كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى افتتاح مصنع الحديد والصلب بحلوان ٢٧/٧/١٩٥٨

أيها الإخوة:

إن إقامة صناعة الحديد والصلب فى بلدنا كان دائماً الحلم الذى ننظر إليه منذ سنين طويلة، وكنا نعتقد أنه بعيد المنال. فى خطب العرش اللى كنا بنسمعها واحنا أطفال صغيرين، كنا كل سنة نسمع الوعود بإقامة صناعة الحديد، وكنا جميعاً نعلم أن الحديد الخام يوجد فى بلدنا، وأن الفراعنة كانوا بيستعملوا هذا الحديد منذ الآف السنين، ولكنا كنا دائماً نجابه العقبات وكنا دائماً نجابه الاعتراضات من السيطرة الخارجية ومن الاستعمار.

وأنا أذكر من سنين.. من سنة ٣٠، كنت كل سنة أسمع خطبة العرش، وكانت خطبة العرش تقول: إن… سنقيم صناعة الحديد والصلب، لغاية سنة ٥٠ – يمكن كانت أخر خطبة عرش سمعناها – كان فيه وعد برضه بإقامة صناعة الحديد والصلب وطبعاً كانت هناك أسباب خفية وكانت هناك أسباب تمنع إقامة هذه الصناعة فى بلدنا؛ لإن الهدف كان إبقاؤنا دولة زراعية وعدم تمكينا من إقامة صناعة فى بلدنا.

السبب الرئيسى فى هذا ان احنا لم نكن الأسياد أو أصحاب الأمر فى بلدنا، كان فيه ناس دخلاء وناس أجانب هم الأسياد، وهم أصحاب الأمر فى هذه البلد. أما بقيتوا وبقى أبناء هذه البلد هم الأسياد، وهم أصحاب الأمر فيها ظهرت صناعة الحديد والصلب وأقيمت صناعة الحديد والصلب. (تصفيق حاد).

الحمد لله على كل هذه النعم، والحمد لله على التوفيق اللى أعطانا إياه حتى نستمر فى طريقنا، وحتى نحقق الأحلام اللى كنا بنحلم بها ونعتقد انها مستحيلة، وانها صعبة المنال.

فى هذه المناسبة أشكر إخوانا اللى قاموا بالجهد حتى استطاعت هذه الصناعة أن تقوم على قدميها؛ كل الناس اللى اشتركوا فى هذه الصناعة.. أعضاء مجلس الإدارة، الإداريين، والموظفين والعمال. وفى نفس الوقت أشكر شركة “ديماج” الألمانية ورجالها اللى عاونونا فى هذا العمل حتى استطاع هذا البناء أن يقف على قدميه، هذه المعاونة أو هذا التعاون بيدى مثل واضح للتعاون الكامل بعيد عن السياسة؛ يعنى التعاون من أجل الرفاهية ومن أجل الخير. وأنا أعتقد إن المواطنين والألمان اللى اشتركوا فى هذا بيحفظوا لبعض كل ذكريات ولم تكن هناك أى خلاف، ودا مثل تحتذيه الدول دائماً فى توثيق علاقتها بعضها ببعض.

فى هذه المناسبة.. مناسبة افتتاح مصنع الحديد والصلب يمكن عندى شوية كلام أحب أقولهم، ما جاتليش فرص ان أنا اتكلم فى الفترة اللى فاتت إلا على.. يمكن الموضوع السياسية، ولكن أنا شايف قدامى كل الناس اللى بيشتغلوا فى الصناعة؛ وزير الصناعة موجود، ورئيس مجلس إدارة المؤسسة وأعضاء المؤسسة، ورئيس مجلس إدارة بنك مصر، وأعضاء بنك مصر، وبعدين المصانع الحربية وكل يعنى الناس اللى اشتغلوا فى المواضيع الصناعية موجودين هنا وهى فرصة نتكلم فيها، رئيس مجلس إدارة الحديد والصلب وأعضاء مجلس الإدارة، وأعضاء مجالس إدارة بعض الشركات الأخرى، ففيه فرصة يمكن نتكلم كلمتين صغيرين.

اللى أنا بدى أذكره ان احنا بدأنا بعد سنة ٥٢ علشان نعيد بناء هذا الوطن، ومستوى المعيشة فيه كان مستوى معيشة واطى وعايز جهد كبير، فأنا بدى أقول لكم ان احنا أما نشتغل ما ننساش الوطن كوطن.. المجموع كمجموع؛ ما ننساش ان فيه ناس بتبحث عن العمل، وما ننساش انه لازال مستوى المعيشة واطى وعايز مننا أى جهد نستطيع أن نعمله، ما ننساش ان أى جنيه نحطه فى الاستثمار حنقدر نفتح بيه بيت ونعيش به عائلة، نتيجة الظروف اللى فاتت لازالت تقاسى ولازال مستوى معيشتها واطى، ما ننساش ان مستوى المعيشة الواطى بيحتاج مننا جهد كبير جداً علشان نقدر نرفعه، وفيه أفكار قديمة لازم نشيلها؛ اللى هى الأفكار الخاصة بالإسراف والرفاهية والتبذير. بالذات أنا يعنى ناوى النهارده اتكلم على التبذير.. التبذير فى الصرف؛ بمعنى ان كل جنيه أوفره من بناء المصنع، سواء هذا المصنع كان رأسمال عام أو رأسمال خاص؛ فأنا باوفر للثروة القومية جنيه علشان أقدر أحط عليه الجنيه التانى اللى حاوفره، وأقيم مصنع واشغل فيه ١٠٠ عامل وأفتح ١٠٠ عيلة، ويبقى عندى ٥٠٠ واحد قدروا يشتغلوا.

دى الرسالة اللى كل واحد فينا لازم يحطها نصب عينيه، كلنا جينا من الريف، وكلنا بنعرف الريف إيه حاله، وكلنا بنعرف الفلاح فى الريف بيطلع من الصبح بيشتغل بالفاس، ويرجع على المغرب وياكل إيه فى الغيط، وكلنا بنعرف كيف يجاهد ويكافح ٩٠% من أبناء الوطن علشان قوتهم اليومى، وكلنا نعرف مستوى المعيشة فى الريف إيه، وحياة العائلة وحياة الفلاح فى الريف.

إذن أما نسيب الريف ونيجى نشتغل بعيد عن الريف مديرين أو مهندسين أو بتوع حسابات، كل اللى باطلبه من كل واحد انه باستمرار يفتكر قرايبه، مافيش واحد مالوش قرايب بيشتغلوا فى الريف، إذا كان له قرايب أغنيا برضه له قرايب فقرا، يعنى هذا هو المجتمع اللى احنا عايشين فيه، ماحدش أبداً يحاول ينسى المجتمع ويفكر فى نفسه. واحنا يعنى نشكر ربنا لإن على أساس مستوى المعيشة أو متوسط مستوى المعيشة اللى موجودة فى البلد، احنا بناخد من نصيب ناس تانيين؛ لإن مستوى معيشتنا احنا كلنا اللى لابسين بدل واللى موجودين فى هذا المكان، واللى جات لنا الفرصة علشان نبقى مهندسين، ولو كانت فرقت الظروف كنا زمانا يمكن بنشتغل فى الغيط، بناخد.. يعنى عايشين وبنتمتع بمستوى معيشة أكبر بكثير من اللى بيتمتعوا به أو من اللى بيحصلوا عليه إخوانا فى الريف. كل واحد عنده بيت واللى عند تلاجة وعنده عربية ونحمد ربنا على كده، وما احناش عايزين أزيد من كده، وولادنا بتروح المدرسة وبتلاقى دكتور، كل دا كلام كويس، نفتكر باستمرار إخوانا الآخرين. وبهذا يبقى لازم يكون عملنا دائماً وتكون رسالتنا دائماً هى ان احنا نوفر بقدر الإمكان ولا نسرف.. لا نسرف فى المبانى. وطبعاً احنا فيه يمكن عيب موجود تملى، الأهرام موجودة فى مخيلة كل واحد فينا من العشرة اللى احنا معاشرينها، وكل واحد بيحب يبنى هرم. نقلل فى أتمان المبانى، ونحط ونزود فى أتمان المصانع، طبعاً يعنى مش معنى هذا ان أنا يعنى أنا ما بوجهش هذا الكلام لشركة الحديد والصلب كشركة حديد وصلب، ولكن دى مهمة أنا باشكرهم انهم ادونى الفرصة دى علشان أتكلم، شركة السماد أيضاً برضه باوجه لها هذا الكلام بالمناسبة يعنى.

وإخواننا بتوع مشروع الخمس سنوات.. الدكتور عزيز، وشايفهم قاعدين هنا كلهم.. عايزين نوفر فى المبانى، نوفر فى الطوب ونكتر فى المصانع علشان نشغل أكبر عدد من العمال، وزى أنت ما بتتمتع وجات لك الفرصة، عايزين ندى هذه الفرصة لأكبر عدد من الناس.

رسالتنا فى هذا الموضوع رسالة صعبة، وأنا يعنى… طبعاً من الواضح لكل واحد فينا بيبحث المجتمع.. والمجتمع بعمق، من الواضح إنه يكون فيه تناقض ان احنا نسرف فى أى ناحية من النواحى، فى الوقت اللى احنا فى حاجة إلى كل مليم، مش علشان برضه نضيعه فى ما لا فائدة منه، ولكن علشان نبنى به مصانع ونشغل ناس. هدفنا النهارده ان احنا نفتح أكبر عدد من المصانع ونشغل أكبر عدد من الآلات ونوفر أكبر كمية من المال، علشان تصرف فيه أو علشان تكون استثمار، وكل ما يزيد الاستثمار كل ما يرتفع مستوى المعيشة. ولكن إذا كان الاستثمار دا مابيروحش فى الطريق الصح وبيروح فى الطريق الغلط، طبعاً بتبقى النتيجة ليست هى النتيجة اللى احنا بنطلبها، يعنى أما نستثمر ٥٠ مليون جنيه وبعدين نحط من الـ ٥٠ مليون جنيه دول نفتح بهم مصنعين أو تلاتة، فيه فرق بين ان أنا أفتح مصنعين وأعملهم مصنعين فيهم فخفخة وفيهم رفاهية وفيهم إسراف، وفيه فرق بين ان أنا أفتح ٣ مصانع بنفس الفلوس بتاعة المصنعين.

باستمرار نحط هذا الموضوع نصب أعيننا؛ وبهذا بيبقى كل واحد فينا زى ما بيخدم ولاده فى البيت، بيخدم ولاد الناس الآخرين اللى بيبصوا لكم وحطوكم على رأسهم؛ علشان تقودوهم فى الميدان الصناعى وفى الميدان الاقتصادى. القيادة يعنى ماهياش قيادة محددة، وبدى برضه أحملكم مسئولية القيادة فى هذه الأمور؛ كل واحد فيكم لازم يحس بإنه متولى حجر ومتولى مسئولية فى القيادة الاقتصادية، وزى ما هو مسئول عن أولاده هو مسئول عن جميع أولاد الناس، وزى ما هو مسئول عن نفسه هو مسئول أيضاً عن كل الوطن كوطن، ومسئول عن انه يعمل على رفاهية الآخرين زى تمام ما هو بيفكر فى رفاهية نفسه. باعتبر ان فيه عدد كبير بيشاركنى فى هذا؛ لإن احنا اتكلمنا فى هذا وكلهم بيبصوا لهذه الفكرة.

وباعتقد ان احنا النهارده بنتجه إلى هذا الاتجاه؛ الإقلال فى الإسراف والإقلال فى التبذير، ومحاولة وضع الفلوس كلها أو أكبر جزء من المال فى الآلات، مش فى المبانى أو فى النواحى الخاصة بالرفاهية.

قبل ما أبنى البيوت أو قبل ما أبنى الخدمات الأساسية، برضه بافكر ان دا جزء من رأس المال، ولازم انى أحط هذه الفلوس فى صناعة؛ لإن فيه كتير جداً.. ٩٠% من البلد لسه بيوتهم طين فى القرى، ومانقدرش أبداً نرفع مستوى جزء من البلد مرة واحدة والباقى نسيبه على ما هو عليه؛ لإن دا بيرتب تناقض بين أبناء البلد الواحد. إذا وجدت ان المصنع اللى بابنيه ممكن يعتمد على السكن اللى فى القرية اللى جنبه، مافيش داعى أصرف نص مليون جنيه أو ربع مليون جنيه علشان أبنى مبانى، وأسيب المصنع وعماله وأهله يسكنوا فى هذه القرية، وبالنص مليون جنيه أبنى مصنع تانى علشان أرفع مستوى معيشة ناس آخرين.

فيعنى نحط باستمرار نصب أعيننا عملية الاستثمار فى الصناعة اللى تشغل ناس، والعامل اللى هو عايز بيت ماعلش يصبر سنة أو يصبر سنتين، أحسن أنا بالنسبة لى أشغل العامل العاطل بدل ما أبنى بيت للعامل اللى بيشتغل؛ لإن العامل العاطل حيكون عبء على المجتمع وحيكون عبء على الدولة. وبهذا نبقى نقدر نمشى ككتلة واحدة خطوة خطوة كمجموعة، وفعلاً نضيق ونزيل الفوارق بين الطبقات، كالأهداف اللى احنا بنسعى إليها واللى احنا بنعمل من أجلها.

النقطة التانية اللى أنا برضه فى هذه المناسبة أحب اتكلم عليها، اللى هى نقطة التضامن بين الناس اللى بيشتغلوا فى الحتة الواحدة. مافيش حكايات ما بتتسمعش فى البلد.. البلد بتحكى كل الحكايات الموجودة فى كل حتة، مافيش هنا حاجات سر، وطبعاً التضامن أساس للعمل، وإلا عدم التضامن باستمرار بيعطلنا. وأنا كمواطن مثلاً أحس ان عدم التضامن فى أى مكان – إن شاء الله يكون رأسمال خاص فى حتة من الحتت – باشعر انه بيعطل زيادة الإنتاج، وبيعطل الدفعة الخاصة بهذه البلد، وليس هناك أى سبب للتناقض بين أبناء الناحية الواحدة.

واحنا طبعاً.. أنا كشخص مسئول بادى الأمور دى فرصة وباصبر، ولكن حينما ينتهى صبرى، يبقى لازم أنا مسئوليتى ان أنا أعالج علشان أقضى على التناقضات اللى موجودة فى أمكنة مختلفة. ولكن يعنى كل واحد لازم ينكر نفسه وكل واحد لازم يتضامن، مافيش حد بيحمى حد هنا فى البلد، كلنا عملنا الأساس هو ان احنا نشتغل ونجند نفسنا كجنود لهذه البلد. وزى ما قلت برضه نحمد ربنا على المستوى اللى احنا وصلنا له، ونحمد ربنا ان الواحد عنده بيت وعنده كل أسباب المعيشة اللى فيه ناس حيموتوا قبل ما يحصلوا عليها؛ لإن الفرصة مش حتمكنهم من إنهم يحصلوا عليها. فهذه التناقضات اللى ظهرت برضه فى نواحى كتيرة، وأنا أعرفها كلها – مافيش حاجة ما أعرفهاش، يعنى محاضر مجالس الإدارة باقراها والكلام دا باشوفه – لازم بيننا وبين نفسنا نعالجها بدل ما نصل إلى ان أنا أتدخل أو حد يتدخل علشان يعالجها.

دى النقط الأساسية اللى ممكن نبدأ عليها فعلاً الصناعة اللى اتكلم عليها السيد وزير الصناعة والسيد رئيس المؤسسة والسيد رئيس مجلس إدارة المصنع؛ لإن إذا ما حطيناش النقط دى نصب أعيننا حنتعب كتير فى المستقبل، وحنضطر نعيد تنظيمنا بوسائل قد تكون عنيفة، واحنا ما احناش فى حاجة إلى إعادة تنظيمنا بوسائل عنيفة، كلنا بنهدف إلى هدف واحد هو رفعة هذا الوطن.

وكلنا يعنى لازم نحس – خصوصاً إخوانا اللى هم بيمثلوا قادة الطبقة المتعلمة – ان احنا على قيادة هذا البلد، وإن كل البلد سلمت لنا قيادها وبتأمل فينا خيراً، مش بس هم أما بيقولوا جمال عبد الناصر بيقصدوكم أنتم؛ بيقصدوا اللى بيشتغل فى مصنع الحديد والصلب واللى بيشتغل فى مصنع السماد، واللى بيشتغل فى مصنع السكك الحديد.. مصنع عربات السكك الحديد، واللى بيشتغل فى مصنع الكاوتش؛ لإن كل دول هم النهارده بيمثلوا القيادة اللى بتبنى. واللى بيشتغل فى مصنع الكهربا، واللى بيشتغل فى الإصلاح الزراعى، ومندوب الإصلاح الزراعى فى بلد من البلاد، ومندوب الأوقاف فى مكان من الأمكنة، ومفتش البلدية اللى بينزل ويشوف الناس. كل دول النهارده الطبقة المتعلمة هى اللى ماسكة القيادة، والبلد كلها بتبص كقيادة وبمنتهى التضحية وبمنتهى الإخلاص بتسلم زمامها ولها أمل كبير فينا. على هذا الأساس يبقى احنا لازم نرد هذا الموضوع رد مضاعف لهؤلاء الناس؛ علشان نقدر نحقق لهم ونقدر نحقق لأولادهم العيشة اللى هم بيطلبوها.

بالنسبة لمصنع الحديد والصلب احنا وضعنا الحجر الأساسى سنة ٥٥، ومن ٥٥ لـ ٥٨، كانت الظروف صعبة، والظروف اللى احنا بنجابها دائماً ظروف تضييق وحصار اقتصادى ومحاولات للعزل، ولكن نحمد ربنا إن رغم هذا استطاع القائمين على العمل فى هذا المصنع انهم يحققوه فى الموعد المحدد ونفتتح المصنع فى التاريخ اللى كان محدد له من زمان رغم العدوان، ورغم الحصار الاقتصادى، وأنا أكرر لهم شكرى بالنيابة عن أبناء الوطن جميعاً.

بالنسبة للتجربة اللى هى خاصة بمصنع الحديد والصلب، هى تجربة برضه جديدة علينا؛ لإنها بتمثل رأس المال المشترك.. رأس مال مختلط قصدى؛ بتشترك فيه الحكومة وبتشترك فيه الأهالى، وبتشترك فيه أيضاً شركة “ديماج” اللى هى تمثل شركة أجنبية. وبنعتبر ان هذه بتمثل الأساس يمكن اللى احنا بنمشى فيه لتحقيق هدف الثورة؛ اللى هو الهدف الاشتراكى، فالحكومة بتشترك بـ ٤٥% من رأس المال، ورأس المال الخاص بيشترك بـ ٥٥%.

من الواضح ان رأس المال الخاص كان دائماً بيتجه إلى الزراعة.. كل واحد عنده قرشين بيحب ياخد بهم فدان طين علشان يضمن انه يزرعهم، والأرض تجيب له كذا أو كذا، ويزود الفدان إلى عشرة، وماكانش حد بيحب يحط فلوسه فى الصناعة. بعد تحديد الملكية اتجهت الأموال دى إلى المبانى، وفى سنة ٥٥ وصلت الفلوس… اتحطت فى المبانى برضه من الرأسمال الخاص ٦٠ مليون جنيه سنة ٥٥، السنة دى أو سنة ٥٧ نزلت إلى ٣٠ مليون جنيه بعد ما عملنا قانون المبانى.

أما عملنا قانون المبانى فى الحقيقة كان هدفنا ان احنا نوجه رأس المال دا إلى الصناعة علشان أنا المبانى باشغل طائفة المبانى، ولكن فى الصناعة باستطيع ان أنا اشغل عمال وفى نفس الوقت بابنى فى الصناعة وبابنى مبانى. طبعاً فيه ناس يعنى لم تقدر هذا، وفى يوم أنا رأيت إعلان فى الجرايد – أظن من نقابة المهندسين أو ما اعرفش من مين – طالبين إلغاء قانون المبانى؛ فكروا تفكير محدود جداً، مافكرش إن العملية مبنية على توسيع.. على مصلحة البلد كلها، وان الصناعة أيضاً فيها مبانى، وإن مهندس المبانى اللى بيبنى البيت هو مهندس المبانى اللى بييجى بيشوف نفس المصانع والبيوت اللى بتقوم مع هذه المصانع. كل غرضنا من هذا ان احنا نوجه رأس المال الخاص إلى الصناعة؛ وبهذا يشترك رأس المال الخاص مع رأس المال العام أو رأس المال الحكومى فى بناء البلد من أجل مصلحة البلد.

فى سنة ٥٥ كنا بنعمل هذا المصنع علشان تلبية احتياجات مصر، وفى سنة ٥٨ تمت الوحدة بين سوريا ومصر، (تصفيق حاد)، والنهارده بنعتبر ان هذا المصنع هو لخدمة البلدين بل لخدمة الأمة العربية كلها. وأنا برضه أحب أطلب من أعضاء مجلس الإدارة ان زى احنا ما طلعنا دربنا بره أو فيه ناس طلعت اتدربت، ان فيه ناس من سوريا تييجى تشترك وتعمل فى هذا المصنع، وناس تييجى تدرب، ونعتبر ان هذا المصنع هو مصنع الحديد والصلب للأمة العربية كلها، وناس من باقى البلاد العربية تييجى هنا تدرب وتشترك معانا فى التدريب وفى التعليم؛ طبعاً دى باعتبرها رسالة بالنسبة لنا.

دا باختصار يعنى الكلام اللى أنا كنت عايز أقوله بالنسبة للناحية الداخلية، أو فى التطور أو التناقض اللى بنلاحظه واللى أنتم بتلاحظوه وبتشوفوه. بالنسبة للمستقبل: احنا فى هذا المعترك الدولى لازم ناخد على الأزمات الخارجية، ومانخليش الأزمات الخارجية بأى حال من الأحوال تعطل عملنا الداخلى ساعة أو يوم؛ لإن احنا بالنسبة للموقف الخارجى أو بالنسبة للموقف الدولى لنا أهداف وبننادى بها وبنطالب بها، وفيه ناس مش عايزين أبداً يعترفوا لنا بهذه الأهداف أو يعترفوا لنا بهذه الحقوق، وبيحاولوا يحاربونا؛ حاربونا بالدعاية، ثم حاربونا بالعدوان المسلح، ثم حاربونا أيضاً بعد هذا بالحصار الاقتصادى ثم بالعزل. مانقدرش نبطل شغلنا الداخلى ونتلفت كلنا علشان نصد هذا العدوان وعلشان نوقف هذا الحرب؛ لإن عملنا الداخلى وبناء العمل الداخلى.. كل طوبة بنبنيها فى بلدنا عبارة عن مساهمة فى الدفاع عن بلدنا.

اللى حصل فى السنين اللى فاتت أو من أول ما نشأت هذه الحالة ان احنا كنا إيدنا على المدفع وفى نفس الوقت بنعمل وبنبنى. وكانت هذه التجربة كويسة جداً، وأنا يعنى أعتقد وأعلم إن فى وقت العدوان حينما كانت هناك غارات جوية علينا فى سنة ٥٦، كانت المبانى والعمل ماشى فى كل الصناعة كأن مافيش شىء.

النهارده برضه فى الأزمات الدولية اللى احنا بنجابهها وفى الموقف الدولى اللى احنا بنجابهه لازم نحط دا نصب أعيننا. وأظن يمكن النهارده الموضوع أسهل لنا لإن احنا اتعودنا، لإن من الـ ٦ سنين اللى فاتت ماخدناش يوم راحة، وعايزين نبنى داخلياً وعايزين نصد العدوان الخارجى.

وفى سنة ٥٣ – من أول الثورة – احنا قلنا رأى وصممنا على هذا الرأى لغاية دلوقت وما غيرناهوش. بيقولوا فى جرايدهم: دول بيغيروا كلامهم، ودول عايزين يعملوا إمبراطورية، ولو يذكروا.. لو يذكر “مستر دالاس” وزير خارجية الولايات المتحدة المحادثات اللى حصلت معايا فى سنة ٥٣ – وأنا أطالبه إنه يطلع محضر هذه المحادثات – نفس الكلام اللى بيحصل النهارده احنا قلناه فى سنة ٥٣، قلنا: إن العالم العربى لن يقبل بأى حال من الأحوال إنه يدخل ضمن مواثيق لإنه يعتبر أن المواثيق هى استعمار جديد، ولن يقبل بأى حال من الأحوال الاستعمار الجديد. واحنا لن نقبل بأى حال ان احنا ندخل فى أى ميثاق أو فى أى تحالف؛ لإن لا نفهم أبداً ان يخرج الاحتلال الإنجليزى من الباب علشان يرجع لنا استعمار جديد مشترك من النافذة تحت اسم حلف بغداد أو تحت اسم أى حلف من الأحلاف.

وهذا الكلام قلته لـ “سلوين لويد” أيضاً فى سنة ٥٣، وقلناه ٥٤ و٥٥ و٥٦ و٥٧، واحنا النهارده ٥٨ والأيام كلها بتثبت ان احنا كنا على حق وان احنا بنفهم طبيعة الشعب العربى. (تصفيق). وأنا قلت لـ “دالاس” فى سنة ٥٣: إن أى حاكم فى البلاد العربية حيدخل فى معاهدات أو حيفتح بلده لاتفاقات أو مواثيق حيعتبر خائن؛ لإن كلمة مواثيق عندنا معناها استعمار ومعناها احتلال، ولن تسمح له الشعوب، ولن يسمح له شعبه بإنه سيبقى وحيحاربه ولابد الشعوب حتحرر بلادها.

فى سنة ٥٥ أما صمموا على حلف بغداد وجوبهنا بالضغط، نفس الكلام اتقال مع “مستر إيدن” – رئيس وزراء بريطانيا – واتقال لهم، وماحدش أبداً كان بيصدق هذا الكلام.

كل اللى باطلبه النهارده سنة ٥٨ ان “مستر دالاس” يبتدى يطلع ملخص المقابلة بتاعة ٥٣، ويبتدى يقراها تانى ويشوف إيه الكلام اللى اتقال، وهل هذا الكلام مشى أو ما مشيش؟ ويشوف إيه الكلام اللى اتقال على إنه حيحصل بعد كده، ويقدر إنه يلحق الموقف علشان يخلق فعلاً علاقة طيبة زى ما بيقولوا إنها هدفهم.

لن نقبل الاستعمار بأى شكل من الأشكال، ولن نقبل السيطرة بأى شكل من الأشكال، ولن نقبل ان احنا ناخد أوامر من حد، ولن نقبل أى دفاع إلا الدفاع المنبثق من داخل الدول العربية ضمن ميثاق الدول العربية.

دا كلام بنقوله من ٥٢ واتقال لهم ٥٣ ولازلنا بنقوله فى ٥٨، كونهم يطلعوا النهارده فى جرايدهم ويقولوا: دول عايزين إمبراطورية أو دول عايزين مش فاهم إيه، أو يروحوا يعتمدوا على بعض الناس فى الدول العربية علشان يحاربونا أو علشان يفتتوا بين أبناء الوطن العربى الواحد، أو علشان يضعفوا القومية العربية؛ مافيش فايدة.

النهارده بنجابه الأزمة العالمية نتيجة احتلال أمريكا للبنان ونتيجة احتلال بريطانيا للأردن، وطبعاً هذا الاحتلال كان نتيجة الكلام اللى قلناه سنة 53؛ لإن الناس اللى قبلوا انهم يفتحوا بلادهم للاستعمار لم يستطيعوا أن يدافعوا عن نفسهم، ولم يستطيعوا إنهم يأمنوا لشعبهم، ولم يستطيعوا أيضاً انهم يأمنوا لجيشهم، فاضطروا يبعتوا يطلبوا جيوش أجنبية تييجى تدافع عنهم، ثم ما بعد ذلك؟

طبعاً ان أى عدوان فى العالم العربى بيعتبر عدوان على كل بلد عربى، واحنا باعتبارنا الجمهورية العربية المتحدة اللى أخذت على نفسها واجب الطليعة فى هذا، لن نتخلى عن هذا الواجب، وباعتبر ان احنا الست سنين اللى فاتت ادتنا صلابة، وادتنا قوة، وادتنا إيمان، وادتنا ثقة، بنبنى فى بلدنا من الداخل ثم بندافع عن بلدنا، وبندافع عن وطنا الأكبر اللى هو العالم العربى، وإن شاء الله سيكون النصر دائماً حليفنا.

وأشكركم.

http://nasser.bibalex.org/Speeches/browser.aspx?SID=674&lang=ar