كفيف يقدم برامج فى الإذاعة منذ 16 عاما إبراهيم سالم: الدمج سر نجاحى فى الحياة

فى عام 1995 تعجب أعضاء لجنة اختبارات الإذاعة المصرية حينما علموا بظروف إعاقته البصرية، وقالوا له: كيف تستطيع تقديم برامج على الهواء وتذيع الأخبار؟

فبادرهم قائلا: لقد منحنى الله ـ عز وجل ملكة وقدرة على الحفظ السريع والارتجال ومواجهة الأحداث بالتصرف المناسب .. ومنذ هذا التاريخ وهو يقدم برامج مختلفة فى الإذاعة المصرية، وساعده تخصصه فى اللغة العربية وحفظ القرآن على التميز .. أنه الدكتور إبراهيم سالم مقدم برنامج «حوار فى عز النهار» فكان معه هذا الحوار فى عز النهار أيضا.

يقول الدكتور إبراهيم: بدأت في أواخر المرحلة الابتدائية ـ أي في سن العاشرة من عمري ـ اشعر بتدهور في مستوى الأبصار, وكانت المفاجأة أن الأطباء قالوا إن هذا المرض وهو (التهاب الشبكية التلـوني) مرض وراثي وليس له علاج أو تدخل جراحي في أي مكان في العالم، وقد تقبلت الأسرة هذا الوضع الجديد بالتسليم لقضاء الله ـ عز وجل ـ والتفكير في أفضل السبل لتعليمي خاصة أنني كنت في مدرسة عادية، ومن ثم فقد استقر الرأي على استمراري في تلك المدرسة الابتدائية مع إطلاع إدارة المدرسة والمدرسين على الظروف المستجدة.

كانت مشاعري حينئذ بها الكثير من الخوف من عدم قدرتي على ممارسة الأنشطة المدرسية مثل بقية التلاميذ، والخوف من بطش الأساتذة الذين لم يستوعبوا جيدا حالتي المتفردة في هذه المدرسة، ولكن كانت المفاجأة حينما لاحظت على زملائي الأطفال انهم يتعاملون معي بشكل طبيعي فلم يشعروني في أي لحظة بأنني أقل منهم أو محتاج لمساعدتهم، ولم يسخروا منى يوما ما، وهذا ما دفعني إلى استكمال مرحلتي الإعدادية في مدرسة عادية أيضا.

وحيث إن المرحلة الإعدادية هي بداية مرحلة المراهقة فان إحساسي بالمشكلة تعاظم اكثر واكثر لأن زملائي في هذه السن يميلون إلي السخرية والتهكم، نظرا لطبيعة المرحلة السنيــة، ولكن إصراري على تواجدي في هذه المدرسة كان سببا في إقناع من حولي بشخصيتي المتزنة وعدم انزعاجي من ظروفي الخاصة.

وعلى الرغم من ظروف إعاقتي البصرية فقد حصلت على مجموع كبيــر في الثانوية العامة وكانت دراستي أدبية مما أهلني للالتحاق بكلية الآداب جامعة طنطا. حيث كانت الانطلاقة الكبرى داخل أروقة الجامعة فقد تخصصت في اللغة العربية بأحد أقسام الكلية وتفوقت في هذا القسم تفوقا كبيرا نظرا لأنني أحفظ القران الكريم وأحب اللغة العربية حبا جما. وهذا شجعني لمواصلة دراستي العليا في مرحلة الدكتوراة وحصلت عليها في ذات التخصص بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى. وقد جرت العادة أن الباحث الكفيف عندما يلقى مقدمة بحثه في مناقشة الرسالة العلنية إما يقرأها بطريقة برا يل وإما يستعين بأحد اصدقائه ليقرأها نيابة عنه ولكنني ألقيت هذه المقدمة شفهيا من خلال فهمي لموضوعي وحفظي للجزئيات الدقيقة من بحثي وباللغة العربية الفصحى. وبهذا فان الدمج في الأوساط التعليمية اصبح ضرورة لبناء شخصية سوية لذوى الإعاقة .

الدمج الاجتماعي

ويضيف: يظن بعض الناس أن الشخص المعاق تنتهي حياته عند حصوله على درجة علمية جامعية أو حصوله على وظيفة إدارية ولكن الأمر خلاف ذلك، فالمعاق وأخص بالذكر (الكفيف) لا ينظر لحياته على أنها حياة تختلف عن الآخرين، وإنما يثق في قدراته لدرجة ربما تفوق الأشخاص غير المعاقين، فهو يفكر في تكوين أسرة وفى الارتباط العاطفي وفى حياة سعيدة تملؤها البهجة والسرور، وعلى الرغم من ذلك فان المحكمة الاجتماعية التي نصبها المجتمع تجاه المكفوفين ألزمتهم أن يرتبطوا بفتيات من نفس الإعاقة، والعكس كذلك بالنسبة للفتيات.

وبالفعل فقد وفقني الله (عز وجل) للارتباط بزوجتي الحالية التي تتمتع برجاحة عقل هي وجميع أفراد أسرتها فقد وافقوا على شخصي فورا ولم يلتفوا إلى إعاقتي البصرية مع العلم أن زوجتي حاصلة على درجة الماجستير وتعمل بوظيفة مدرس مساعد بكلية التجارة. فأكون بذلك قد حققت معادلة صعبة يصعب على أقراني أن يحققوها.

ولأن نجاح أي إنسان يرجع في المقام الأول إلى جهد كبير من امرأة قد تكون أمه أو أخته أو زوجته، وسر نجاحي في الحياة يرجع إلى وقوفها بجانبي وتشجيعها لى واقتناعها التام أنني لست معاقا على الإطلاق. وهكذا أعيش حياتي الاجتماعية بشكل طبيعي سواء داخل بيتي مع زوجتي وأولادي أو خارج البيت من خلال مشاركتي في المناسبات الاجتماعية المختلفة وقيامي بكل الواجبات الاجتماعية كسائر الأشخاص العاديين.

الاحتكاك الوظيفي

ويكمل: حينما أعلنت الإذاعة المصرية عام 1995 عن شغل وظائف للمذيعين ومقدمي البرامج قمت على الفور بتقديم أوراقي في المسابقة المعلن عنها، وأثناء حضوري أمام لجنة الاختبار الأولى أو المبدئية تعجب أعضاء هذه اللجنة حينما علموا بظروف إعاقتي البصرية وقالوا لي كيف تستطيع تقديم برامج على الهواء وتذيع الأخبار، فقلت لهم لقد منحنى الله ـ عز وجل ملكة وقدرة على الحفظ السريع والارتجال ومواجهة الأحداث بالتصرف المناسب، وأشرت عليهم أن يجربوني في أي عمل إذاعي أقوم به أمامهم، وكانت النتيجة انبهارهم بقدراتي الصوتية وملكاتي اللغوية. وبدأوا في الاقتناع بشخصي وكفاءتي، وعلمت بعد ذلك بأنني مرشح للمقابلة الثانية مع لجنة اختبار أخرى.

ومع اللجنة الثانية اظهر أعضاؤها نفس الدهشة عندما علموا بظروف إعاقتي وأخذت زمام المبادرة وقلت لهم أنني قادرعلى تقديم أي عمل إذاعي يطلب منى الآن، وبحمد الله اجتزت هذه المقابلة الشخصية أيضا وتم تعييني بوزارة الأعلام كمقدم برامج بالإذاعة المصرية وبالتحديد في إذاعة وسط الدلتا، ولم احصل على هذه الفرصة بموجب قانون 5% الذي يتيح للمعاقين شغل بعض الوظائف بدون مقابلات أو اختبارات، ولكنى حصلت على هذه الوظيفة التي احبها من خلال كفاءتي وقدراتي الشخصية.

بدأت العمل في بداية عام 1997 في إذاعة وسط الدلتا وكنت حريصا على أن أثبت لمن حولي أنني أستطيع أن أقدم كافة الأشكال البرامجية، كان لابد أن أعطى للفئات الخاصة في المجتمع مساحة لا بأس بها من خلال إعدادي وتقديمي لبرنامج ( حوار في عز النهار) ، والذي يذاع يوم الأحد من كل أسبوع لمدة ساعة ونصف، الساعة الثانية عشرة ظهرا لكي يعبروا فيها عن مشكلاتهم وقضاياهم المختلفة ولكي تكون نافذة يطلون من خلالها بمواهبهم الفنية المتعددة.

لا لليأس

ويختتم الدكتور إبراهيم كلامه قائلا: لقد ألقت عملية دمجي في المجتمع بظلالها على شخصيتي بالرغم من الصعوبات التي ذكرتها آنفا ـ فقد جعلت منى إنسانا متفائلا طموحا لا أيأس أبدا مدافعا عن حقوق ذوى الإعاقة في كل محفل، وأشارك في العديد من المؤتمرات التي تتصدى لقضاياهم.

وقد كان لعملية الدمج اثر واضح في وصولي إلى مكانة اجتماعية تشعرني بالتقدير والاحترام وأرضى عن نفسي فيها، وتعطيني حافزا لمواصلة العمل والنجاح كما زادت عندي روح المبادرة والقيادة.

المصدر

http://www.ahram.org.eg/News/61480/94/366606/%D8%B5%D9%86%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%89/%D9%83%D9%81%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D9%82%D8%AF%D9%85-%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%AC-%D9%81%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B0%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D9%85%D9%86%D8%B0–%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%B3%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7.aspx