كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى افتتاح مجلس الأمة ٢٢/٧/١٩٥٧

قسم الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية:

أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصاً على النظام الجمهورى، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

إن إلتقاءنا بكم هنا أمل كبير طال انتظارنا له وطال سعينا لتحقيقه. لقد كان موعدنا معكم منذ خمس سنوات، فقد كنا نتصور وقتئذ أنه فى استطاعتنا أن نلتقى بالممثلين الحقيقيين للشعب.

فى نفس صباح ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢؛ يوم ثورتنا، كنا نتصور أن دورنا فى هذه الثورة هو دور الطليعة تقتحم الأبواب فتفتحها، وتنتظر الزحف المقدس قادماً إثر خطاها؛ شعباً يتلقى مسئولياته وينهض بها، ويشق طريقه إلى مستقبله ويصل إليه.

ثم ما لبثت التجربة أن أوضحت لنا أن الأمر لم يكن بالبساطة التى كنا نتصورها ونحن بعيدين عن الحقائق المادية المجردة من الأمانى والأحلام. وحين أتيح لنا أن نرى هذه الحقائق، أدركنا على الفور لماذا لم نستطع أن نلتقى بكم فى الموعد الذى كان بين الأمة وبيننا؛ كان الطريق بيننا وبينكم مليئاً بالعقبات، ولم يكن فى استطاعتنا أن نذهب إلى الممثلين الحقيقيين لهذه الأمة، ولا كان فى استطاعتهم أن يجيئوا إلينا.

كان بيننا وبينكم استعمار جثم على أرضنا منذ مئات السنين بل منذ آلافها، وكان لابد لهذا الاستعمار أن يحمل عصاه على كاهله ويرحل حتى نستطيع أن نلتقى بكم.

وكان بيننا وبينكم ملك استبد وطغى، وكان لابد أن يذهب هذا الملك حتى نستطيع أن نلتقى بكم.

وكان بيننا وبينكم إقطاع استشرى خطره واستفحل ضرره، لم يكتف بأن يملك الأرض وإنما أراد أن يضم إلى ملكية الأرض ملكية البشر، وكان لابد أن ينتهى هذا الإقطاع ويزول حتى نستطيع أن نلتقى بكم.

وكان بيننا وبينكم نظام حزبى مزق وحدة البلاد وفرق شملها، ولم تكن المبادئ موضوع الخلاف، وإنما كانت الزعامات الأنانية والمال الحرام وقوت هذا الشعب هو موضوع الخلاف، ومحور ارتكازه، وكان لابد أن يختفى هذا كله وينمحى حتى نستطيع أن نلتقى بكم.

وكان بيننا وبينكم يأس مخيف سيطر على القلوب والعقول نتيجة لكل ما ذكرنا، فإذا الأحداث تطرأ على هذا البلد والغالبية من شعبه تكتفى بموقف المتفرج، حتى وإن كانت هذه الأحداث تتعلق بالبلد وشعبه وتقرر مصيرهما معاً لمستقبل السنين. ومع اليأس المخيف أصبح وطننا أرضاً مفتوحة مكشوفة أمام كل من تحدثه نفسه بمذهب غريب أو عصبية جاهلة. وفى هذه الظروف ضاع الإيمان وضاعت الثقة، فلم يعد كل فرد فينا يؤمن أو يثق فى زعمائه، أو يؤمن أو يثق بغيره من المواطنين، أو يؤمن أو يثق حتى بنفسه. وكان ينبغى للإيمان والثقة أن يعودا إلينا كشعب وكأفراد حتى نستطيع أن نلتقى بكم.

وهكذا فى الوقت الذى اتضحت فيه معالم طريقنا إليكم وطريقكم إلينا، اتضحت فى الوقت ذاته حدود المعارك التى كان يتعين علينا أن نخوضها لكى يتم اتحاد شعبنا ويصبح حراً طليقاً يفتح بيده آفاق غده.

وكانت هذه المعارك فى حقيقة الأمر حرباً واحدة هى حرب الاستقلال.. كان التصدى للاستعمار معركة فى حرب الاستقلال، وكان خلع الملك معركة فى حرب الاستقلال، وكان القضاء على الإقطاع معركة فى حرب الاستقلال، وكان إنهاء وجود الأحزاب معركة فى حرب الاستقلال، وكانت مقاومة اليأس والدعوة إلى الثقة والإيمان معركة فى حرب الاستقلال.

كانت هذه المعارك كلها حرباً واحدة، ولقد تعددت المواقع ولكن العدو كان نفس العدو، العوامل متشابكة والفروع من الجذور. فلقد كان من المستحيل مثلاً أن نقضى على الاستعمار إلا إذا بدأنا بالقضاء على أعوان الاستعمار. وفى الحق أن أعوان الاستعمار كانوا أشد على هذا الوطن خطراً من الاستعمار؛ ذلك أن الاستعمار فى زماننا وعصرنا الحديث لا يجىء سافراً كاشفاً عن ظفره ونابه؛ وإنما هو دائماً يحاول أن يضع من الأقنعة على وجهه ما يخدع الناس به عن حقيقة نواياه.

وحتى قبل أن يحل بأرضنا الاستعمار البريطانى، كان الاستعمار التركى يتحكم فينا لا على أنه استعمار يريد أن يسيطر ويستغل؛ وإنما كانت السيطرة وكان الاستغلال تحت ستار جلال الخلافة ومهابة أمير المؤمنين.

ولما جاء الاستعمار البريطانى بعد أن سحق انتفاضة وطنية باسلة قام بها شعبنا وهى ثورة عرابى، لم يحكم البلد صراحة بضباطه الإنجليز، فقد كان حرياً أن يضعه أمام الشعب وجهاً لوجه، وكان الاستعمار يرى أن خير ما يلائم أهدافه ويحقق أغراضه هو أن يختفى وراء الستار ولا يقف أمامها، وأن يدير الملهاة، بل المأساة، من خلف المسرح ولا يظهر عليه.

وهكذا – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – زيف الاستعمار تاجاً، وأقام من الوهم عرشاً، ثم بدأ يجىء بالدمى والأصنام يصنع منها فوق رءوسنا ملوكاً وأمراء كانوا أذلاء ضعفاء أمامه؛ لأنه سيدهم وخالقهم، وكانوا عتاة جبابرة على الشعب يستعيضون منه ضريبة ذلهم وضعفهم أمام الاستعمار.

وكذلك كان الإقطاع.. كان قوة أرادها الاستعمار لتكون بديلاً لقوة القصر فى الحكم وفى الظلم، أو لتكون عوناً لها حسب مقتضيات الأحوال. ثم ضاقت حلقات الحصار حول الشعب لما بدأت الأحزاب تدور فى الدائرة، بعضها يعمل بأوامر القصر مباشرة، وبعضها بوحى من الإقطاع، وبعضها يختصر الطريق فيتجه دون شعور بالخزى أو العار إلى المصدر الحقيقى لكل سلطان؛ إلى الاستعمار. وكان الحصار حول الشعب محكماً لدرجة أنه لما ثار سنة ١٩١٩ لم تلبث الثورة إلا قليلاً حتى ثارت على نفسها، وانحرفت وتفتت وحدتها، وتناثرت شظايا متفرقة تصيب الشعب بجراح جديدة فوق ما كان يقاسيه من جراح. وكان الاستعمار من وراء هذا كله راضياً سعيداً، كانت القوى كلها أوراقاً فى يده يلعب بها إذا شاء مرة واحدة، أو يلعب بها إذا شاء واحدة بعد واحدة، وفى كل الأحوال كان الغنم له وكان الغرم على الشعب.

كذلك كانت المعارك فى حرب الاستقلال.. كان القتال فى أى معركة منها قتالاً فى كل معركة، ومواجهة أى خطر فيها مواجهة لكل الأخطار. كان خلع الملك مقدمة لإعلان الجمهورية، ومقدمة لإلغاء الألقاب، ومقدمة للقضاء على الإقطاع. وكان الإصلاح الزراعى مقدمة لحل الأحزاب، ولم يكن حل الأحزاب بدوره مجرد إنهاء لفتنة مزقت وحدة البلاد ونهبت ما نسى القصر والإقطاع نهبه من خيراتها فحسب؛ بل إن حل الأحزاب كان مقدمة لإجلاء الغاصب عن أرض مصر، فإن قوة الاحتلال فى منطقة القناة ما لبثت أن وجدت نفسها تواجه بلداً متحداً.

ولم يكن التوقيع الحقيقى على اتفاقية الجلاء نتيجة للجلوس إلى مائدة مفاوضات تعثر أمرها أكثر مما استقام؛ وإنما كان توقيع اتفاقية الجلاء محتماً لما وجد الاستعمار أنه فقد القوائم التى كان يرتكز عليها وجوده قائمة بعد قائمة. لقد تهاوت الدمى والأصنام دمية بعد دمية وصنماً فى أعقاب صنم، أصبح الاستعمار فإذا هو أمام الشعب وجهاً لوجه، ولاحت المعركة بينهما على الأفق، بل ووقعت المعركة فعلاً على أرض منطقة القناة، وبالأيدى المتحدة القوية، وبالدم الذكى الذى سال فى منطقة القناة وقعنا اتفاقية الجلاء، وانتصرنا فى حرب الاستقلال.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

كان انتصارنا فى حرب الاستقلال مقدمة لابد أن تمضى إلى غاياتها، فإن حصولنا على الاستقلال، وإن كان فى حد ذاته أملاً عظيماً، إلا أن ما بعد الاستقلال كان هو دون شك الأمل الأعظم. لم يكن الاستقلال فى رأينا مجرد صك مهرناه بالغالى الذكى من دمائنا لكى نحفظه مع ما نفخر به من تراث ماضينا وآثار أجدادنا؛ وإنما كان إيماننا أن هذا الاستقلال لا خير فيه ما لم يصبح نقطة الانطلاق إلى مستقبلنا.

كنا نريد الاستقلال حتى نستطيع أن نصنع حياتنا فى حرية، وهكذا لم يكن الاستقلال خاتمة المطاف وإنما كان بداية سعى، ولم يكن نهاية كفاح بل كان دعوة إلى كفاح، لم يكن هبوط الليل بعد نهاية عمل نهار وإنما كان مشرق الفجر. كان الاستقلال مجرد إشارة معناها أننا الآن نستطيع أن نعمل، وأننا الآن نستطيع أن نجنى ثمار هذا العمل. ولقد كان العمل المنظم لبناء وطننا عسيراً، بل مستحيلاً قبل الحصول على الاستقلال.

كانت كل جهودنا قبل الاستقلال بذوراً مبعثرة فى مهب الرياح معظمها يضيع فى الهواء، وقليل منها يستقر على الأرض ليخضر عوده وتورق أغصانه؛ ذلك أن الذين كانوا يتحكمون فى هذا البلد قبل الاستقلال لم يكونوا يريدون له القوة، بل إن حالة الضعف التى كان يرصف فى أغلالها كانت خير ضمان لهم بأن استغلالهم له مباح إلى غير ما حد.

كنا طالما يقعدنا العجز عن الحركة فريسة سهلة، فأين كان وجه المصلحة لديهم فى أن يمنحونا عناصر القوة أو يتركونا نحصل بجهودنا على هذه العناصر؟ إن الأقوياء لا يمكن أن يكونوا فرائس سهلة، وهكذا لما تحطمت الأغلال وجاء يوم الاستقلال كان المعنى الواضح والحقيقة الظاهرة وراء هذا الاستقلال؛ أنه الآن تفتحت الأبواب للعمل، ولكل من يريد أن يعمل.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

كان أمامنا عمل كثير وطويل.. كانت الأرض أمامنا رحبة واسعة.. كنا نريد أن نعمل للماضى الذى ضاع، وللحاضر الذى نريد أن نصونه، وللمستقبل الذى كنا نريد أن نؤمنه لأبنائنا. وكنا نعرف طريقنا؛ فقد كان شعبنا – كما جاء فى مقدمة دستور ١٦ يناير سنة ١٩٥٦ – يريد مستقبلاً متحرراً من الخوف، متحرراً من الحاجة، متحرراً من الذل، يبنى فيه بعمله الإيجابى وبكل طاقته وإمكانياته مجتمعاً تسوده الرفاهية، ويتم له فى ظلاله القضاء على الاستعمار وأعوانه، القضاء على الإقطاع، القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، إقامه جيش وطنى قوى، إقامة عدالة اجتماعية، إقامة حياة ديمقراطية سليمة.

ولم تكن هذه المعانى كلها مجرد شعارات ترتفع بها الأعلام أيام الاحتفالات بالأعياد؛ وإنما كانت هذه المعانى إرادة عزمت وصممت.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

وكان خيالنا مليئاً بأحلام الغد الذى نريده، ولقد أودعنا دستورنا هذه الأحلام، لا لتكون مجرد ألفاظ مرصوصة؛ وإنما لتكون خط سيرنا وخطة عملنا من أجل هذا الغد الذى نحلم به.

ولابد هنا – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – من وقفة طويلة أمام الباب الثانى والثالث من أبواب دستورنا؛ هذه المواد التى تضع المقومات الأساسية للمجتمع المصرى، وتحدد له حقوقه وواجباته.

تأملوا المادة الرابعة من هذا الدستور؛ المادة التى تقول: “التضامن الاجتماعى أساس للمجتمع المصرى”.

والمادة الخامسة التى تقول: “الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق والوطنية”.

والمادة السادسة التى تقول: “تكفل الدولة الحرية والأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المصريين”.

والمادة السابعة التى تقول: “ينظم الاقتصاد القومى وفقاً لخطط مرسومة تراعى فيها مبادئ العدالة الاجتماعية، وتهدف إلى تنمية الإنتاج ورفع مستوى المعيشة”.

والمادة الثانية عشرة التى تقول: “يعين القانون الحد الأقصى للملكية الزراعية بما لا يسمح بقيام الإقطاع، ولا يجوز لغير المصريين تملك الأرض الزراعية إلا فى الأحوال التى بينها القانون”.

والمادة الثالثة عشرة التى تقول: “يحدد القانون وسائل حماية الملكية الزراعية الصغيرة”.

والمادة الرابعة عشرة التى تقول: “ينظم القانون العلاقة بين ملاك العقارات ومستأجريها”.

والمادة الخامسة عشرة التى تقول: “تشجع الدولة الادخار، وتشرف على تنظيم الائتمان، وتيسر استغلال الادخار الشعبى”.

والمادة السادسة عشرة التى تقول: “تشجع الدولة التعاون وترعى المنشآت التعاونية بمختلف صورها”.

والمادة السابعة عشرة التى تقول: “تعمل الدولة على أن تيسر للمواطنين جميعاً مستوى لائقاً من المعيشة أساسه تهيئة الغذاء، والمسكن، والخدمات الصحية والثقافية والاجتماعية”.

والمادة الثامنة عشرة التى تقول: “تكفل الدولة وفقاً للقانون دعم الأسرة وحماية الأمومة والطفولة”.

والمادة التاسعة عشرة التى تقول: “تيسر الدولة للمرأة التوفيق بين عملها فى المجتمع وواجباتها فى الأسرة”.

والمادة العشرون التى تقول: “تحمى الدولة النشء من الاستغلال وتقيه الإهمال الأدبى والجسمانى والروحى”.

والمادة الواحدة والعشرون التى تقول: “للمصريين الحق فى المعونة فى حالة الشيخوخة وفى حالة المرض أو العجز عن العمل، وتكفل الدولة خدمات التأمين الاجتماعى والمعونة الاجتماعية والصحة العامة، وتوسعها تدريجياً”.

والمادة الثانية والعشرون التى تقول: “العدالة الاجتماعية أساس الضرائب والتكاليف العامة”.

والمادة الثالثة والعشرون التى تقول: “المصريون متضامنون فى تحمل الأعباء الناتجة عن الكوارث والمحن العامة”.

والمادة الثامنة والعشرون التى تقول: “الوظائف العامة تكليف للقائمين بها، ويستهدف موظفو الدولة فى أدائهم وظائفهم خدمة الشعب”.

والمادة الواحدة والثلاثون التى تقول: “المصريون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة”.

والمادة التاسعة والأربعون التى تقول: “التعليم حق للمصريين جميعاً، تكفله الدولة بإنشاء مختلف المدارس والمؤسسات الثقافية والتربوية والتوسع فيها تدريجياً، وتهتم الدولة خاصة بنمو الشباب البدنى والعقلى والخلقى”.

والمادة الواحدة والخمسون التى تقول: “التعليم فى مرحلته الأولى إجبارى وبالمجان فى مدارس الدولة”.

والمادة الثانية والخمسون التى تقول: “للمصريين حق العمل، وتعنى الدولة بتوفيره”.

والمادة الثالثة والخمسون التى تقول: “تكفل الدولة للمصريين معاملة عادلة بحسب ما يؤدونه من أعمال، وبتحديد ساعات العمل، وتقدير الأجور، والتأمين ضد الأخطار، وتنظيم حق الراحة والاجازات”.

والمادة الرابعة والخمسون التى تقول: “ينظم القانون العلاقات بين العمال وأصحاب الأعمال على أسس اقتصادية، مع مراعاة العدالة الاجتماعية”.

والمادة السادسة والخمسون التى تقول: “الرعاية الصحية حق للمصريين جميعاً تكفله الدولة بإنشاء مختلف أنواع المستشفيات والمؤسسات الصحية، والتوسع فيها تدريجياً”.

والمادة الثامنة والخمسون التى تقول: “الدفاع عن الوطن واجب مقدس، وأداء الخدمة العسكرية شرف للمصريين، والتجنيد إجبارى وفقاً للقانون”.

والمادة الواحدة والستون التى تقول: “الانتخاب حق للمصريين على الوجه المبين فى القانون، ومساهمتهم فى الحياة العامة واجب وطنى عليهم”.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

كان لابد من هذه الوقفة الطويلة أمام هذه المواد من دستورنا، فإن هذه المواد فى حقيقة أمرها قسمات الوجه الذى نريده لمستقبلنا وتقاطعيه، إنها أشبه ما تكون بالرسم الذى يضعه المهندسون قبل الشروع فى البناء، ثم يبدءون على مقاييسه يضعون الأساس، ويصعدون بالطوابق واحداً فوق الآخر حتى يعلو البناء.

وعلى مقاييس هذه المواد من دستورنا بدأ عملنا، ولقد بدأ العمل فى الواقع قبل صياغة مواد الدستور، فإن الأفكار كانت تجيش فى صدورنا قبل أن نصوغها فى الألفاظ، بل إن العمل فى الواقع أيضاً بدأ حتى قبل أن تنتهى حرب الاستقلال. كنا نفعل ما نقدر أن نفعله، بينما نحن نحارب معركتنا؛ كنا نتحرك فى كل شبر نربحه بينما الحرب محتدمة والمعركة دائرة. وكانت أجهزة الدولة كلها متجهة بأقصى سرعتها إلى العمل؛ عملت تحت النار، وعملت بعد حرب الاستقلال، وعملت فى الظروف التى تلت حرب الاستقلال، وكانت فى كثير من الأحيان أشد منها صعوبة وأكثر منها مشقة.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

إن الوزراء سوف يستعرضون أمامكم كل منهم فى حدود اختصاصه ما تم عمله خلال السنوات الخمس الماضية، لهذا سنكتفى هنا بموجز صغير، كل القصد منه أن يتضح لكم مدى التوافق بين أمانى شعبنا التى رسم فيها أحلام غده، ثم أودعها مواد دستوره، وبين التطبيق العملى لهذه الأحلام وتحويل مواد الدستور إلى واقع ملموس.

وفيما يلى ما تم انجازه من الأعمال بواسطة أجهزة الدولة المختلفة؛ فى سبيل بلورة الأفكار لنصبح مجتمعاً سعيداً، وترجمة الرسوم لتكون بناءاً شامخاً.

ففى ميدان الإصلاح الزراعى صدر قانون الإصلاح الزراعى رقم ١٧٨ فى سبتمبر سنة ١٩٥٢، يهدف إلى تغير شامل فى النظم السياسية والاجتماعية السائدة فى البلاد؛ يقضى على الإقطاع.. يقضى على الملكيات الشاسعة التى أعطت لأصحابها سلطات وامتيازات اجتماعية واقتصادية، وخلقت منهم طبقة عليا تتصرف فى شئون البلاد كما تشاء؛ عن طريق سيطرتها على الجهاز التشريعى ممثلاً فى البرلمان، والجهاز التنفيذى ممثلاً فى الوزارات، هذا بينما الغالبية العظمى من المشتغلين بالزراعة – سواء كانوا من صغار الملاك أو من المستأجرين أو من عمال الزراعة – يعيشون فى صحبة الفقر والإهمال.

استولت الهيئة التنفيذية للإصلاح الزراعى على ٤٢٠ ألف فدان كانت زائدة عن الحد فى ملكية ١٧٦٨ مالك، ثمن هذه الأرض بمنشآتها ٩٢ مليون جنيه. هذا بخلاف ١٤٥ ألف فدان تخضع للقانون، وتصرف فيها ملاكها السابقون فى حدود ملكيات صغيرة مساحتها خمس أفدنة لصغار الزراع. وتقرر أخيراً ضم أراضى الأوقاف إلى الإصلاح الزراعى لتوزيعها، وتزيد مساحتها على ٢٠٠ ألف فدان. بذلك تكون مساحة الأرض التى تقرر توزيعها ما يقرب من ٨٠٠ ألف فدان، ولقد تم بالفعل توزيع ٢٨٢.٦٥٠ فداناً، انتفع بحيازتها ٦٨٧٣٧ أسرة، تتكون من ٤٦٦٤٩٥ فرداً، وسيتم هذا العام – إن شاء الله – توزيع خمسين ألف فدان، سيوزع منها غداً – ٢٣ يوليو – عشرين ألف فدان.

وبانتهاء التوزيع يكون قد انتفع بتملك الأرض مليون وخمسمائة ألف فرد. ولم يترك الملاك الجدد ليواجهوا مشاكلهم دون عون؛ وإنما نص القانون على تكوين جمعيات تعاونية زراعية لمن آلت إليهم الأرض، وبلغ عدد الجمعيات التى تم تأسيسها حتى نهاية العام الماضى ٢٠٦ جمعية. وقد حققت هذه الجمعيات التعاونية فى العام الماضى – سنة ١٩٥٦ – ربحاً صافياً قدره مليون وأربعة وعشرين ألف وتسعمائة ستة وأربعين جنيهاً، هذا عدا أنها أصبحت الآن تملك احتياطات معدة لمشروعات إنتاجية واجتماعية لأعضائها قيمتها ستة مليون جنيه.

صدر قانون لتحديد الإيجارات، حقق استقراراً للمستأجرين وزيادة فى إنتاجية الأرض نتيجة لزيادة دخل هؤلاء المستأجرين. أبرز النتائج الاجتماعية للإصلاح الزراعى هى:

كان كبار الملاك يملكون ٢٠% من الأرض، وكانت نسبتهم بين ملاك الأرض هى ٦ فى ١٠ آلاف.

كان صغار الزراع يملكون ٣٥% من الأرض، وكانت نسبتهم ٩٥%.

والآن أصبح الوضع:

كبار الزراع يملكون الآن ٦% من الأرض، صغار الزراع يملكون ٥٠% من الأرض.

أما فى ميدان الزراعة فقد أدى التوسع فى توزيع التقاوى المنتقاة لمختلف المحاصيل إلى ارتفاع غلة الفدان؛ فزاد معدلها فى السنوات الأربع الأخيرة بمقدار ١١% عما كانت عليه فى الأربع سنوات السابقة للثورة. كانت الزيادة فى القمح ١٩%، والأرز ٢٨%، والقصب ١٧%، والشعير ١٣%، والذرة الشامية ٦%.

أصبحنا نستورد مواد غذائية أقل، ونصدر أكثر؛ كنا سنة ١٩٥١ نستورد ٦ مليون أردب قمح، فى سنة ١٩٥٥ استوردنا ٣.٦ مليون أردب قمح، زاد تصديرنا من الأرز والبصل سنة ١٩٥١ صدرنا أرزاً مقداره ٢٥ ألف طن، سنة ١٩٥٥ صدرنا أرزاً مقداره ٢٣٥ ألف طن، سنة ١٩٥١ صدرنا بصلاً مقداره ٢.٣ مليون قنطار، سنة ١٩٥٥ صدرنا بصلاً مقداره ٤.٦ مليون قنطار.

ورغبة فى تجنب أخطار الاعتماد على محصول واحد، زادت المساحات التى زرعت بمحصولات أخرى غير القطن زيادة هائلة؛ فى سنة ١٩٥٦ زرعنا ٣١٧ ألف فدان أرز زيادة عما كنا نزرعه قبل ١٩٥٢، فى سنة ١٩٥٦ زرعنا ١٠٣ ألف فدان خضر زيادة عما كنا نزرعه قبل ١٩٥٢، كذلك زادت زراعة الفواكه ١٣ ألف و٥٠٠ فدان، والقصب ١٧ ألف و٣٠٠ فدان، والمحاصيل البقولية ١٢ ألف فدان. وضع برنامج لزيادة مساحة حقول الفاكهة إلى ٥٠% من المساحة الحالية على مدى سبع سنوات، من أجل هذا يتم توزيع مليون و٢٠٠ ألف شتلة سنوياً من مختلف أصناف الفاكهة على الزراع. تجرى الآن على أوسع نطاق دراسة موضوعية للتربة المصرية، كما تم إنشاء معمل بحوث للأراضى الملحية والقلوية ومحطة أبحاث لتغذية النبات. زاد إنتاج مصر من اللبن؛ سنة ٥٢/٥٣ كان إنتاج مصر من اللبن ١.٩٥٠ مليون رطل، سنة ٥٥/٥٦ زاد إنتاج اللبن فى مصر إلى ٢.٣٤٠ مليون رطل. بدأ إنشاء ٣٠٠ وحدة بيطرية لعلاج الحيوانات، تتولى كل منها علاج عشرين ألف فى محيط عملها.

كان دخلنا من الزراعة فى موسم ١٩٥٢/١٩٥٣ هو ٥٢ مليون جنيه، وصل عام ٥٥/٥٦ إلى ٣١٢ مليون جنيه.

فى ميدان الصناعة تم دراسة كل الإمكانيات الصناعية بمصر دراسة علمية وشاملة، ينتهى هذا العام بناء مصنع الحديد والصلب، تم توسيع معمل تكرير البترول فى السويس بحيث زاد إنتاجه من ٤٠٠ ألف طن إلى مليون و٣٠٠ ألف طن، وتم أيضاً إنشاء معمل فى مسطرد، وتم كذلك إنشاء معمل فى الإسكندرية تصل طاقته إلى ٧٠٠ ألف طن، كذلك تم مد خط أنابيب بترول بين السويس والقاهرة طوله ١٣٠ كم وكفايته ٢ مليون و٣٠٠ ألف طن.

أوشك العمل فى كهربة خزان أسوان على الانتهاء، وتقدر تكاليفه بسبعة وعشرين ونص مليون جنيه، وسيعطى قوة كهربائية قدرها ١٨٨٠ مليون كيلووات/ساعة تستخدم فى الأغراض الصناعية؛ وبينها الكهرباء اللازمة لمصنع السماد الكبير الذى يجرى إنشاؤه الآن، والذى يتكلف ٢٢ مليون جنيه، ليكون إنتاجه ٣٧٠ ألف طن من سماد نترات النشادر الجيرى، تبلغ قيمتها كل عام أكثر من ٨ مليون جنيه.

تم وضع مشروع للتوسع الصناعى على خمس سنوات، وسوف يترتب على تنفيذه زيادة فى الدخل القومى مقدارها ١٣٠ مليون جنيه، وبذلك يصبح نصيب الصناعة ٢٢% من الدخل القومى. يحتاج هذا البرنامج إلى ١٢٠ ألف عامل جديد، وبما أن وجود كل عامل فى المصنع يقتضى وجود أربعة عمال غيره فى النقل والتوزيع؛ فإن هذا البرنامج سيوفر مجال العمل لما يزيد على نص مليون عامل، يوزع دخلهم على ٣ مليون من السكان.

بدء فعلاً فى تنفيذ المرحلة الأولى من هذا المشروع، ويجرى الآن إنشاء ٢٩ مشروعاً منها، بينها مصنع الورق، ومصنع الصودا الكاوية، ومصنع معدات المبانى. خصص للمشروعات الإنتاجية فى ميزانية الدولة فى الأربع سنوات الماضية ما معدله ٥٠ مليون جنيه كل سنة، أى ٢٠٠ مليون جنيه فى أربع سنوات.

قامت صناعات جديدة مثل صناعات الكابلات، والبطاريات، والكاوتشوك، والصينى والخزف، والجوت، والأدوية، والأدوات الكهربائية.

أصبح الإنتاج الصناعى يزيد بمعدل ١٠% كل عام، وسوف يتعدى هذه النسبة بكثير بعد مشروع السنوات الخمس، كما أعد برنامج تعدينى واسع النطاق.

بقى جزء هام من نهضتنا الصناعية؛ ذلك هو صناعاتنا العسكرية التى أدت رسالة هائلة فى سد احتياجات القوات المسلحة، وضربت أرقاماً تعتبر قياسية فى عالم الصناعة والتصنيع. ويكفى أن هذه المصانع حققت إنتاجاً بلغت قيمته ٧ مليون جنيه فى السنتين الأخيرتين، هذا فضلاً عن فائدة أخرى أخطر وأهم لهذه المصانع؛ تلك هى خلق جيل جديد من العمال المهرة والمهندسين والفنيين.

أما فى ميدان المال والاقتصاد والتجارة والتموين فقد بدأت الثورة والبلاد على حافة الخراب؛ كان هناك عجز فعلى فى ميزانية ٥١/٥٢ قدره ٣٨ مليون جنيه، وكانت هناك خسائر عمليات المضاربة فى القطن وقدرها ٣٠ مليون جنيه، وفوق ذلك كانت هناك نفقات حرب فلسطين.

كان عجز الميزان التجارى سنة ٥١/١٩٥٢ (٧٦) مليون جنيه و٧٠٠ ألف، وهبط العجز سنة ٥٦ إلى ٤٣ مليون جنيه و٨٠٠ ألف، وفى الشهور الستة الأولى من سنة ١٩٥٧ حققنا فائضاً قدره ٦ مليون جنيه ونص.

تم تمصير ٧ بنوك و١٦ شركة تأمين وأكثر من ٤٠ شركة، كانت هى فى الواقع شرايين الاقتصاد المصرى. تحول البنك الأهلى إلى بنك مركزى، وأنشئت المؤسسة الاقتصادية بغرض توحيد الهيئة التى تتولى وضع سياسة استثمار الأموال العامة فى مختلف ميادين النشاط الاقتصادى، ولتكون قوة اقتصادية متحركة مؤثرة دافعة فى هذه الميادين.

تم تدعيم سوق الأوراق المالية، تم وضع تنظيم للأداة الحكومية، تم وضع برامج لتدريب الموظفين، زادت ودائع المصريين فى البنوك ٦٢ مليون جنيه؛ كانت ٢٠٠ مليون جنيه و٧٠٠ ألف، وأصبحت ٢٦٢ مليون جنيه و٥٠٠ ألف. كان عدد الشركات المصرية سنة ١٩٥٢ هو ٢٦ ألف و٦٣٦ شركة فيها ١٨٣ مليون جنيه، أصبح عددها سنة ١٩٥٦ هو ٣٤١٤ شركة فيها الآن ٢٤٦ مليون جنيه؛ أى بزيادة ٧٤٨٧ شركة و٦٣ مليون جنيه.

عقدنا اتفاقيات تجارية مع ٣٢ دولة.. نظمت تجارة القطن.. نظمت الأسواق.. نظمت الغرف التجارية، دعم البنك الصناعى، وصنعت سياسة تموينية لمواجهة مستقبل الزيادة فى عدد السكان، بذلت جهود هائلة لتوفير السلع التموينية حتى فى أشد الظروف صعوبة وأقصاها مشقة.

أما فى ميادين الأشغال والمواصلات.. وضع برنامج لتوسع زراعى عاجل فى مساحة قدرها ٣٠٠ ألف فدان، ينتظر إتمامها هذا العام، تكاليفها ٧ مليون جنيه. وضعت مشروعات لتحسين طرق الرى والصرف بالوجهين البحرى والقبلى، وتتكلف هذه المشروعات ٥٨ مليون جنيه، وبدأ التنفيذ سنة ١٩٥٤، ومجموع ما صرف حتى الآن لهذه المشروعات ١٩ مليون جنيه. وضع برنامج لتدعيم خطوط الملاحة الحالية فى النيل تكلف ١١ مليون.

زاد إنتاج الكهرباء وزاد استهلاكها فأصبح الآن ١٥٠٠ مليون كيلووات/ساعة، هذا عدا الكهرباء الناتجة من خزان أسوان وقدرها ١٨٨٠ مليون كيلووات/ساعة، وقد أعدت مشروعات لتوصيلها إلى ٨ آلاف مليون كيلووات/ساعة على مدى خمس سنوات، تتكلف ٢٥ مليون جنيه.

تم تجديد ٥٠٠ كيلو متر سكة حديد، وشراء ١٢٠ قاطرة ديزل، و٤٥ قاطرة ديزل ثقيلة، و٢٤٠ عربة ركاب، و٢٠ وحدة ديزل كل منها ٣ عربات، و١٧٠٠ عربة بضاعة. أنشئت وجددت كبارى ومحطات وأنفاق زاد عددها على ٣٠٠ كوبرى ومحطة ونفق، وتمت كهربة سكة حديد حلوان وتكلفت هذه الكهربة ٥.٥ مليون جنيه.

صرفنا على إنشاء الطرق ١٨ مليون جنيه، وسنصرف عليها ٢٠ مليون جنيه فى السنوات الخمس القادمة، تم مد ٢٠٠٠ كيلومتر من الطرق الجديدة، أصبح لدينا من سيارات الأتوبيس ما يكفى لنقل ٥٠ مليون راكب كل سنة، ومن سيارات اللورى ما طاقته ٢٠٠ مليون طن فى السنة.

زاد عدد التليفونات ما يقرب من ٥٠ ألف خط، أصبحت طاقة مصلحة البريد ٢٥٣ مليون خطاب ومليون طرد فى السنة، وأصبحت طاقة أعمالها المالية ١٢٥ مليون جنيه.

أما فى ميدان التخطيط والشئون البلدية والقروية.. أنشئت هيئة عليا للتخطيط والتنسيق؛ حتى تكون أعمالنا على هدى، وحركاتنا طبقاً لبرنامج مرسوم. بلغت جملة تكاليف توفير المياه النقية للمدن والقرى ٢٦ مليون جنيه، و٥ ونص فى المدن والباقى كله فى الريف.

أعد تخطيط لكل المدن الكبرى فى جمهورية مصر، تم إنشاء ٢٥٠ وحدة مجمعة وصلت تكاليفها إلى ١٣ مليون جنيه، أعيد تنسيق وتحسين مداخل القاهرة، ورصف من شوارعها خمسة ونصف مليون متر مربع، تكلفت خمسة مليون جنيه. أقيمت كبارى وأنفاق لمداخل المدينة وعلى طريق الكورنيش، وكذلك كوبرى الجامعة، قد تكلف ذلك ٢.٥ مليون جنيه. أنشىء طريق الكورنيش ويبلغ طوله ٤٠ كيلو متراً وتكلف ٢.٥ مليون جنيه، كما أنشىء طريق بورسعيد وطوله ١٥ كيلو متراً وتكاليفه ٨٠٠ ألف جنيه. أزيلت أحياء غير صحية من القاهرة، وأنشئت لسكانها مساكن شعبية عددها ٤٠٠٠ مسكن، هذا عدا برنامج المساكن الشعبية الأخرى.

ولم تكن القاهرة فى هذه المشروعات كلها إلا نموذجاً لغيرها من بلاد القطر، أعيد تعمير بورسعيد فى زمن قياسى تحت ظروف نعرفها جميعاً، وتم بناء ٤٤٦٠ مسكن بكل ما يلزمها من مرافق وخدمات عامة كالمدارس والمستشفيات والأسواق التجارية. وأقيمت منشآت جديدة فى بورسعيد لا تقل تكاليفها عن خمسة مليون جنيه، وبلغ ما صرف على أعمال التعمير والإنشاء فى السنوات الخمس الماضية ١١٢ مليون جنيه.

أما فى الميدان الاجتماعى.. صدر قانون عقد العمل الفردى، وصدر قانون تنظيم النقابات، وتنظيم التوفيق والتحكيم. تم تنظيم التعاون باعتباره من المبادئ الأصيلة للثورة، ووضع برنامج للحركة التعاونية على خمس سنوات. صدر قانون نظام التأمين والادخار للعمال، وتبحث الآن مشروعات تأمين العامل ضد المرض والبطالة.

أعيد تنظيم جمعيات البر، تعاون الوطن كله فى تحمل أعباء تعويض الذين لحقهم أضرار العدوان. صرفت وزارة الأوقاف فى وجوه البر والخير مليوناً ونصف مليون جنيه، وهناك ١٢ ألف أسرة فقيرة تصرف لها الوزارة سنوياً ٢٠٠ ألف جنيه.

قامت حركة تشريعية واسعة النطاق وسنت مجموعات من القوانين تهدف إلى القضاء على مفاسد الماضى وتطهير الحياة العامة، وتساند التطور الاجتماعى والثقافى والاقتصادى، وأبرز هذه القوانين قانون إلغاء المحاكم الشرعية والملية وإحالة قضاياها إلى المحاكم الوطنية، وأعيد إصدار قانون استقلال القضاء، وقانون المحاماه.

وفى نفس الوقت بذل أكبر مجهود لصيانة الأمن؛ أنشئت ٤٩ مدرسة دربت ٣٥ ألف رجل من رجال البوليس، ارتفع مستوى أسلحة البوليس، وارتفع مستوى مواصلاته، أنشئت له شبكة لاسلكية، وضعت تحت تصرفه أحدث الآلات والأجهزة العلمية فى محاربة الجريمة؛ والنتيجة أنه بالرغم من زيادة عدد السكان وتفاقم مشاكل الجريمة فى العالم أجمع، هبط عدد الجنايات فى سنوات الثورة بمقدار ٣٨٣٧ جناية عما كان عليه فى السنوات الخمس السابقة لها، بمعدل ٧٦٧ جناية كل عام. هذا عدا إعادة تنظيم الدفاع المدنى، وتنظيم إدارة الهجرة والجوازات والجنسية، وتعميم نظام البطاقات الشخصية.

أما فى الميدان الصحى.. فمع الوحدات المجمعة تم إنشاء ٢٥٠ مستشفى، ملحق بها ٤٠ مجموعة صحية، تخدم كل منها ١٥ ألف من السكان.

تم إنشاء ١١٥ وحدة للعلاج الشامل فى المنيا والشرقية، تضاعف عدد أسرة الدرن، وأنشئت المصحات والمستوصفات، أنشئت ٣ مستشفيات عمومية كبرى وثمانية فى بنادر المديريات، وأصبح عدد المستفيدين من المستشفيات العامة سنة ١٩٥٦ هو ٥ مليون مواطن. وأنشئت ١٤ وحدة رمد جديدة، تقرر إنشاء ٤ مستشفيات للأمراض العقلية، و٧ مستشفيات جديدة للحميات، و٢٨ وحدة لمراقبة الأغذية. عززت معامل اللقاحات والأمصال، وبدأ إنتاج الأنسولين والجلوكوز على نطاق واسع فى مصر. أنشىء مركز رئيسى لنقل الدم، و١٠ مراكز بعواصم الأقاليم.

زادت مراكز رعاية الأمومة والطفولة، أنشىء مصنع للمبيدات الحشرية، بذل كل جهد لتوفير الدواء سواء عن طريق الاستيراد أو عن طريق تشجيع التصنيع المحلى، أرسلنا ٤٥٠ طبيباً من أطبائنا للتخصص فى أعظم جامعات العالم.

يجرى الآن ويتم قريباً إنشاء معهد للسرطان، ومعهد لشلل الأطفال، ومعهد للعلاج بالنظائر المشعة، ومعمل لاختبار الأدوية، ومعمل لبحث تأثير الإشعاع الذرى على الإنسان، ومعمل لبحوث الأشعة.

أما فى ميدان العلم والثقافة.. ففى العام السابق للثورة بنيت فى مصر ٣ مدارس جديدة، وفى السنوات الخمس الماضية كان مجموع ما بنى من مدارس ١٢٣٥ مدرسة، أى بمعدل ٢٤٧ مدرسة كل عام، أى بمعدل مدرستين كل ثلاثة أيام.

فى السنوات الخمس السابقة على الثورة بلغ ما صرف على بناء المدارس ٤ مليون جنيه، وفى الخمس سنوات التالية للثورة صرف على بناء المدارس ٢٥ مليون جنيه، وصرف ٢.٥ مليون لتجديد مدارس قديمة.

فى أول سنة للثورة وصلت ميزانية التعليم إلى ٢٦ مليون جنيه، ثم قفزت إلى ٣٦ مليون جنيه، وفى هذا العام وصلت إلى ٤٥ مليون جنيه، منها ٣٨ فى ميزانية وزارة التربية والتعليم، والباقى مرصود فى ميزانيات وزارات أخرى تعليمية.

أنشىء مجلس رعاية الشباب ليرسم الخطط الكفيلة بنشر الوعى الرياضى والاجتماعى والقومى للشباب، ويحميهم من الانحراف، ويوجههم فيما يعود عليهم وعلى بلادهم بالخير والنفع. ومن أجل مشروعات الشباب صرف فى العام الماضى وفى هذا العام أكثر من ٢ مليون جنيه.

أنشئت جوائز لتشجيع الممتازين من الطلاب والمعلمين، حصل عليها حتى الآن ٢٢ ألف طالب ومعلم فى أكثر من ألف مدرسة ومعهد. كان عدد الطلبة العرب والشرقيين سنة ١٩٥٢ فى المعاهد المصرية ١٦٧٦ وعددهم الآن ٨٥٣٤.

وكان لنا فى البلاد العربية والشرقية ٦٩٠ مدرساً، ولنا الآن ١٦٧٦ مدرساً. وأنشأت مصر مراكز ثقافية فى بنى غازى، وطرابلس، وأم درمان، ودمشق، وعمان، والرباط. وأهدت مصر إلى الدول العربية والشرقية ٣٨٠ ألف كتاب. كانت بعثاتنا فى الخارج ٣٤٦، ولنا الآن ٧٠٠ بعثة.

بلغ عدد الطلاب فى مدارسنا ومعاهدنا ٢ مليون و٧٥٠ ألف؛ كان لنا فى المدارس الابتدائية مليون و٤٠٠ ألف تلميذ، ولنا الآن ٢ مليون ١٧٦ ألف تلميذ. وفى المدارس الفنية والصناعية كان لنا ٢٢ ألف تلميذ، ولنا الآن ٤٩ ألف و٥٠٠ تلميذ. وفى الجامعات كان لنا ٤٢ ألف طالب، ولنا الآن ٧٤ ألفاً. وفى التعليم الدينى كانت ميزانية الأزهر مليون و٣٩١ ألف و٥٥ جنيه، أصبح ٢ مليون و٣٥٠ ألف و٦٠٠ جنيه.

كان للأزهر ٢٥ معهداً، أصبحت الآن ٣٧، كان فيه ٢٢ ألف و١٣٥ طالباً، وفيه الآن ٣١ ألف و٥٥٦ طالباً، كان له فى البلاد العربية والإسلامية ٧٣ عالماً مبعوثاً، وله الآن فى البلاد العربية والإسلامية ٧٠٠ عالم مبعوث، ويبنى الأزهر الآن مدينة للبعوث الإسلامية تتكلف ٢ مليون جنيه.

أنشىء المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وأنشىء المجلس الأعلى للعلوم، أصبح المركز القومى للبحوث – بعد أن تم بناء معامله وإعداد أجهزته – أكبر مركز مجمع للبحوث فى الشرق، ومن أعظمها فى العالم بأسره، كان فيه ٦ باحثين سنة ١٩٥٤، وفيه الآن ١١٠ باحث.

أصبحت لنا أقوى محطات إذاعة فى الشرق، وصنعت البرامج للنهوض بالمسرح والسينما والموسيقى.

وأخيراً – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – سرنا مع الزمن، وبدأنا نخطو عتبات العالم الذرى؛ أنشأنا لجنة لأبحاث الطاقة الذرية، أعدت برنامجاً يتضمن إنشاء فرن ذرى للدراسات، ومعمل للطبيعة النووية، ومركز للعلاج، ومعدات للكشف الجيولوجى، ووحدات لبحث الزراعة والتطبيقات الذرية الصناعية، تكلف هذا البرنامج مليون جنيه. ويجرى الآن إعداد برنامج ثانى يهدف إلى الكشف عن الخامات الذرية الموجودة فى صحارى مصر، وإلى إنتاج الماء الثقيل الذى يدخل فى بناء محطات توليد القوى الكهربائية الذرية، ولنا الآن أكثر من مائة عالم مصرى يتخصصون فى الأبحاث المتصلة بعلوم الذرة، فى أكبر مراكز البحث الذرى فى العالم.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

ولكن الاستعمار هاله ما كنا نفعله فى بلادنا؛ لقد أصبح واضحاً الآن لنا أن الاستعمار لم يكن يريد أن تنهض من تحت أنقاض الماضى أمة جديدة تبنى نفسها وتحاول أن تكون نموذجاً لغيرها من الأمم المتحررة فى المنطقة، أمة تمنح نفسها القوة وترشد غيرها إلى الطريق.. كان الاستعمار يريد لهذه المنطقة أمراً، وكانت شعوب المنطقة تريد لنفسها أمراً آخر.

وهكذا – بينما نحن منهمكون فى عملية البناء – أخذ الاستعمار يتحرش بنا، ولقد أدركنا على الفور أنه لا مفر من معركة أخرى مع الاستعمار لصيانة استقلالنا، وكانت المعركة جديدة فى هذه المرة عن المعركة التى كنا قد نفضنا أيدينا منها لتونا؛ حاربناه فى المرة الأولى داخل بلادنا لنخرجه منها، وبدا أننا سنضطر لحربه مرة ثانية فى خارج بلادنا حتى لا يدخل إليها.

كانت الحرب الأولى حرب الاستقلال، وكان لابد أن تصبح الحرب الثانية حرب تثبيت الاستقلال. ولقد حاولنا جهدنا أن نتجنب معركة صريحة؛ فقد كنا ندرك حاجتنا إلى الوقت لكى نبنى بلادنا، ولكن الاستعمار كان يرى ما كنا نراه، ومن هنا كان همه الأول ألا يترك لنا وقتاً، أو هكذا كانت خطته، فلم يكد التوقيع بالحروف الأولى على اتفاقية القاعدة يتم حتى بدأت سلسلة المناورات التى كانت فى الواقع مقدمات معركة الاستقلال الثانية، أو معركة تثبيت الاستقلال.

كانت أولى هذه المناورات مسألة الدفاع عن الشرق الأوسط.. لقد كان الدفاع عن الشرق الأوسط يهمنا من غير شك، ولكن نوع الدفاع الذى كنا نريده كان يختلف عن نوع الدفاع الذى كانوا يريدونه، وكان خلافنا الأساسى ينبع من مصدرين: الأول، أننا كنا نريد دفاعاً يحمى الشرق الأوسط من أى عدوان مهما كان مصدره، وكانوا يريدون أن يكون الدفاع ضد الاتحاد السوفيتى، وضد الاتحاد السوفيتى وحده.

والثانى، أننا كنا نريد دفاعاً ينبثق من داخل المنطقة نفسها ويرتكز على شعوبها، وكانوا يريدون دفاعاً مشتركاً يدخلون فيه، ويسيطرون عليه، ويصبحون رؤوسه وتصبح شعوب المنطقة ذيوله، يتولون قيادته ولا تملك شعوب المنطقة إلا أن تكون مجرد الأنفار، أو مجرد وقود بشرى للمعركة.

وكانت هوة الخلاف على هذا النحو شاسعة؛ فقد كانت الفوارق واسعة بين ما نريد وما يريدون؛ كنا نريد الحرية الحقيقية، وكانوا يريدون السيطرة المقنعة.

ولما استطاعوا إقناع الوزارة العراقية – القائمة فى ذلك الوقت – بفكرة التحالف العسكرى المتجه ضد الاتحاد السوفيتى وحده، شركة مع بريطانيا ثم مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك، لم نقل شيئاً بادئ الأمر، فقد كان رأينا أن المشكلة أولاً وأخيراً تخص شعب العراق، وهو وحده صاحب الحق أن يقول رأيه فيها. وفى هذا كله – كما شرحنا – كنا نريد بقدر ما نستطيع أن نتجنب المعركة، فقد كنا فى حاجة إلى كل دقيقة من وقتنا للبناء. وجاءت لحظة وجدنا فيها أننا لا نستطيع السكوت، فإن معركة الأحلاف العسكرية تخطت حدود العراق، وبدأت الدعوة توجه إلى باقى الدول العربية كى تنضم إلى الحلف العسكرى الجديد.

وهكذا كان هذا خطراً على المنطقة كلها من وجهة نظرنا، وكذلك كان خطراً على سلامتنا الوطنية هنا فى مصر. فلو أن جميع الدول العربية استجابت لهذه الدعوة الموجهة إليها، وقبلت الانضمام إلى هذا الحلف، إذن لكان معنى ذلك أن اهتمام هذه الدول جميعاً سوف يتجه إلى خطر محتمل قادم من الشمال، ويتغافل عن خطر محقق رابض فى قلب المنطقة العربية نفسها وهو إسرائيل.

ولو أن ذلك حدث لكان معناه تصفية قضية فلسطين فى صالح إسرائيل أولاً، ثم كان معناه ترك مصر وحدها تواجه إسرائيل ومطامعها التوسعية، ثم تستدير بعد مصر إلى باقى أجزاء الوطن العربى تلتهم منه جزءاً بعد جزء.

ثم تكشفت حدود المؤامرة كلها عندما وقف رئيس وزراء بريطانيا بجلسة مجلس العموم البريطانى يوم ٤ أبريل سنة ١٩٥٥ يقول ما نصه: “إن حلف بغداد يمكننا من تدعيم نفوذنا فى الشرق الأوسط، ويجعل لنا القدرة على أن نرفع صوتنا عالياً فى كل مشاكله”.

هنا – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – خرجنا نقاوم الدعوة إلى الحلف الجديد باعتبارها خطراً علينا كشعب عربى أولاً وكشعب مصرى ثانياً، خطراً على قوميتنا العربية، وخطراً على حدودنا الوطنية. وإذا كانت حرب الاستقلال سلسلة معارك متشابكة متلاصقة، فكذلك كانت هذه الحرب الجديدة – حرب تثبيت الاستقلال – فإن معركة الدفاع عن الشرق الأوسط أو معركة الأحلاف العسكرية المفروضة من الخارج لم تلبث أن قادتنا إلى اشتباكات فى خطوط الهدنة مع إسرائيل؛ هذه الاشتباكات التى بدأت بالغارة الإسرائيلية الشهيرة على غزة فى ٢٨ فبراير سنة ١٩٥٥. وقبل هذه الغارة على غزة لم نكن نشغل أنفسنا كثيراً بخطر اسرائيل، كنا فى ذلك الوقت نعتبر خطر إسرائيل هو مشكلة سباقنا مع الوقت لبناء أوطاننا، كنا نعتبر أن خطر إسرائيل فى حقيقة أمره هو ضعف العرب، لولا هذا الضعف ما قامت إسرائيل، ولولا هذا الضعف ما استطاعت أن تغتصب من الوطن العربى بقعة من أقدس بقاعه وأطهر أراضيه.

كان اعتقادنا أننا إذا استطعنا أن نبنى فى مصر هذه الأمة الكبيرة التى نحلم ببنائها، فإن خطر إسرائيل يتلاشى وعنادها يلين. وكذلك كنا فى اندفاعنا إلى بناء مصر نتصور أننا فى الوقت نفسه ندفع الخطر الإسرائيلى عن تهديدنا، ونحول دونه ودون تثبيت أقدامه على الأرض المقدسة الطاهرة التى انتزعها من أرضنا. ولكن دخان الغارة على غزة فى ٢٨ فبراير سنة ١٩٥٥ انجلى ليكشف حقيقة خطيرة؛ تلك هى أن إسرائيل ليست الحدود المسروقة وراء خطوط الهدنة؛ وإنما إسرائيل فى حقيقة أمرها رأس حربة للاستعمار، ومركز تجمع لقوى أخطر من إسرائيل وأخطر من الاستعمار؛ وهى الصهيونية العالمية. وكانت هذه الحقيقة التى انجلى عنها دخان الغارة على غزة نقطة تحول فى تفكيرنا، وفى اتجاه الأحداث بالمنطقة كلها.

لقد تبين أن مشكلة إسرائيل ليست مشكلة داخلية إلى الحد الذى كان يبدو قبل غارة غزة، وتبين أننا لا نستطيع أن نمضى فى معركة البناء غافلين عن الخطر الذى يهدد ما نبنيه ويهدد وجودنا بأسره. إن الطرق والمستشفيات والمصانع والمراكز الاجتماعية لا تكفى وحدها لصيانة أمننا وحماية نطاق سلامتنا؛ سواء فى معناه الواسع على الحدود العربية كلها، أو فى معناه الضيق على حدودنا المحلية وحدها. وبدأ الواجب يحتم علينا ألا ننسى دفاعنا؛ دفاعنا العسكرى، بينما نحن نبنى مجتمعنا. وهكذا أوصلتنا معركة اشتباكات خطوط الهدنة مع إسرائيل إلى معركة أخرى فى حرب تثبيت الاستقلال؛ تلك هى معركة احتكار السلاح.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

كانت معركة احتكار السلاح حلقة جديدة فى السلسلة، أول حلقات السلسلة كانت جرنا إلى الأحلاف العسكرية الأجنبية، فلما رفضنا قيودها وأصررنا على الرفض، كان تحريض إسرائيل علينا؛ حتى يثبتوا لنا أننا لا نستطيع الدفاع عن أنفسنا، وأننا فى حاجة دائمة إلى حمايتهم، فكيف بنا نحلم بالدفاع عن الشرق الأوسط؟‍!‍‍ ولقد قالوها لنا صراحة فى ذلك الوقت بلسان أصدقائهم الذين قبلوا وجهة نظرهم، فلقد تعلق هؤلاء الأصدقاء بالفرصة التى أتاحتها لهم غارة غزة، فبدأوا يرددون من الحجج ما تصوروا أنه يؤيدهم فيما تورطوا فيه، قالوا: لو إن مصر كانت فى نطاق حلف عسكرى لكانت حصلت على السلاح من أقوياء هذا الحلف، أو لكان هؤلاء الأقوياء تولوا مهمة الدفاع عنها.

ونسى هؤلاء عبرة ما جرى فى فلسطين، وكانت فلسطين بالنسبة لنفس هؤلاء الأقوياء أكثر من زميل فى حلف؛ كانت تحت انتدابهم.. كانت تحت وصايتهم.. كانت فى كنفهم وفى رعايتهم، وكانوا مسئولين عنها أمام عصبة الأمم التى قررت انتدابهم على فلسطين، ومع ذلك كانوا هم أنفسهم الذين سلموا فلسطين وباعوا شعبها. أما نحن فلم نكن قد نسينا، وهكذا أعلنا – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – أننا سندافع عن أنفسنا بأنفسنا، وسنرد العدوان بالعدوان.

هنا بدأت الحلقة الثالثة فى السلسلة؛ معركة احتكار السلاح.. معركة ثالثة فى حرب تثبيت الاستقلال. وفى نفس الوقت كتب علينا أن ندخل معركة رابعة فى حرب تثبيت الاستقلال؛ هى معركة تحديد معالم شخصيتنا الدولية، ورسم مسلكنا فى هذا العالم الذى زرعوه بالمشاكل من حولنا؛ فكان حصاد ما زرعوه حرباً باردة تفترس أعصاب العالم وتمزقها، وتهدده كل يوم بحرب ساخنة تنتهى بدمار شامل لا يبقى ولا يذر. وتشابكت هاتان المعركتان معاً إلى حد بعيد؛ معركة الحصول على السلاح، ومعركة الشخصية المصرية المستقلة.. معركة القوة ومعركة الضمير.

كنا نريد أن نكون أقوياء فى وطننا ندافع بكفاية عن حدوده، وكنا نريد أن يكون ضميرنا الدولى يقظاً يشارك فى الدفاع بكفاية عن سلام العالم. لم نكن نريد أن نسمع طرقات التهديد تدق أبوابنا ولا نستطيع للخطر الداهم علينا دفعاً ولا رداً، وكذلك لم نكن نريد أن نرى نيران الفتنة تندلع فى الأرض من حولنا وتحرق غيرنا وتحرقنا معهم؛ دون أن يكون لنا نصيب فعال يصدر فى كل تصرفاته عن روح من عدم الانحياز، تنشد العدل وتطلب السلام على أساسه.

هكذا تشابكت معركتان فى حرب تثبيت الاستقلال.. الحصول على سلاح، والاشتراك فى مؤتمر باندونج الذى جمع دول إفريقيا وآسيا.. تشابكت المعركتان فى تلاحق الحوادث، وتشابكتا أيضاً فى توافق الزمن.

طلبنا السلاح أول ما طلبناه من الموردين التقليديين الذين كنا نشترى منهم. كنا نشترى منهم لا ما نريد شراءه من سلاح؛ وإنما ما كانوا يريدون هم بيعه لنا من السلاح، ومع ذلك طلبناه؛ فقد كنا فى حاجة ماسة إلى كل سلاح وإلى أى سلاح، وذلك دائماً هو موقف الذى يحتاج السلاح ليدفع عن نفسه المعتدى، ويصد عن أرضه المغير.

طلبنا السلاح من أمريكا، وطلبنا السلاح من بريطانيا؛ أما أمريكا فقد سكتت، ثم وعدت، ثم عدلت، ثم عادت إلى السكوت. وأما بريطانيا التى كنا نداينها بجزء من ثمن سلاح تقاضته منا وتأخرت فى توريده، فقد وجدت الشجاعة لتسألنا عما سيكون عليه موقفنا فى باندونج.

إلى هذا الحد كان الربط بين المسألتين، وما من شك أن هذا الربط لا يبدو الآن غريباً؛ فإن السلاح وباندونج كانا معركتين فى حرب واحدة؛ هى حرب تثبيت الاستقلال. ولم نشأ أن نجعل من رغبتنا فى الحصول على السلاح سداً يحول بيننا وبين الشخصية الدولية التى كنا نسعى لتحديد معالمها وتأكيد دورها فى توفير السلام. لم نشأ أن نساوم أو نقايض، أو نبيع ونشترى شخصيتنا.. شخصيتنا الدولية ليست موضوع مساومة، ودورنا العالمى ليس سلعة مقايضة، وحقنا فى لقاء الشعوب المتحررة والتعاون معها من أجل سلام البشر جميعاً ليس للبيع أو الشراء؛ حتى ولو كان الثمن سلاحاً نحن فى مسيس الحاجة إليه لكى ندافع به عن حدودنا، وبيوتنا، وأرواحنا، وأولادنا.

وهكذا صممت مصر على الذهاب إلى باندونج فى مؤتمر كان مجرد اجتماعه فى حد ذاته – وبصرف النظر عن أى من قراراته – تحولاً بارزاً فى التاريخ. ومع ذلك فقد توصل المؤتمر إلى عشرة قرارات تعتبر دستوراً للعلاقات بين الدول، قرر المؤتمر احترام حقوق الإنسان الأساسية، وأغراض ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة:

– احترام سيادة جميع الأمم وسلامة أراضيها.

– الاعتراف بالمساواة بين جميع الأجناس وبين جميع الأمم كبيرها وصغيرها.

– الامتناع عن أى تدخل فى الشئون الداخلية لبلد آخر.

– احترام حق كل أمة فى الدفاع عن نفسها انفرادياً أو جماعياً؛ وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.

– الامتناع عن استخدام التنظيمات الدفاعية الجماعية لخدمة المصالح الذاتية لأية دولة من الدول الكبرى.

– امتناع أى بلد عن الضغط على غيرها من البلاد.

– تجنب الأعمال أو التهديدات العدوانية أو استخدام العنف ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسى لأى بلد من البلاد.

– تسوية جميع المنازعات الدولية بالوسائل السلمية؛ مثل التفاوض، أو التوفيق، أو التحكيم، أو التسوية القضائية، أو أى وسيلة سلمية أخرى تختارها الأطراف المعنية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.

– تنمية المصالح المشتركة والتعاون المتبادل.

– احترام العدالة والالتزامات الدولية.

وفوق هذه القرارات العشرة تعرض مؤتمر باندونج لعدد من القضايا الحيوية التى تتصل اتصالاً مباشراً بقضية السلام، منها ما يتصل مباشرة بأمن منطقتنا كقضية فلسطين، وقضية شمال إفريقيا، وقضية محميات الخليج العربى. ففى فلسطين أعلن المؤتمر الإفريقى – الآسيوى تأييده لحقوق شعب فلسطين، وفى شمال إفريقيا طالب المؤتمر بحق تقرير المصير للجزائر وتونس ومراكش، ولقد حصلت تونس ومراكش بالفعل على هذا الحق فيما بعد، وستحصل عليه الجزائر مهما حاول الاستعمار وكابر إن شاء الله. أما فيما يتعلق بمحميات الخليج العربى فقد طالب المؤتمر بتسوية سلمية، وأيد موقف اليمن.

وكان بين ما تعرض له مؤتمر باندونج أيضاً من القضايا الحيوية التى تتصل اتصالاً مباشراً بقضية السلام؛ مجموعة من المشاكل قد تبدو لأول وهلة بعيدة عنا، ولكن النظرة الفاحصة لها توضح لنا أنها فى الحقيقة ونفس الوقت قريبة منا، بينها نزع السلاح، وبينها الدعوة إلى تحريم إنتاج الأسلحة الذرية، وبينها المطالبة بوقف التجارب الذرية.

ولقد أودعنا مكتب مجلسكم محاضر مؤتمر باندونج وقراراته، ولما كانت باندونج طريقاً ومنهاجاً فى العلاقات الدولية؛ فلقد أودعنا فى مكتب مجلسكم جميع البيانات والبلاغات التى صدرت عن المؤتمرات الدولية التى شاركت فيها مصر، والتى استوحت بشكل أو بآخر مبادئ باندونج.

وفى مقدمة هذه المؤتمرات مؤتمر بريونى؛ الذى شاركت فيه يوجوسلافيا والهند ومصر، وتابعت فيه هذه الدول الثلاث – التى تقاربت سياستها الخارجية – سيرها على نفس الطريق الذى بدأ فى باندونج؛ فتعرضت لمشكلات الشرق الأوسط؛ وفى مقدمتها فلسطين والجزائر، وتعرضت للمشاكل العالمية؛ من بينها الإلحاح فى نزع السلاح. ومن بينها أيضاً مبدأ نادت به مصر ومازالت تلح فى ندائها وتحس بتجاوبها فيه مع كل الشعوب المحبة للسلام؛ ألا وهو وقف تجارب الأسلحة الذرية؛ نظراً لما تنطوى عليه من أخطار تهدد الإنسانية، وتفسد الجو على نحو يمس الدول الأخرى، ويعرض سلامة مواطنيها للخطر، فوق ما فيه من تجاوز للحدود، وانتهاك للضمير العالمى.

ثم جددت هذه الدول الثلاث إيمانها بالمبادئ التى لا ترى للعالم أماناً بغيرها؛ وفى مقدمتها حق تقرير المصير لكل الشعوب.

ولم تكن مصر خلال هذا كله – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – تفعل ما تفعله بعض الدول المتباهية بقوتها فى هذا الزمان، تطلب الحق لنفسها ولا تطلبه من نفسها، تحتج على الباطل من غيرها ولا تحتج عليه إذا كانت هى مصدره، تكيل المبادئ والقيم بكيلين.. كيل لنفسها وللضالعين معها، وكيل للمعارضين لها والمشايعين لهؤلاء المعارضين.

كانت مصر تنادى صراحة بما تؤمن به فى ضميرها، وتمارس عملياً ما تدعو إليه، وتناسق فى صفاء عادل ما بين لسانها وقلبها؛ لهذا كان من دواعى سرور مصر – حين كانت تنادى فى باندونج بحق تقرير المصير – أن السودان الشقيق الذى قرر مصيره واختار استقلاله – وكانت مصر أول من اعترف له بهذا الاستقلال – كان يشارك كدولة حرة فى نفس مؤتمر باندونج.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

عادت مصر من باندونج بعد أن أوضحت معالم شخصيتها الدولية لتجد معركة الحصول على السلاح فى انتظارها، وكانت هذه المعركة فى الواقع هى معركة كسر احتكار السلاح؛ الذى كان محتكروه يعتمدون فى السيطرة على الشرق الأوسط على هذا الاحتكار. ولقد كانت المعركة طويلة وعنيفة، وعلى أى حال فلم يبق من تفاصيلها خفى إلا ما تفرض السلامة العسكرية وحدها أن يبقى فى طى الكتمان.

والخلاصة أن مصر حين لم تستطع أن تحصل على السلاح من بريطانيا؛ بعد ما كانت دفعت جزءاً من ثمنه، ولم تستطع كذلك أن تحصل عليه من الولايات المتحدة الأمريكية؛ بعد محاولات متكررة وجهود مضنية، ووعود بذلت ثم نسيت؛ لم تجد بأساً فى أن تطلب شراء السلاح من الاتحاد السوفيتى، وتشترى منه بالفعل شاكرة مقدرة ما ترى أنه يفى باحتياجات الدفاع عنها.

ولكن حصول مصر على السلاح قوبل بثورة صاخبة، وغضبة عارمة، والمؤكد أن الأمر بالنسبة لهؤلاء الثائرين الغاضبين لم يكن أمر سلاح؛ وإنما كان أمر احتكار للسلاح، ولم يكن بالنسبة لهم أيضاً مشكلة بلد يلتمس أسباب الدفاع عن نفسه حيث يجدها؛ وإنما أمر بلد يريد أن يكسر حلقات الحصار، ويتمرد على ما ظل أمراً واقعاً طوال قرون. ولقد كان أخطر ما فى المشكلة بالنسبة لهم أيضاً – هؤلاء الثائرين الغاضبين – ليس أن مصر أفلتت من الحصار المضروب حولها فقط، بل كانت ذروة الخطر أن مصر بما أقدمت عليه فتحت الطريق، وأثبتت أن أى حصار لا يمكن أن يصد عن أسباب القوة شعباً عقد العزم على الوصول إلى هذه الأسباب.

هنا بدأت المعركة الخامسة فى حرب تثبيت الاستقلال.. معركة الضغط الاقتصادى. كنا قد انتصرنا فى معركة الأحلاف فلم نستسلم لأغلالها، وكنا قد انتصرنا فى معركة اشتباكات خطوط الهدنة مع إسرائيل فلم نتخاذل، ولم نلق بأنفسنا تحت أقدام من يفرضون الوصاية علينا، وصممنا على أن الدفاع عن أوطاننا هو مسئوليتنا وحدنا، وأن واجبنا هو أن نرد العدوان بالعدوان. وكنا قد انتصرنا فى معركة الشخصية المستقلة؛ ثم كنا انتصرنا فى معركة احتكار السلاح. ولم تكن هذه الانتصارات كلها لنا وحدنا، وإنما كانت لمنطقة بأسرها؛ رفعت أعلام النصر مزهوة واثقة، سعيدة أنها وجدت نفسها، ووجدت طريقها، ووجدت مستقبلها بعد عصور طويلة من الظلام.

ماذا بقى فى جعبة الذين كانوا لا يريدون الخير لهذه المنطقة؟ إن السلاسل تحطمت، والوصاية سقطت، والشخصية المستقلة برزت، واحتكار السلاح انتهى، لا فى بلد يمكن عزله وحصاره؛ وإنما فى منطقة شاسعة يتدفق فيها تيار واحد؛ هو تيار القومية العربية، يغمر الأرض ما بين المحيط الأطلسى والخليج الفارسى.

كان واضحاً أنه لم يبق فى الجعبة إزاء مصر غير سلاحين – نهاية العداء الذى لا عداء بعده – الضغط الاقتصادى أولاً، فإذا لم يجد فالحرب ثانياً.. التجويع، فإذا لم تستطع البطون الخاوية أن تجبر القلوب والأرواح على الاستسلام، فسفك الدماء إذن والنار والحديد. وذلك ما حدث بالفعل؛ لم ينجح سلاح الضغط الاقتصادى الذى اتجه إلينا على مراحل ظلت تشتد وتعنف مرحلة بعد مرحلة، حتى كانت الخاتمة هى سحب عرض المساهمة فى تمويل مشروع السد العالى.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

كنا – ومازلنا – نعتقد أن مشروع السد العالى حجر زاوية أساسية فى مشروعاتنا لمواجهة المستقبل؛ مشروعات رفع مستوى المعيشة، ومشروعات مواجهة الزيادة المطردة فى عدد السكان.. مشروعات توفير العمل للأيدى القادرة عليه، وتوفير الغذاء لأكثر من ٣٠٠ ألف فم تطلب الطعام كل عام؛ زيادة عن العام الذى سبقه. وكان مشروع السد العالى بضخامته رمزاً لتصميم شعب طال تخلفه عن موكب الحياة – عن اللحاق بهذا الموكب – كان المشروع ضخماً، ولكن ضخامته لابد أن تقاس بالحاجة إليه. كان لابد لنا أن نعوض ما فات، وأن نسرع الخطى لا لكى نلاحق الزمن فقط، ولكن لكى نسبق الزمن؛ فلو أن الزيادة المستمرة فى عدد السكان دهمتنا دون أن نكون على استعداد لها، فإن معنى ذلك أن مستوى المعيشة سينخفض كثيراً عما هو عليه الآن.

ولم تكن ضخامة المشروع سراً، ولا كانت سراً كذلك آمالنا المعلقة عليه؛ لقد عرضنا المشروع على العالم فرحين به فخورين، نطلب من كل صاحب خبرة أن يدلى لنا برأيه فيه. فلما أجمع كل الخبراء على فائدته ونفعه، بدأت آمالنا المعلقة عليه تتحول إلى طاقة دافعة محركة، وطلبنا قرضاً من بنك التعمير والإنشاء الدولى، وسلمنا المشروع للبنك يدرسه ويحقق تفاصيله؛ كما تفعل أى دولة لديها مشروع من المشاريع تريد عوناً عالمياً على تنفيذه، وكنا على استعداد لأن نقبل من شروط التمويل ما لا يمس سيادتنا. وفى هذا الوقت تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بريطانيا لمساعدتنا؛ تطوعاً منهما، وإظهاراً لحسن النية. وكان رأينا أن نقبل كل عون غير مشروط، ولكن الشروط التى توالت، ثم اتضح أن علينا أن نسلم طواعية كل ما ربحناه فى معاركنا السابقة لتثبيت استقلالنا؛ إذا كنا نريد أن نرى أملنا فى بناء السد العالى يتحقق.

ولم نكن على استعداد لأن نشترى الخبز بالحرية، وكانت الضريبة التى فرضت علينا هى سحب عرض المساعدة فى تمويل مشروع السد العالى، والضغط على البنك الدولى كى يسحب – فى نفس الوقت – قرضاً كان قد اتفق مع مصر على كل شروطه. ولقد تم هذا كله بطريقة لا تدع مجالاً للشك فى أننا وصلنا إلى الجزء الحاسم فى معركة الضغط الاقتصادى؛ وصلنا إلى عملية التجويع، ولم يكن فى استطاعتنا أن نسكت، نتلقى اللطمة صاغرين، ثم ننتظر الجوع والبطالة تلاقينا أشباحها الكئيبة فى المستقبل القريب.

وهكذا قررنا تأميم شركة قناة السويس؛ كنا نريد تصحيح جريمة تاريخية قديمة، وكنا – فى الوقت نفسه – نريد أن نحول دون ارتكاب جريمة جديدة تدبر لنا فى المستقبل؛ كان لابد لنا من ناحية أن نغسل عار مصر التى أصبحت للقناة، ومن ناحية أخرى كان لابد لنا أن نصنع فخر مصر التى أصبحت القناة لها.

كان للقناة – فى رأينا – دور عالمى كممر مائى دولى؛ يساعد على تقدم التجارة، ويدفع رياح الرخاء إلى كل الأقطار. ولكن القناة كان لابد لها – فى رأينا – من دور وطنى، فلم يكن مقبولاً أن تكون القناة مصدر خير على العالم، ومصدر شر على وطنها؛ وإنما كان المقبول أن تكون القناة خيراً على العالم، خيراً على وطنها.

هكذا اتخذ قرار تأميم شركة قناة السويس؛ حتى يستطيع دخلها أن يساهم فى تمويل مشروع السد العالى، دونما مساعدة خارجية مشروطة، أو قرض دولى مقيد.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

ولقد تم فعلاً إعداد مشروع للبدء فى تنفيذ المرحلة الأولى من بناء السد العالى، ولسوف تعرض تفاصيل هذا المشروع عليكم لتقولوا فيه رأيكم.

سوف تتكلف هذه المرحلة ٦٠ مليوناً من الجنيهات؛ منها ٢٨ مليوناً من العملة الأجنبية، ويستغرق إتمامها ٥ سنوات. ولسوف يعطينا تنفيذ هذا المشروع مليون فدان جديدة من الأرض، فضلاً عن تحويل ٧٠٠ ألف فدان تروى بالحياض إلى الرى الدائم، وتضمن لنا فوق ذلك زراعة ٥٠٠ ألف فدان من الأرز سنوياً. هذا عدا فوائد جمة أخرى؛ بينها مواجهة العجز فى الإيراد المائى للنيل، وتخفيف العبء على خزان أسوان الحالى. وإذن فلن نجوع كما كان يراد بنا؛ على العكس سوف يزيد طعامنا، وسوف يزيد دخلنا القومى من الزراعة بنسبة لا تقل عن ٣٥% من قيمتها الآن.

لقد أفلتنا من حصار الجوع وانتصرنا، فلم يعد فى جعبتهم غير القتال، ولقد فرضوه علينا فرضاً، ولم يكن أمامنا إلا أن نحمل السلاح.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

لقد حاولنا جهدنا ألا يكون الاحتكام إلى المدافع، وأظهرنا بكل الوسائل أننا نريد السلام ونحرص عليه، ولكنهم أبوا إلا أن يطلبوا منا الاستسلام. أبدينا استعدادنا لقبول التعاون الدولى فى قناة السويس، ولكنهم كانوا يريدون السيطرة الدولية. حاولوا استثارتنا بكل الوسائل، ولكننا كبحنا جماح عواطفنا، وقررنا أن تكون الغلبة للعقل وللحكمة.. لجأوا إلى التهديد والوعيد، فلجأنا إلى الصبر، لجأوا إلى المؤامرات، ووصل بهم الأمر إلى حد سحب المرشدين والفنيين الأجانب من قناة السويس، فلجأنا إلى رجالنا؛ فإذا حفنة قليلة من الرجال يثبتون للعالم أننا إذا كنا ننشد الحرية؛ فإننا نعرف مسئولياتها. ثم قبلنا بعد هذا كله أن نجلس معهم ونتفاوض بعد توصية صريحة من مجلس الأمن، وتحدد بالفعل موعد للمفاوضات بيننا ٢٩ أكتوبر فى مدينة جنيف.

ولكنهم لم يجيئوا إلى جنيف، بل جاءوا من سيناء ومن بورسعيد، ومن كل سماء فوق مدننا ومصانعنا ومواصلاتنا وجيشنا؛ كانت أعجب مفاوضات فى التاريخ! كان وفد المفاوضات الذى جاءنا، ثلاثة جيوش، ثلاثة أساطيل، ثلاثة قوى جوية!

كانت المفاوضات عدواناً غاشماً أراد أن يحطم وطننا، ويدك كل الانتصارات التى حصلنا عليها بأعمالنا وتضحياتنا. هجمت إسرائيل عبر سيناء، وتبعتها بريطانيا عبر البحر، أما فرنسا فكانت قسمين قسم مع إسرائيل عبر سيناء، وقسم مع بريطانيا عبر البحر. وكتب لنا الله النصر فى القتال.. استطعنا فى حماية قتال مجيد فى أبو عجيلة أن نسحب جيشنا سليماً من سيناء، واستطعنا فى الوقت نفسه أن نحتفظ بطيراننا عدة وذخيرة لما سيأتى من مفاجآت الأيام.

وكانت خطة العدو ترمى إلى عزل الجيش فى الصحراء وتدميره، واصطياد الطيران عن آخره والخلاص منه. ولكن خطة العدو فشلت، ونجا الجيش ونجا الطيران، ثم تجمعت كل قوانا غرب القنال، استعداداً لقتال حتى النصر.. تجمعت كل قوانا؛ قوى الجيش وقوى الشعب، وتحملت بورسعيد صدمة العاصفة، ولكن مصر كلها كانت وراء بورسعيد.. مصر كلها، ونحن نقول ذلك حقيقة لا مجازاً.. كنا خلال المعركة وطناً بأكمله يحمل السلاح.. كنا خلال المعركة وطننا بأسره صمم على القتال، وكان شعارنا أننا إذا كنا نحب السلام ونسعى إليه؛ فإننا نكره الاستسلام ونثور عليه. قاتلنا جميعاً بشرف؛ الرجال والنساء، الأطفال والكهول والشباب، وبارك الله فى شبابنا الذى انتفض يترك مدارسه وجامعاته ووظائفه وبيوته؛ ليحمل السلاح ويمضى إلى المعركة، وعلى شفتيه أغانى البذل والفداء.

كنا نعيش أنبل وأعظم وأمجد ساعات حياتنا؛ لقد عرفنا كيف ننتصر لوطننا، وانتصرت الدنيا معنا لهذا الوطن.. كانت جريمة العدوان علينا فى هاوية العار، وكان شرف مقاومتنا على قمة المجد، وأقبلت الشعوب؛ الشعوب العربية، وكل الشعوب الحرة لنصرتنا. كانت معركتنا معركة العدل، والحرية، وتقرير المصير فى كل مكان، ولكل شعب، وهكذا لما انتصرنا كان النصر لكل هذه القيم فى كل أرجاء الأرض.

ولما انتهى العدوان علينا إلى النتيجة التى انتهى إليها؛ لم يكن ذلك إيذاناً بأن مغامرة طائشة ضدنا قد فشلت؛ وإنما كان ذلك إيذاناً بأن هذه المغامرة الطائشة كانت آخر محاولة من نوعها. إن الحملة المسلحة التى وجهت ضد شعبنا الراغب فى السلام ستمضى فى التاريخ باعتبارها آخر حماقة متخلفة من قرون الغزو والفتح والاستعمار، فإن الضمير العالمى أثبت قوته وأكد سلطانه.

وهكذا انتصرنا فى المعركة السادسة فى حرب تثبيت الاستقلال، لقد فشل الاحتكام إلى المدافع، وانتهى بالوبال على الذين صوبوها إلى صدورنا، وانتصرنا فى حرب تثبيت الاستقلال كلها بكل معاركها، فلقد كان القتال المسلح أقصى ما يملكه إزاءنا الذين لا يريدون الخير لوطننا. ولقد لجأوا إلى القتال المسلح وخسروا فى الميدان، فماذا بقى فى جعبتهم؟ لا شىء.. اللهم إلا الكراهية والحقد.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

خلال هذه المعركة الدامية فى حرب تثبيت الاستقلال كان واضحاً أن التقاءنا بكم لن يتأخر طويلاً. إن الوعى العظيم الذى أبداه الشعب خلال هذه الأيام الخطيرة المجيدة فى تاريخنا، والنصر الذى انتهى إليه هذا الوعى، حددا موعدنا معاً. لقد زالت العقبات التى كانت تعترض الطريق، تكفلت حرب الاستقلال بتطهير جزء من هذا الطريق.. الاستعمار رحل، والملك ذهب، والإقطاع قلمت أظافره، والأحزاب المتصارعة على الغنائم والأسلاب طويت صفحتها، وأصبحت عبرة من عبر الماضى. وتكفلت حرب تثبيت الاستقلال بتطهير ما بقى من الطريق؛ قيود الأحلاف لم نستسلم لها، العدوان على حدودنا وقفنا لصده، شخصيتنا المستقلة خرجت وتحددت، احتكار السلاح ضاع سره وبطل سحره، الضغط الاقتصادى ومعركة التجويع أفلتنا منها، والقتال لم يستطع أن يفرض علينا الاستسلام. لقد تم تطهير الطريق بيننا بعد حربين، حرب للاستقلال وحرب لتثبيت الاستقلال، وكان علينا أن نلتقى هنا.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

من دواعى سرورنا أن الأمة جاءت إلى هذا المجلس بأكملها، والحق أن الدور الرائع الذى قامت به المرأة المصرية فى حرب الاستقلال، ثم فى حرب تثبيت الاستقلال، هو الذى حدد مكانها هنا فى هذه القاعة. لقد حصلت المرأة المصرية على كل ما كان ينبغى لها من حقوق، ولم تحصل عليه منحة ولا منة؛ بجهادها جنباً إلى جنب مع جهاد الرجل، بوقوفها معه فى ميدان القتال، بتعرضها لرصاص العدو مثل تعرضه.

إن نصف أمتنا الذى كان معطلاً قد خرج من وراء الحجاب؛ يشارك فى البناء، ويساهم فى خلق المجتمع الذى نريده؛ مستنداً على الدين والأخلاق والوطنية، وهى كما حدد الدستور أساس هذا المجتمع الذى نريد.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

لم يكن باقياً بعد ذلك إلا خطوات قليلة ثم يتحدد يوم لقائنا، وكانت هذه الخطوات فى الواقع من بقايا المعركة الأخيرة فى حرب تثبيت الاستقلال؛ وهى معركة القتال المسلح. كنا نريد أن تعود قناة السويس صالحة للملاحة بعد ما أصابها من آثار العدوان، كنا نريدها أن تعود لتخدم العالم وتخدم وطنها. وبمعونة الأمم المتحدة – التى لابد لنا أن نشيد بدورها فى المعركة الأخيرة كلها؛ سواء فى محاولة إيجاد حل سلمى لمشكلة قناة السويس، أو فى محاولة إيقاف القتال – استطاعت الهيئة المصرية لقناة السويس – بعد جهد لا نشك فى تقدير الوطن له – أن تعيد الملاحة إلى قناة السويس.

وكنا بعد إعادة الملاحة إلى حالها الطبيعى نريد أن نرتب إجراءات تعاوننا مع الأمم المتحدة؛ من أجل إزالة آثار المعركة. وما إن تم ذلك فعلاً حتى تحدد موعد إجراء الانتخابات لعضوية مجلس الأمة، وأنشىء الاتحاد القومى الذى وقفتم أمام جموع الشعب من الناخبين باعتباركم مرشحيه، ثم حملتكم الأصوات الواثقة المؤيدة إلى هذه القاعة التى نتشرف جميعاً بالوجود فيها الآن، وهذا هو مجلسكم؛ أمل يتحقق وسعى يصل إلى غايته.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

إن مجلسكم هذا ليس عودة الحياة النيابية إلى هذا البلد؛ وإنما مجلسكم هذا هو بداية الحياة النيابية فى هذا البلد. إن الحياة النيابية ليست مبنى وقاعات ومقاعد؛ إنما الحياة النيابية الأصيلة إرادة حرة صادرة عن شعب حر. والقول بوجود حياة نيابية تحت جناح الاحتلال، والقول بوجود حياة نيابية تحت سيطرة القصر، والقول بوجود حياة نيابية تحت رحمة الإقطاع، والقول بوجود حياة نيابية تعبث بها الأحزاب ابتغاء وجه المصالح الذاتية الأنانية؛ القول بهذا كله خديعة ألقيت إلى شعبنا لكى تشغله عن كفاحه الحقيقى ضد السيطرة المحتلة من الخارج، والسيطرة المستغلة من الداخل، ولكن شعبنا لم ينخدع، وإنما كافح؛ وكان مجلسكم ثمرة هذا الكفاح.

الآن يمكن أن تكون لنا حياة نيابية، الآن يمكن أن تكون لنا حياة ديمقراطية. الآن ولسبب واحد يمكن أن يكون لنا هذا كله؛ لقد أصبحت لشعبنا إرادة حرة، وأنتم رمز هذه الإرادة الحرة.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

هذه هى قصة السنوات الخمس التى تأخر فيها لقاؤنا، قدمنا لكم موجز حسابها، وإذا كان لابد لنا من إلقاء نظرة عابرة على حساب الأرباح والخسائر خلال هذه السنوات الخمس، فإن اعتقادنا الأكيد هو أن أكبر أرباحنا هو الأمل. إن أعظم ما حققته هذه الثورة – فى رأينا – هو أنها أعادت النبض إلى آمال شعبنا؛ فإنه ما من شعب تراكمت عليه آثار الماضى وتبعاته، بل وعقده النفسية، مثل شعبنا، ما من شعب تآمر عليه المحتلون الغرباء، ومشوا بالجبروت والطغيان عليه مثل شعبنا، ما من شعب وقع فريسة للاستغلال والتضليل والتغرير مثل شعبنا.

ولقد كان الاعتقاد السائد قبل الثورة هو ألا فائدة؛ يبقى المحتل ولا فائدة، ويستبد الملك ولا فائدة، وتحتكر خيرات البلد ولا فائدة، وتنهب ثرواته وتبعثر آماله ولا فائدة، حتى لقد وصل الأمر إلى حد أن احترقت عاصمة مصر، واندلع اللهب فى قلبها ولا فائدة! كانت هذه العبارة الصغيرة تقرع أسماعنا صباح مساء؛ تسد الفضاء الرحب من حولنا، وتبقى عزيمتنا أسيرة لليأس.

فإذا كانت للثورة قيمة حقيقية – وإن لها لقيمة حقيقية – فهى أن هذه العبارة قد محيت من قاموس شعب مصر. لقد أصبحت هناك فائدة من كل عمل نقوم به، من كل خطوة نخطوها، ومن كل فكرة تخطر لنا. إن باب الأمل مفتوح على مصراعيه أمامنا، وإن الأمل لدعوة صريحة إلى العمل؛ هذه خلاصة ما حققته الثورة فى جانب الأرباح، وتحته تنطوى كل انتصاراتنا.

بقى جانب الخسائر، وعلينا أن نواجهه بشجاعة وشرف.. ينبغى أن نقول: أمامكم إن سجل السنوات الخمس الماضية لم يخل من أخطاء، والذى لا يخطئ لا يعمل. لم يخل الأمر من مشروع كان يمكن أن يدرس على نطاق أوسع مما درس؛ ولكن العذر أننا كنا نريد أن نعمل، وكنا فى عجلة متلهفة على العمل، ولقد حاولنا – بعد أن تكشفت عيوب الدراسة المتعجلة – أن نصحح ما وقع من أخطاء، ولقد أمكن بالفعل.

ولم يخل الأمر من هزات سياسية، ولكنها كانت نتيجة عوامل لا يمكن تجنبها، كان بعضها بسبب ظروف المعارك التى خضناها، وكان بعضها الآخر بسبب ظروف محلية مبعثها أن الثورة تولت تقويم نفسها بنفسها أكثر من مرة.

ولم يخل الأمر أيضاً من ظهور بعض العناصر الانتهازية، وتلك ظاهرة طبيعية؛ لأنها انعكاس لغلبة الأنانية الفردية على المصلحة العامة فى نفوس البشر فى كل زمان ومكان. ولم يكن فى هذا عيب؛ وإنما كان العيب ألا تقتلع جذور هذه الانتهازية التى خلطت بين تكافؤ الفرص – وهو حق – وبين استغلال الفرص – وهو باطل – ولقد اقتلعنا هذه الجذور حيث لمحنا نباتها الشيطانى.

ولكن هذه الأخطاء جميعاً كانت مما يمكن علاجه وتسهل مواجهته، والحق أنها مما كان لا مفر من وقوعه فى مثل الظروف التى مررنا بها، بل الحق أنها كانت أقل ما يمكن وقوعه فى مثل التجربة الهائلة التى عشناها؛ فإن الخطأ أول احتمالات التجربة، والتجربة هى التعبير الطبيعى عن العمل.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

لابد لنا وقد استعرضنا حساب الأرباح والخسائر فى ثورتنا أن نذكر صفحة مشرقة من صفحات هذه الثورة؛ تلك هى صفحة الدور الذى أداه الجيش فى القيام بها وفى حمايتها. لقد أدى الجيش واجبه بشرف، فكان الأداة التى حققت إرادة الشعب وأعلت كلمته، وفى نبل انسحب الجيش بعدها إلى مواقعه على الحدود؛ فى مشهد رائع من مشاهد إنكار الذات والتضحية فى سبيل المثل الأعلى. إنها صفحة باهرة قل أن يكون لها نظير فى تاريخ أى ثورة غير ثورتنا، شارك الجيش فى قيامها أو تنفيذها. ولا يخالجنا شك فى أن الوطن يحفظ لجيشه هذه الصفحة المشرقة الباهرة، وأن تقدير الوطن لوسام رفيع يعتز الجيش بأن يحتفظ به على صدره دائماً.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

ذلك هو الماضى والحاضر، فماذا عن المستقبل؟ إننا نريد أن تعرفوا أن الأخطار المحيطة بوطننا لم تنته، وإذا كنا قد انتصرنا فى حرب الاستقلال، وإذا كنا قد انتصرنا فى حرب تثبيت الاستقلال؛ فليس معنى هذا أن الذين كانوا يحاربوننا قد ألقوا السلاح ورضخوا للأمر الواقع.

إن الشواهد حولنا تدل على أن الخطر الذى دفعناه عن أرضنا وعن حدودنا لم تنحسر موجاته؛ هناك أولاً هذا الهجوم الموجه اليوم إلى سوريا الشقيقة؛ إنه هجوم متجه إلى القومية العربية كلها، يحاول أن يقضى على ما أخذت تحققه هذه القومية من انتصارات فى مجالات التحرر، ويحاول أن يقضى أيضاً على ما تنزع إليه هذه القومية من وحدة تجمع صفوف العرب، ومن نهضة ترفع من مستوى الحياة فى الوطن العربى، فالعرب فى جميع أقطارهم متيقظون لهذا الهجوم الاستعمارى الذى تستهدف له سوريا، وهم يؤيدونها بكل قواهم.

ونحن فى مصر – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – لا نستطيع أن ننسى أبداً وقفة سوريا شعباً وحكومة عند وقوع العدوان على مصر، ولا غرابة فى ذلك؛ فسوريا كانت دائماً مركز إشعاع القومية العربية، ونقطة انطلاق العمل للوحدة العربية؛ فهى التى بدأت قبل عام وأعلنت على لسان حكومتها ومجلسها النيابى رغبتها فى الاتحاد مع مصر؛ كخطوة أولى للوحدة العربية. ومصر التى سجلت فى المادة الأولى من دستورها أنها جزء من الأمة العربية لا يمكن إلا أن تتجاوب مع هذا الاتجاه، وترحب بكل مسعى يقرب من هذا الهدف القومى المنشود.

وهناك ثانياً – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – أرصدتنا المجمدة من غير وجه حق، وهناك ثالثاً حرب الدعاية التى أعلنت علينا، وهناك رابعاً مع حرب الدعاية حرب الأعصاب.

وهناك بعد ذلك كله هذا الحديث صراحة عن عزل شعب مصر عن باقى الشعوب العربية، ومحاولة تثبيط مجرى القومية العربية.

لقد يئسوا من سحقنا حيث نحن؛ فبدءوا يحاصروننا بقطع الطريق بيننا وبين إخواننا، ويئسوا من صد تيار القومية العربية؛ فبدءوا يشقون فى طريقه مسالك فرعية، على قوة التيار تتبعثر وتتفرق ويضعف تأثيرها.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

إننا نريدكم أيضاً أن تعرفوا أن هناك سباقاً بيننا وبين الزمن، ويتعين علينا أن نسبق الزمن؛ لا وقت لدينا نضيعه، ولا فرصة أمامنا نبعثرها.. يجب أن نبنى ونبنى ونبنى؛ نبنى لنعوض الماضى، ونبنى لنواجه الحاضر، ونبنى لا لنلحق بالمستقبل فحسب؛ وإنما لكى نسبق هذا المستقبل. ولا يجب علينا أن يدركنا الملل من تذكير أنفسنا دائماً وفى كل حين بحقيقة الحقائق فى مشاكلنا؛ وهى أن تعداد شعبنا يزداد كل عام أكثر من ٣٠٠ ألف مواطن جديد.

يجب أن نبنى فى كل اتجاه.. يجب أن نبنى الدولة على أساس سليم، اقتصادى وعادل. يجب أن نبنى الحرية السياسية مع الاستقلال الاقتصادى جنباً إلى جنب. يجب أن تكون لنا زراعة سليمة، وصناعة سليمة، وتجارة سليمة، ويجب أن تكون لنا ثقافة سليمة تنبه الشعب، وتوسع مداركه. ويجب أيضاً – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – أن يكون لدينا جيش سليم قادر على حماية كل ما نبنيه.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

لقد وضع الله فى أعناقكم عبئاً كبيراً من أمانة المستقبل.. إن أمامنا جميعاً تبعات ليس لها عد ولا حصر، ولكن يجب أن يظل أمام ناظرنا دائماً أن أهم هذه التبعات وعقدتها وذروتها؛ هى أن نصنع فى هذه البقعة من الأرض شعباً حياً يقظاً مدركاً، وأفراد البشر هم المادة الخام للشعب الحى المتيقظ المدرك.

من هنا فإن الجهد الحقيقى لبناء مصر المستقبل؛ يكمن فى هذه المادة الخام العظيمة التى أودعها الخالق عز وجل سر الوجود.

إن بناء المصانع سهل، وبناء المستشفيات ممكن، وبناء المدارس مستطاع، ولكن بناء الأفراد.. بناء البشر؛ هو الصعب العسير. وما من شك أن بناء المصانع والمستشفيات والمدارس مساهمة بعيدة المدى فى بناء البشر، إلا أن هناك اعتبارات نفسية وأخلاقية ومعنوية لها من التأثير أكثر مما للمصانع والمستشفيات والمدارس.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

إذا كان مستقبلنا حافلاً بالمسئوليات فإن الله تعالت قدرته قد منحنا من الوعى ما يعيننا على تحمل أعباء هذه المسئوليات، إننا فى حاجة إلى تجنيد طاقة هذا الوعى لكى تنير أمامنا سبل الأمان. لابد أن ندرك – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – أن اتحاد أمتنا هو أول سبل أماننا فى بناء وطننا.. إن الاتحاد هو الدعامة الرئيسية التى لا يمكن أن يرتكز بناؤنا على غيرها، ولم يكن إنشاء الاتحاد القومى إلا الإطار الذى يحيط بهذا الاتحاد ويرسم شكله العملى، لا فرقة بيننا ولا فتنة ولا أحقاد؛ فإن الأمة فى حاجة إلى أن تعبئ نفسها، وتحشد مواردها وإمكانياتها حتى تستطيع أن تفسح لنفسها مجالاً تحت الشمس. لقد كان الاتحاد هو الحصن الذى اعتصمت به كل الأمم فى أعقاب ثوراتها الكبرى، وهو نفس الحصن الذى يتعين علينا أن نعتصم به، ولكنه ينبغى أن يكون مفهوماً أن اتحاد الأمة ليس معناه الجمود عن الحركة الخيرة، والشلل عن التطور الهادف لمصلحة المجموع، وكبح الآمال عن أن تتطلع إلى آفاق أرحب.

ويجب أن ندرك أيضاً – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – أن عدم الانحياز فى المجال الدولى هو سبيلنا الثانى إلى الأمان.

إن العالم من حولنا ملئ بعداوات ومنازعات لا شأن لنا بها، فإذا كان لابد لنا أن نقول كلمة فى مشاكل العالم؛ فيجب أن تكون كلمتنا هى السلام القائم على العدل، ولن يتأتى ذلك بالانحياز لفريق دون فريق، أو الانسياق فى ذيل كتلة ضد كتلة أخرى؛ ذلك أدعى لكرامة دورنا الدولى، ثم هو أدعى – فى الوقت نفسه – لوحدة صفنا الوطنى.

ولابد أن ندرك ثالثاً – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – أن القومية العربية هى أمضى أسلحتنا فى الدفاع عن وطننا؛ سواء فى ذلك حدودنا المصرية المحلية، أو حدودنا العربية الشاملة. إن القومية العربية نداء عاطفى، ورابطة تاريخية، ومصلحة مشتركة، ثم هى بعد ذلك كله ضرورة استراتيجية تفرضها مقتضيات الدفاع العسكرى البحت، وإن الدرس الذى تعلمناه من تجربة العدوان على مصر أكد هذه الضرورة، وقدم السند العملى لها.

وإن ما حدث فى سوريا العظيمة مثلاً لم يكن مجرد مشاركة فى المشاعر، وتجاوب فى الأحاسيس؛ بل كان أعمالاً عسكرية لها حسابها فى احتمالات ميدان القتال.. كان نسف أنابيب البترول عملاً عسكرياً، وكانت احتشادات القوات السورية على حدودها مع إسرائيل عملاً عسكرياً، وحتى التعبئة العاطفية فى شوارع دمشق وحلب وحمص وحماه؛ كانت طاقات لها تأثيرها العسكرى فى ميدان القتال.

كذلك – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – كانت غضبة الشعوب العربية كلها فى السودان، فى العراق، فى السعودية، فى الأردن، فى لبنان، فى ليبيا، فى اليمن، فى الكويت، فى البحرين، فى قطر، وفى تونس والمغرب والجزائر؛ كان المعنى الهائل لهذه الغضبة أن جبهة القتال قد اتسعت على المعتدى.

هذه – أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة – هى سبل الأمان الثلاثة المفتوحة أمامنا.. اتحاد يصون بلادنا من الداخل، عدم انحياز يصون بلادنا فى الداخل وفى الخارج، قومية عربية تكفل اتساع جبهة القتال على المعتدى على أى من الشعوب العربية؛ وبذلك يستبين سيرنا ولا تتخبط خطانا فى الظلام.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

وفقكم الله وسدد خطاكم، وأعانكم على مسئولياتكم، وحقق بكم أمانة الذين منحوكم ثقتهم.

والسلام عليكم ورحمة الله.

http://nasser.bibalex.org/Speeches/browser.aspx?SID=550&lang=ar