كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى افتتاح مصنع الذخيرة ٤/٩/١٩٥٨

أيها الإخوة:

حينما أبلغنى السيد نائب الرئيس والقائد العام للقوات المسلحة أن المصانع الحربية أنتجت الذخيرة الثقيلة شعرت بارتياح عميق فى نفسى؛ لأننى كنت أنتظر اليوم الذى نستطيع أن نعتمد فيه على أنفسنا فى قطاع مهم من القطاعات فى الناحية العسكرية.

وأنا أذكر سنة ١٩٤٨ حينما كنا نحارب فى فلسطين، وكانت ذخيرتنا محدودة، ليست الذخيرة الثقيلة؛ ولكن ذخيرة الهاون، وكانت إسرائيل تجد ما تريد من هذه الأسلحة وهذه الذخائر التى حرمت علينا، وكنا نتلقى قنابل اسرائيل ونوفر فى نفس الوقت قنابلنا؛ لأنها لم تكن بالقدر الكافى لنرد عليهم.

هذه الأيام التى تعتبر من الأيام الفاصلة، وأهم نقطة تحول فى تاريخ الأمة العربية، كنا تحت سيطرة احتكار السلاح، وكنا تحت رحمة الدول الاستعمارية التى كانت تعتبر نفسها المورد الرئيسى بل المورد الطبيعى لنا بالسلاح والذخيرة، كنا نحصل على السلاح مع ذخيرة الخط الأول التى لا تكفى للقتال لمدة يوم أو أيام، وكنا نعلم أن السلاح بلا ذخيرة هو عبارة عن كتل من الحديد. وكنا نجابه هذا، ونشعر بالمرارة، وننتظر اليوم الذى نعتمد فيه على أنفسنا فنصنع السلاح ونصنع الذخيرة، ولم يكن هذا فى الإمكان إلا إذا حررنا بلادنا وتخلصنا كلياً من النفوذ الأجنبى والنفوذ الاستعمارى.

كان الاستعمار العالمى يتآمر علينا ليجعل منا دولاً مستضعفة، تخضع بل تطلب منه الحماية ليحميها ضد الخطر وضد العدوان؛ خطر إسرائيل وعدوان إسرائيل، وكيف نطلب الحماية ضد خطر إسرائيل من هؤلاء الذين خلقوا إسرائيل وأقاموها بين أرضنا لتكون علينا التهديد المستمر والخطر المستديم؟!

وحينما استطعنا أن نتحرر بفضل كفاح هذا الشعب، استطعنا أن نفتح الآفاق فى جميع الميادين. وإننا نرى اليوم هذه المصانع الحربية تقضى على احتكار السلاح، وتقضى على السيطرة باستخدام التموين بالسلاح، بل إننا نرى أيضاً هذه المصانع الحربية التى تعمل للدفاع عن الوطن، تعمل أيضاً من أجل السلام، ومن أجل خير الإنسانية ومن أجل خير البشرية، فهى تعمل للدفاع، وفى نفس الوقت تعمل للتنمية وتعمل للإنتاج. هذا المصنع الذى ينتج الذخائر الثقيلة ينتج فى نفس الوقت الأدوات والماكينات التى تستخدم فى الحياة المدنية، وفى رفع مستوى المعيشة بين أرجاء هذه البلاد؛ هذا هو السبيل الذى يحقق لنا الأهداف ويحقق لنا النصر.

وكما قلت دائماً إننا نبنى – وسنبنى مهما كانت الأزمات، ومهما كانت الضغوط، ومهما حاولوا أن يرهبونا – ويدنا تحمل السلاح ويدنا الأخرى تبنى بتصميم وبعزم وإيمان، فإن هذا السلاح هو حماية لأوطاننا، وحماية لشرفنا، وحماية أيضاً للإنتاج وللبناء وللتنمية التى نسير فيها.

إننا اليوم ونحن نسير فى هذا الطريق، بل ونحن لازلنا فى أول الطريق نتجه إلى المستقبل بأمل كبير، وإيمان فى الله، وإيمان فى الشعب العربى فى كل بلد عربى؛ حتى نستطيع أن نحصل على الكفاية الذاتية، وحتى نستطيع أن نعتمد على أنفسنا، وحتى لا نكون تحت رحمة المحتكرين للسلاح ولغير السلاح. واليوم وقد تحررت الأمة العربية وأصبحت مقاديرها بيد أبنائها، فإننا نستطيع أن نسير فى هذا الطريق ونحقق الكثير.

اليوم بعد أن تحررت جمهورية العراق، فإننا نستطيع بالتعاون والتضامن أن نحقق الكثير فى كل هذه الميادين؛ التضامن الصناعى والتعاون الصناعى. إننا نستطيع بهذه القوى الكبرى التى تحررت فى بغداد، مع هذه القوى التى تحررت فى داخل العالم العربى أن نخلق صناعة حقيقية لمصلحة الأمة العربية، ولمصلحة الفرد العربى. وإنى أقول هذا لإخوتنا الذين يشرفونا اليوم من العراق، وأقول لهم: إننا نعتز بهذه الثورة؛ لأنها حققت النصر الكبير الذى كان يأمل فيه العرب فى كل مكان، وإننا نأمل فى هذه الثورة، كلنا أمل؛ لأنها ستحقق – بعون الله – للأمة العربية كلها الحرية الحقيقية، وستحقق أيضاً الدفعة للأمام بالتعاون مع الجميع نحو بناء أمة عربية متماسكة متعاونة فى جميع الميادين من أجل خير العرب جميعاً. والله يوفقنا جميعاً.

والسلام عليكم ورحمة الله.

http://nasser.bibalex.org/Speeches/browser.aspx?SID=677&lang=ar