثل هذا المؤتمر فىهذه المرحلة من كفاح آسيا وإفريقيا سيكون له نفس الأثر الخلاق الذى شهده مؤتمر باندونج عام 1955. شكراً لكم جميعاً.

والسلام عليكم ور حمة الله.

http://nasser.bibalex.org/Speeches/browser.aspx?SID=956&lang=ar