كريستي براون..«قدمي اليسرى» لكريستي براون … السلام الداخلي

تعد «قدمي اليسرى» من أشهر روايات الرسام والشاعر والروائي الإرلندي كريستي براون الذي ولد في دبلن عام 1932 وتوفي في 1981. وساهم الفيلم الذي اقتبس منها، وأخرجه
جيم شريدان عام 1989، وحمل العنوان ذاته، في انتشار هذا العمل على نطاق واسع، خصوصاً أن الممثل دانييل داي لويس جسد شخصية براون بأداء لافت نال عنه جائزة أوسكار
أفضل ممثل، في حين فازت الممثلة برندا فركر بأوسكار الممثلة المساعدة لأدائها دور والدة البطل.

«قدمي اليسرى»، التي ترجمت إلى العربية، أخيراً، بتوقيع خالد الغنامي، ومراجعة أحمد خريس، وصدرت، ضمن مشروع «كلمة»، عن هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، هي عبارة
عن سيرة ذاتية للكاتب والفنان كريستي براون نفسه. لكن هي ليست سيرة تقليدية كتلك السّير التي يكتبها المشاهير بذريعة تكريس مكانتهم لدى القارئ وتلميع صورتهم.
غالبية السير تكتب بانتقائية، وتُبعد كل ما يشوه صورة الكاتب، مع ميل إلى بعض النرجسية والإعلاء من شأن الأنا. أما في «قدمي اليسرى»، فلا مكان للغرور أو النرجسية.
هي سيرة «فريدة واستثنائية»، بكل ما في هاتين الصفتين من أبعاد ودلالات، ذلك انها احتفاء بـ «العجز والقصور»، بدلاً من التغني بالأمجاد والانجازات.

تعيدنا الرواية إلى اللحظة التي ولد فيها براون لعائلة من الطبقة الكادحة. كان والده يعمل بنّاءً، ولا شيء يميز منبتهم الاجتماعي البسيط. يقول براون في مستهل
الرواية: ولدت في مشفى روتوندا في الخامس من شهر يونيو (حزيران). ولد قبلي تسعة، وإثنا عشر بعدي، وبذلك أكون ممن توسطوا اثنين وعشرين مولوداً». وسط هذا الجيش
من الأبناء، وضمن بيئة متواضعة، يرى كريستي النور بجسد معاق؛ مشلول. هو نذير شؤم، إذاً، بعدما اكتشف الأطباء أنه يعاني نوعاً حاداً من الشلل الرعاشي. كانت المفاجأة
ثقيلة على عائلته، وبالأخصّ والدته التي يمكن أن نصفها بأنها البطلة الرئيسة في قصة نجاح كريستي.

ما الذي يرجى من طفل مقعد ضمن أسرة كادحة؛ فقيرة كثيرة الأطفال؟ الأصحاء من هؤلاء لا يلقون الاهتمام المطلوب، فما بالك بطفل مقعد لا يقوى على الحركة والكلام.
هنا تبدأ اسطورة الطفل كريستي، وتبدأ معها مرارة الصبر العنيد التي تحلّت بها والدته بكل شجاعة، وبلا استسلام. كان الأقارب يوصّونها بأن تضع كريستي في مركز
لرعاية المعاقين، وأن تتفرغ لأبنائها الآخرين، فلا أمل من جسد طري شبه ميت. لكن غريزة الأمومة كانت أقوى من تلك النداءات، يعززها البريق الصامت الذي يشع من
عيني طفلها العاجز ويحضّها على الاستمرار والمثابرة. كانت الأم تجلس ساعات طويلة مع طفلها الأخرس؛ الهش وهي حائرة بين مشاعر اليأس والأمل. تحاول أن تعلّمه الحروف
الأبجدية، وتستحثّه على الكلام، وتستمرّ في المحاولة، وتعثر دائماً على مبررات خفية كي لا تشعر بالإحباط أو الاخفاق. والواقع ان كريستي يقر بهذا المعروف، ويعتز
بتضحية والدته، وثناؤه على موقفها العظيم في هذه السيرة لا ينتهي.

إزاء هذا السكون الذي يغرق فيه الطفل، اكتشف أن قدمه اليسرى تتحرك. كان الجميع يعرف أن هذه القدم لم تكن ميتة كبقية جسده المرتعش أبداً، بل كانت تنبض بالحياة.
لكن ما فائدة ذلك؟ وكيف سيخطر على بال أحد أن هذه القدم يمكن أن تحقق المعجزات؟ بالنسبة الى كريستي، كان هذا الاكتشاف مدخلاً إلى عالم الأمل والشعور بالقيمة
والجدوى، ومفتاحاً إلى الشهرة، وستكون المفاجأة حين يتمكن بقطعة طبشور محشورة بين أصابع قدمه، وبعد جهود مضنية، من كتابة الحرف الأول في الابجدية. لقد خطّ أول
حرف في سفر الحياة. إنها بداية متعثرة وبسيطة أقرب الى النحت في الصخر. لكنها حملت بشرى كبيرة لذهن متقد ومسجون في جسد معطل. بيد أن إيمانه بقدرات الانسان كان
أقوى من الاستسلام، فلا يمل من المحاولة، إلى أن نال شهرة في مجال الرسم، وكذلك أصدر كتباً، أشهرها هذه الرواية، كما كتب الشعر، وهو ما دفع بعض النقاد إلى وضعه
في مرتبة مجاورة لمرتبة مفخرة ارلندا الروائي جيمس جويس.

تعلق الفتى بالرسم على نحو جنوني، وأصبح الرسم، كما يقول، «الولع الأعظم له والمحور لحركاته وسكناته، فعاش في فلك ألوانه ولوحاته». حين شعر أن القوارب والبحار
والجبال والأشجار… التي كان يرسمها لم تعد تلبي طموحه، بحث عن وسيلة أخرى لمخاطبة الآخر، فوجد في الكتابة ملاذاً جديداً. تعلم فنون الكتابة على يد شخص يدعى
روبيرت كوليس، وراح يكوّن، تدريجاً، فكرة واضحة عن «عالم الأدب الشاسع، بصوره ومعاييره ومبادئه وتقاليده ورقته وأصالته، وفوق كل شيء سكونه وجماله وإبهاره»،
كما يشرح هو نفسه: «لقد رأيت في الأدب معبداً للأفكار الانسانية والخيال الانساني، معبداً بنته العقول من شتى الأنواع، تتفاوت بين المتواضع والعظيم، ومن مجرد
المدون والمؤرخ إلى المفكر العميق، ومن أولئك البشر الذين كتبوا بعقولهم فقط، إلى اولئك الذين كتبوا بقلوبهم وأرواحهم كذلك».

أفــــكار وآراء وتـــأملات كثـــيرة مماثلة يسردها كريستي عن الأقرباء والأصدقاء؛ عن الأدب والفن؛ عن معنى الحياة وقلق الوجود، وقبل كل ذلك عن طبيعة عجزه وسكونه
وسط عالم متحرك صاخب. وعلينا أن نشير إلى أن هذه الرواية طبعت ونشرت، للمرة الأولى، عندما كان كريستي في الرابعة والعشرين من عمره. لكنه كان قد كتبها قبل ذلك
التاريخ بسنوات، مما يدل على عبقرية مبكرة. وهي عمله الأول الذي يتحدث فيه بتفاصيل دقيقة عن تجربته القاسية مع المرض. ويشرح على نحو يمزج بين الجانب الفلسفي
والوجداني كيف انه استيقظ على الحياة ليجد أنه يقبع في جسد ميت، أو شبه ميت. يذهب عميقاً في توضيح مشاعره وأحاسيسه وخجله من الناس، وكيف تعمق لديه الشعور باليأس
وسط أطفال يقفزون هنا وهناك، بينما هو مقعد في عربته التي سمّاها «هنري»، وخصص لها فصلاً في الرواية.

وفي موازاة أسلوبه الكتابي المرن، ولغته السهلة البسيطة، فإن ما يلفت الانتباه في هذا العمل هو مهارة كريستي في وصف ميوله واحتياجاته ورغباته بدقة. نحن هنا
لا نتحدث عن شخص سليم الجسد، بل عن شخص معاق يعي بؤسه ومعاناته، وكثيراً ما كان الفتى يتساءل بمرارة: لماذا أملك احتياجات وأحاسيس الناس الطبيعيين في الوقت
الذي أملك فيه جسداً عاطلاً من الناحية العملية؟ يكاد العمل برمّته ينهض على العثور عن جواب لهذا السؤال الحائر، لكن غياب الجواب الشافي لا يمنعه من الحفر عميقاً
في متاهات الروح. وينبغي ألا يفهم من هذا الكلام ان السرد، هنا، غارق في السوداوية والقتامة، بل على العكس، ثمة مساحة واسعة للسخرية والتهكم والدعابة التي تتخلل
النبرة المأسوية، وثمة بوح صادق وجريء يظهر مقدار عجزه وفي الوقت نفسه يوضح مدى وعي الكاتب بحقيقة ظرفه الصحي، وبمن حوله. يقول في لحظة اعتراف موجعة: «لقد قالت
لي المرايا الشيء الكثير، وأرتني، ما الذي شاهده الناس في كل مرة نظروا فيها إليَّ. قالت لي إن فمي، كلما فتحته كان ينزلق إلى الجانب، وكيف كان يجعلني أبدو
قبيحاً أحمق. قالت لي إنني كلما حاولت أن أتحدث، كنت أبربر فقط بكلام غير مفهوم، وكان لعابي يسيل إلى الخارج في حين يستمر رأسي في الاهتزاز والارتعاش. قالت
لي إنني، كلما حاولت أن ابتسم، كنت ألوي فقط قسمات وجهي وأجعد عيني، فيتحول وجهي إلى شيء يشبه قناعاً بغيضاً».

وعلى رغم الاهتمام الذي حظي به، لاحقاً، من والدته وأقربائه والمحيطين به. لكنه لم يكن غافلاً عما تخفيه القلوب والنظرات الحانية تلك: «كم هي مرّة وصادمة نظرة
الشفقة، وما يمكن أن تمثله لشخص مثلي يحتاج شيئاً آخر غير العطف والشفقة، كالحاجة إلى القوة المنبعثة من حب إنساني أصيل يمنح لأضعف القلوب». على رغم هذه الأسئلة
والهواجس المؤلمة، كان على كريستي أن يتصالح مع ذاته، وأن يستسلم لحقيقة عجزه، وأن يجتهد لبلوغ الأماني التي تكبر في داخله، وهو يردد: الآن استطيع أن استرخي،
واستمتع بكل شيء. لقد وصلت إلى السلام الداخلي.

المصدر :

http://www.alhayat.com/Details/541161