كلمة الرئيس جمال عبد الناصر بعد عودته من مؤتمر الدار البيضاء فى مجلس الأمة ٢٤/١/١٩٦١

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

لقد أحسست بغامر من السعادة، وأنا أتلقى رسالة مجلسكم الموقر؛ التى وصلتنى والباخرة الحرية مازالت تشق البحر الأبيض متجهة إلى الوطن، بعد انتهاء مؤتمر الدار البيضاء.

وكان مبعث السعادة أن رسالتكم أكدت لى من جديد تلاقى فكرنا جميعاً فى أساليب العمل العربى وفى أهدافه، فلقد كان واضحاً من رسالتكم أن القيمة الحقيقية لمؤتمر الدار البيضاء قد وجدت ميزانها الأمين فى الضمير الشعبى العربى؛ الذى يعتبر مجلسكم لسانه وترجمانه.

ولقد كانت النقطة البارزة فى مؤتمر الدار البيضاء، على حد ما وصفته رسالتكم إلى؛ هى أنه عمل ضد الاستعمار وضد الصهيونية؛ كعميل من عملاء هذا الاستعمار، وأداة من أدواته.

وكان التعبير الكامن فى رسالتكم أن كل عمل ضد الاستعمار عمل عربى، وكل عمل ضد الصهيونية – أداة الاستعمار – عمل عربى؛ أى أن كل عمل من أجل الحرية عمل عربى.

فإن القومية العربية فى مضمونها الواعى لا تزيد على أن تكون حرية كل وطن عربى، وحرية كل مواطن عربى.

ومن هنا تصبح قضايا الحرية، حتى فى صورتها العامة؛ امتداداً لقضايانا، ويصبح انتصارها فى أى مكان طاقة دافعة لإمكانيات نضالنا التحررى.

ولقد امتد النضال العربى على خط عريض ممتد من باندونج إلى الدار البيضاء، وأثبتت الأيام والتجارب أن هذا الخط العريض هو خط السلامة العربية، وهو أيضاً خط السلام.

وعلى هذا الخط العريض من باندونج إلى الدار البيضاء خضنا المعارك مع غيرنا من الشعوب؛ خضناها على أرضنا، وخضناها على أرض غيرنا من طلاب الحرية. لم نكن وحدنا نقاتل معاركنا، وإنما كانت شعوب كثيرة تؤمن بمثل ما نؤمن به وتقف معنا.

كذلك لم نتخل يوماً عما آمنا بأنه واجبنا فى نصرة غيرنا، وإننا لندعو الله أن يقود هذه الجمهورية دائماً إلى طريق الواجب، وأن يملأها بالعزيمة؛ تشد إيمانها لتكون طليعة كل زحف، وقاعدة كل نضال من أجل الحرية. ذلك أن الحرية لا تصان باستجداء المستعمر ولا بمساومته، ولا تصان الحرية بمهادنة الاستعمار أو بملاينته. إنما تصان الحرية بعيداً عن قصور الرجعية والإقطاع، وبعيداً عن الهمس الذليل، وبعيداً عن الأنانية الفردية تستر نفسها وراء ميوعة الألفاظ، وفى حمى التعبيرات المطاطة.

إن معارك الحرية لا تواجه إلا بالنضال الإيجابى الواعى، ولا تقاتل إلا على الأرض فى مواجهة قوى الاستعمار ذاتها، ولا يمكن أن تكون لها غير نتيجة واحدة؛ هى دحر الاستعمار وتصفية وجوده.

وفى باندونج، على سبيل المثال، استطاعت طلائع التحرر فى آسيا وإفريقيا أن تحشد ضد الاستعمار وضد أدواته قوى شعبية ضخمة. وإذا كنا نعتبر معركة السويس نقطة تحول فى تحرير القارة الإفريقية، فلقد كان النداء للتحرر الإفريقى صادراً من باندونج.

ولقد واجه مؤتمر باندونج أدوات الاستعمار؛ كما واجه سيدها الذى تعمل من أجله، وكان أوضح دليل أن إسرائيل؛ كأداة بارزة من هذه الأدوات، منعت من حضور مؤتمر باندونج، ورغم أنها تدعى نفسها قطعة من آسيا؛ فلقد كان الإجماع الآسيوى – الإفريقى على وضع إسرائيل وراء أسوار العزل؛ باعتبارها مصدر عدوى، وباعتبارها ظاهرة من ظواهر الداء الاستعمارى، وعرضا من أعراضه.

كذلك حدث فى مؤتمر الدار البيضاء، وكانت إسرائيل تتصور أنها بعد صدمتها فى آسيا، قادرة على التسلل بليل إلى القارة السوداء، فإذا مؤتمر الدار البيضاء يظهرها صراحة أمام نفسها وأمام أصحابها وصانعيها؛ بصورتها الحقيقية التى وردت فى نص القرار الرسمى بشأنها وهو كما يلى:

“يلاحظ المؤتمر باستنكار، أن إسرائيل دأبت دائماً على مناصرة الاستعمار كلما جرى بحث للمسائل الهامة المتعلقة بإفريقيا ولا سيما مسائل الجزائر والكونجو والتجارب الذرية فى إفريقيا؛ لذلك يندد المؤتمر بإسرائيل، بوصفها أداة فى خدمة الاستعمار بنوعيه القديم والجديد، ليس فقط فى الشرق الأوسط، بل فى إفريقيا وآسيا، ويدعو المؤتمر كافة دول إفريقيا وآسيا إلى الوقوف أمام هذه السياسة الجديدة التى يستخدمها الاستعمار بخلق قواعد له”.

وكان واضحاً من هذا القرار ومن أصدائه أن الطلائع المتحررة فى إفريقيا قد فتحت عينها على حقيقة إسرائيل، وكشفت مستتر نواياها وأهدافها.

ولقد كان رد الفعل فى إسرائيل هو الغيظ المرير أول الأمر، ثم كانت المحاولة بعده للمناورات من وراء القرار وإبطال مفعوله، وتجلى ذلك أكثر ما تجلى فى غانا؛ حيث حاولت إسرائيل أن تشكك فى مدى تمسك غانا بقرار الدار البيضاء، ثم رأى الدكتور “كوامى نكروما” رئيس جمهورية غانا أن يصدر بياناً وجه فيه الضربة القوية إلى مناورات إسرائيل؛ بأن أعلن فى غير غموض ولا مواربة أن قرار الدار البيضاء، فيما يتعلق بإسرائيل، يمثل خطاً أساسياً فى سياسة غانا. وكان صدى هذا البيان أن عادت إسرائيل إلى غيظها المرير، وزادت فيه بعد أن فشلت مناوراتها. وإننا لنؤمن أن هذا الغيظ المرير سيكون هو الحصاد الوحيد لكل ما حاولت إسرائيل أن تزرعه فى قارتنا الإفريقية المتيقظة.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

ولعله مما يساعد الشعوب الإفريقية على إدراك أهداف الاستعمار ووسائله، وعلى إدراك دور إسرائيل فى خدمة هذه الأهداف؛ باعتبارها إحدى وسائل تحقيقها، هو أن الاستعمار يكرر نفسه الآن فى إفريقيا.

إنه يصنع فيها لمواجهة المد الثورى، نفس ما صنعه فى العالم العربى من قبل فى مواجهة نفس المد الثورى؛ إنه يلجأ إلى تقسيم الوطن الكبير. إنه يكرر فى الكونجو – على سبيل المثال – نفس ما قام به من قبل فى سوريا. وكما نرى الاستعمار الآن يفصل جزءاً من الكونجو يسميه “كاتنجا”، ويقيم عليه عميلاً من عملائه اسمه “تشومبى”؛ فلقد فعل نفس المحاولة من قبل.

ولن يصعب علينا أن نلتفت من حولنا فى الشرق العربى فنجد نموذجاً قديماً “لكاتنجا”، وأن نعثر على الدمى العاجزة التى وضعها المستعمر؛ كما وضع “تشومبى”، وإن كانت لها الأسماء العربية.

وفى مثال آخر هو الجزائر يحلم الاستعمار بأن يكرر نفس الذى صنعه من قبل لأمتنا العربية فى فلسطين؛ وهو إخراج شعب أصيل من أرضه، وإحلال شعب غريب غيره على هذه الأرض. لقد استولى المستوطنون الغرباء فى الجزائر على كل الأرض، وأخرجوا من الأرض أصحابها، والاستعمار الآن يتحدث عن تقسيم فى الجزائر، ينتزع قطعة من الوطن العربى الجزائرى ويعطيها للمهاجرين القادمين من وراء البحر؛ لتكون لهم وطناً، ولتكون لمطامعه الاستعمارية قاعدة ومنطلقاً يهدد منه الشعوب المتطلعة إلى تحرير إرادتها؛ لكى تستطيع بهذه الإرادة الحرة أن تبنى نفسها، وأن تساهم فى بناء عالم يسوده السلام.

وإننا لنؤمن أن الشعوب الإفريقية قد رأت الضوء فى الدار البيضاء.. رأت الضوء فى تجربتنا مع القواعد التى أقامها الاستعمار فى العالم العربى.. ورأت الضوء فى تجاربها هى فيما يقوم به الاستعمار الآن فى قلب القارة.

والنتيجة المحققة هى أن إفريقيا تبينت أن إسرائيل تشكل خطراً على الأمن الإفريقى؛ باعتبارها قناعاً للعدوان الاستعمارى.

كذلك، فلقد أبان وفد الجمهورية العربية المتحدة بوضوح أن جمهوريتنا، فى دفاعها الصامد عن البوابات الشمالية الشرقية للقارة الإفريقية؛ تؤمن أن مؤخرتها المتصلة بالقارة سوف تكون فى أمان من أى تسلل إسرائيلى؛ باعتباره اسماً مرادفاً للتسلل الاستعمارى.

ولقد استطاع مؤتمر الدار البيضاء بعد ذلك أن يمنحنا فرصة رائعة. ولست أشك فى أنكم توافقون معى على أنه فى مقدمة هذه الفرص؛ هو أن مؤتمر الدار البيضاء أتاح لنا أن نلتقى بالشعب العربى العظيم فى المغرب، وأن نرى رأى العين أن شعارات الكفاح العربى الحر، إنما هى تعبير حقيقى عن الشعوب العربية.

لقد رأيت فى الدار البيضاء المطلة على المحيط الأطلسى نفس الذى رأيته فى الدمام المطلة على الخليج العربى.

نداءات النضال العربى من أجل استرداد فلسطين، ومن أجل تحرير الجزائر.

نداءات النضال العربى بالوحدة بمعناها النضالى ومعناها المصيرى.

نداءات النضال العربى من أجل التحرر الاجتماعى.

نداءات النضال العربى ثورة على الاستعمار، وعلى كل ما يستعمله الاستعمار من أدوات وأساليب.

وإذا كنت قد وصلت بالحديث إلى تجربة الدار البيضاء؛ فلابد لى أن أشيد هنا بالجهود المخلصة التى بذلها ملك المغرب؛ الملك محمد الخامس، بالدعوة إلى هذا المؤتمر، وبالعمل الصادق لإنجاح أعماله.

كذلك أتاح لنا هذا المؤتمر أن نلتقى بعدد من قادة التحرر الإفريقى بعضهم سبق لنا شرف التعرف إليه كالرئيس “كوامى نكروما” رئيس جمهورية غانا، وبعضهم الآخر كان لقاؤنا بهم لأول مرة؛ وفى الطليعة منهم الرئيس “أحمد سكوتورى”؛ رئيس جمهورية غينيا، والرئيس “موديبو كيتا”؛ رئيس جمهورية مالى، وإنه لمما يسعدنا أننا نتوقع أن نستقبلهم جميعاً هنا فى الجمهورية العربية المتحدة، خلال الشهور القادمة.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

وكذلك أتاح لنا مؤتمر الدار البيضاء فرصة عظمى لاستخلاص إرادة عمل إفريقى بناء. ولقد كان انعقاد المؤتمر فى حد ذاته هو المقدمة التاريخية للإرادة التى تجلت عنه، والتى تتمثل فيما أصدره من قرارات. فإن مجرد انعقاد المؤتمر يحمل فى طياته معانى تاريخية بعيدة الأثر عميقة التأثير.

فأولاً: كان هذا المؤتمر يمثل إرادة إفريقيا المستقلة، ويتبع هذا على الفور أن المؤتمر كان يمثل ثانياً: إيمان شعوب القارة بوحدة الكفاح وبالتالى بوحدة المصير.

وثالثاً: فإن المؤتمر بهذا الذى اجتمع به؛ يمثل وحدة القارة ذاتها، مع وحدة الكفاح فيها ووحدة المصير؛ فلقد تلاشت الخطوط الوهمية التى حاول الاستعمار وضعها لتفرقة القارة وتقسيمها، ولم تعد هناك إفريقيا عربية وإفريقيا سوداء، ولم تعد الصحراء الكبرى التى اعتبرها الاستعمار خطاً فاصلاً بين أقسام القارة كما تصورها.. بل كما أرادها عمداً وبسوء قصد.. إلا جسراً يصل ويربط؛ يربط امتداد الأرض، ويربط امتداد الأمل، ويربط امتداد الكفاح تحقيقاً لهذا الأمل.

تلك كانت المقدمة التاريخية التى مهدت لهذا المؤتمر وأعطته قيمته الكبرى.

أما إرادة العمل التى انتهت إليها أعماله، فإنكم تجدونها فى قراراته التى أودعت مكتب مجلسكم والتى سوف تتولى دراستها ومناقشتها؛ ليكون رأيكم فيها أقوى وشائج ارتباطنا بها، وهى فى مجموعها ثمانية قرارات.

قرار بإعلان ميثاق إفريقى لتصفية الاستعمار والقواعد العسكرية، وتنسيق التضامن الإفريقى فى المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وقرار فى مشكلة الجزائر، وقرار فى مشكلة فلسطين، وقرار فى مشكلة التجارب الذرية لم يقتصر على استنكار تجارب فرنسا الذرية فى إفريقيا وإنما امتد فشمل تعاونها الذرى المشبوه مع إسرائيل، وقرار فى مشكلة التمييز العنصرى، وقرار فى مشكلة موريتانيا، وقرار فى مشكلة رواندا وأوراندى.

أيها المواطنون:

ولقد كانت هناك مجموعة من النقاط وضعها وفد الجمهورية العربية المتحدة أمام أعماله؛ لتكون أشبه بالعلامات التى تحدد درب المسير.

وإنى لألخص هذه النقاط لحضراتكم فيما يلى:

أولاً – كنا نرى أنه إذا كانت مشكلة الاستعمار فى الكونجو والجزائر بالذات من أبرز موضوعات البحث فى المؤتمر؛ فأنه كان يتعين علينا ألا ننسى أن المعركة ضد الاستعمار فى الكونجو والجزائر هى جزء من المعركة ضد الاستعمار فى القارة الإفريقية كلها.

وإذا كان الاستعمار يريد أن يجعل من معركة الكونجو أمثولة لإرهاب الكفاح الإفريقى، فإن علينا أن نتضافر جميعاً لجعل معركة الكونجو مثلاً للانتصار الإفريقى؛ تشجيعاً للحرية فى القارة كلها. وكذلك الأمر فى الجزائر؛ التى أصبحت معركة الأحرار جميعاً فى كل مكان.

ثانياً – كنا نرى أن مشاكل إفريقيا هى جزء من قضية السلام العالمى، ومن ثم فإن تجاوبنا أخذاً وعطاء مع بقية الشعوب – وشعوب آسيا فى الطليعة منها والمقدمة – أمر حيوى لدفع الكفاح الإفريقى إلى أهدافه، ومن ثم فإن مشاكل نزع السلاح، ومشاكل توجيه الطاقة الذرية إلى الأغراض السليمة؛ يجب ألا تقل فى تقديرنا عن مشاكل تصفية الاستعمار، والقضاء على التفرقة العنصرية.

ثالثاً – كنا نرى أن التطوير الاقتصادى والاجتماعى لشعوب القارة هو ركيزة الكفاح الإفريقى، وهو المعنى الأصيل للحرية المنشودة، وبغير الاتجاه إلى التنمية الاقتصادية وإلى العدل الاجتماعى فإن الفرد الإفريقى يفقد كثيراً من حوافز النضال الإيجابى من أجل الاستقلال. وإن تعاون شعوب القارة فيما بينها لتحقيق تطويرها أمر تحتمه الضرورة وتفرضه إلى أقصى الحدود، وفى جميع المجالات؛ وعلى رأسها تبادل السلع وتبادل الخبرات، وتدعيم وسائل الاتصال بكافة أنواعها.

رابعاً – كنا نرى أن الأمم المتحدة أداة كبرى يجب أن تؤدى دورها فى خدمة الكفاح من أجل الحرية، وفى خدمة التطوير الاقتصادى والاجتماعى، وأن استخلاص الأمم المتحدة من براثن المناورات الاستعمارية، معركة هامة يتعين على الشعوب الإفريقية والشعوب المتطلعة إلى الحرية أن تخوضها، وأنه يتعين علينا أن نجد الوسائل الكفيلة بحماية الأمم المتحدة كأداة فى خدمة السلام الدولى القائم على العدل من كل تربص بها؛ حتى تستطيع هذه الأداة بدورها أن تحقق الغرض المرجو منها.

خامساً – كنا نرى أن نجاح أهداف الكفاح الإفريقى لا يتحقق بدفع إفريقيا إلى الحرب الباردة بين الكتل؛ وإنما تتحقق أهداف هذا الكفاح إذا تحولت إفريقيا إلى أرض لقاء بناء، لا أرض صراع مدمر بين هذه الكتل، وأن استخلاص أداة الأمم المتحدة من براثن الاستعمار هو انتصار كبير فى إمكانية تحقيق هذا اللقاء البناء بين الدول الكبرى؛ فإن الأمم المتحدة أسلم إطار لهذا اللقاء، وأضمن دائرة لحدوده.

سادساً – كنا نرى أنه من المسئوليات الكبرى علينا أن نصون وحدة الزحف الإفريقى، وألا نجعل الاستعمار يجرنا إلى معارك فرعية مع العناصر الرجعية المعادية للتقدم. وإذا كنا نعرف كيف جرب الاستعمار هذه المحاولة معنا فى الشرق العربى؛ فإننا نعرف أنه برغم تصدينا لهذه المحاولات، فلقد ظل الهدف الذى تسعى الجمهورية العربية المتحدة إليه؛ هو الهدف الأصيل؛ تحرير كل وطن عربى وتحرير كل فرد عربى سياسياً واقتصادياً.

سابعاً – كنا نرى أنه من الأمور المحتمة أن نحدد لكل مرحلة من النضال الإفريقى نصيبها من الأهداف، وبمعنى آخر فإن المسئوليات التى نتصدى لحملها يجب أن تتكافئ مع قوانا الذاتية؛ حتى نستطيع السير بها إلى أهدافها.

وكانت تلك فى رأينا مسألة هامة لتوكيد جدية الكفاح الإفريقى وواقعيته بالنسبة للشعوب التى تحمل مسئوليته، بل وبالنسبة لغيرها من الشعوب؛ على أن تبقى الأهداف الشاملة للكفاح واضحة ظاهرة، باعتبارها الطاقات الدافعة إلى تحمل المسئوليات فى المراحل المتلاحقة.

وإننا لنحمد الله الذى قاد مسيرتنا إلى ما انتهينا إليه من قرارات تمثل إرادة العمل الإفريقى، وما توصلنا له من تنظيمات كفيلة بدفع هذه الإرادة إلى تحقيق غاياتها.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

لقد كان إيمانى الدائم أن المسئولية الكبرى التى تقع علينا هى أن نخوض فى نفس الوقت معركتين: معركة الحرية.. ومعركة البناء تدعيماً للحرية.

كذلك كان إيمانى الدائم أن الدعوة الحقيقية لأهدافنا إنما تقوم أولاً على أساس أن يكون وطننا نموذجاً لما ندعو إليه. وإذا كنا نؤمن بالحرية؛ فإن دعوتنا للحرية ينبغى أن تتمثل فى نضالنا الوطنى ضد الاستعمار؛ دفاعاً عن حدودنا. وإذا كنا نؤمن بكرامة الفرد؛ فإن كل مواطن من أهلنا يجب أن يكون نموذجاً لعزة الفرد وقيمته. وإذا كنا نؤمن بالوحدة العربية؛ فإن العمل من أجلها لا يدفعه إلا أن تكون جمهوريتنا تحقيقاً مستمراً متطوراً للأمل العربى.

هكذا، فإننى أستطيع أن أنتقل من الحديث عن كفاحنا التحررى فى مجاله الخارجى؛ إلى كفاحنا التحررى فى الميدان الداخلى.

ذلك أننى أرى أنه قد حان الوقت لكى أتوجه إلى مجلسكم الموقر؛ أطلب إليه – طبقاً لنص الدستور المؤقت – أن يتولى وضع الدستور الدائم للحكم فى الجمهورية العربية المتحدة.

ولقد كان المقرر أن أرسل خطاباً إلى رئيس مجلس الأمة؛ أطلب فيه إلى المجلس أن يبدأ فى العمل لوضع الدستور الدائم للجمهورية العربية، ولكننى لم أشأ أن أترك فرصة تشرفى بالمثول أمامكم اليوم دون التطرق إلى ذكر هذا الموضوع.

كذلك، فإننى أرى أن يستعد المجلس لكى يناقش خطة التنمية الشاملة التى تستهدف مضاعفة الدخل فى الجمهورية العربية المتحدة خلال عشر سنوات؛ ذلك أنه قد مضت على تنفيذ الخطة ستة شهور، وهى فترة تصلح للمناقشة كتجربة حية فى تنفيذ الخطة.

ولسوف أبدأ مع الوزراء غداً فى سلسلة من الاجتماعات تستهدف بحث ذات الموضوع، وإنى لأرى أن يحال الأمر إليكم؛ لتكون متابعتكم لتنفيذ الخطة ضماناً لنجاح أهدافها.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

لقد أسعدنى أن أحدثكم فى نفس الموضع عن المسألتين؛ عن وضع الدستور الدائم.. وعن متابعة خطة التنمية؛ ذلك أنى أرى التلازم بين المسألتين.

فإذا كانت الحرية السياسية والاجتماعية هى هدف الدستور؛ فإن خطة التنمية هى التمكين الحقيقى لهذه الحرية، وهى الأساس المكين لقيام المجتمع الديمقراطى الاشتراكى التعاونى؛ الذى نسعى إلى إقامته.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

لتبق أعلام الحرية دائماً عالية فى هذه الجمهورية العربية المتحدة تظلل الوطن الحر والمواطن الحر.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

http://nasser.bibalex.org/Speeches/browser.aspx?SID=959&lang=ar