بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل:قضايا أساسية للمناقشة

قضايا أساسية للمناقشة
بين كل شواغلنا هذه الأيام، هناك قضايا أساسية تستحق المناقشة، هنا، والآن قبل أن تصدمنا الشجرة فلا نرى الغابة وراءها، وقبل أن يلهينا الجزء عن الكل والمظهر عن الجوهر، وقبل أن تتشعب بنا التفاصيل إلى وديان التيه وإلى بحار الظلام، ثم يضيع منا جواب كل أدوات السؤال فى اللغة العربية، فلا نعود نعرف: من؟ وماذا؟ ولماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ وأين. إلى آخره!.
وعن بعض هذه القضايا الأساسية، التى تستحق المناقشة هنا، والآن – يجىء هذا الحديث على شكل حوار.
– أولاً:
– ما هو التصوير الحقيقي للصراع الذي يدور بيننا وبين العدو، والذي اصطلح على تسميته منذ يونيو سنة 1967، وحتى اليوم، بأزمة الشرق الأوسط؟.
والرد:
– إن أول ما ينبغي لنا أن نبعده عن كل تصور، هو الانزلاق إلى الإقليمية، أو إلى الوطنية الضيقة، فى تصوير هذا الصراع أو تصوره.
إن هذا الصراع قومي بالدرجة الأولى.
أعنى أنه صراع بين الأمة العربية بمجموعها وبكل ما لها وبين الصهيونية – وهى ادعاء قومي – بمجموعها وبكل ما لها.
بتعبير أكثر تحديداً، فإن تصوير هذا الصراع أو تصوره على أنه صراع إسرائيلي – فلسطيني، هو جهل، يصل بأصحابه إلى حد الجريمة، حتى بدون أن يتوافر التعمد والقصد.
إن مطامع إسرائيل ليست مقصورة على فلسطين.
وشعب فلسطين وحده ليس قادراً على تحدى إسرائيل.
والذين يتحدثون اليوم عن أن القضية فلسطينية، وأن الفلسطينيين وحدهم لهم حق الكلام فيها، لا يعرفون ماذا يفعلون؟.
ولو أصبحت الأزمة بالنسبة للشعب الأردني. أردنية وبالنسبة للشعب السوري. سورية، وبالنسبة للشعب المصري. مصرية، وهكذا، إذن لأعطينا العدو ما يطلبه. بل وأكثر مما يطلبه.
وكان هذا بالضبط محتوى مقترحات أمريكية سابقة، قدمها “دين راسك” وزير الخارجية الأمريكية، فى عهد الرئيس الأمريكي السابق ليندون جونسون ورفضتها مصر.
وأسهل الأشياء بالنسبة لمصر أن يقال لها من جانب كل الأطراف العربية:
– “إن القضية فلسطينية، فكفوا عن الحديث فيها واقصروا اهتمامكم على ما يخص مصر!”.
إن احتلال إسرائيل لسيناء المصرية ليس مشكلة، أو هو مشكلة تستطيع مصر أن تفرغ منها فى أيام، أو فى أسابيع على أكثر تقدير، ولو أن مصر أعلنت أنه لا يعنيها من الصراع إلا ما يمس حدودها الدولية، إذن لسارعت إسرائيل – بغير حاجةٍ لقرارٍ من مجلس الأمن، وبغير حاجةٍ لجهود يارنج – إلى الانسحاب من سيناء، واعتبرت ذلك يوم فرح عظيم بالنسبة لها، تقام له الاحتفالات ويجرى فيه الرقص فى شوارع تل أبيب إلى الفجر.
وفى هذا الأسبوع التقى الرئيس جمال عبدالناصر بوفد سوداني، يضم الرائد مأمون أبوزيد عضو مجلس الثورة السوداني، والسيد فاروق أبوعيسى وزير العمل فى السودان، وكان الاثنان عائدين لتوهما من رحلة إلى عمان.
وكان مأمون أبوزيد وفاروق أبوعيسى يتحدثان عن بعض مظاهر التشنج التى تنادى بأن أحداً لا يملك حق الحديث عن فلسطين، إلا منظمات المقاومة الفلسطينية، وقال الرئيس جمال عبدالناصر:
– ما أسهل هذا الكلام، ولكن ما أبعده عن الحق والحقيقة.
ولو كنت أعتقد أن القضية إقليمية، لأنهيت المشكلة فوراً فيما يتعلق بسيناء، ولجلست من بعيد، مثلى مثل غيري، أتمتع بإطلاق الشعارات وترديدها، ولاكتفيت بعد ذلك بخمسة ملايين جنيه أو عشرة ملايين جنيه أعطيتها كل سنة لمن يريد من المقاومة، ولهم أن يتصرفوا كما يشاءون.
لكنى لا أنظر للمشكلة على هذا النحو، وهى فى صميمها ليست على هذا النحو.
إنني منذ يونيو سنة 1967 لا أشغل نفسي بسيناء وحدها.
إن سيناء ليست فى خطر. إن سيناء ليست معرضة للتهويد.
وشاغلي الأول منذ سنة 1967، هو غزة، وأنا أعرف أن العدو يريد إفراغها من سكانها العرب وتهويدها، وهو القدس، والعدو يريد تهويدها، وهو بيت لحم والخليل والجولان وغيرها، وأنا أعرف مطامع العدو فى تهويدها هى الأخرى.
ولقد كان ألمي ليالي بطولها وحتى الآن، هو العذاب الذي يتعرض له مئات الألوف من الرجال والنساء والأطفال فى هذه البقاع العربية، التى أعرف مطامع العدو فيها، ومخططاته لمستقبلها.
ولقد قبلت قرار مجلس الأمن سنة 1967، وبين أول دوافعي لذلك، أنه عن ذلك السبيل قد يتحقق انسحاب إسرائيلي سريع، قبل أن ينجح العدو فى تنفيذ ما يريده.
ومنذ سنة 1967، وحتى الآن، وعملنا السياسي والعسكري له هدف واحد، هو الضغط على العدو بكل الوسائل، قبل أن يتمكن من تغيير طبيعة غزة وبيت لحم والخليل والجولان وغيرها، مما يريد ضمه نهائياً إليه.
لم أكن أريد أن أعطيه الفرصة. والفرصة هنا هى الوقت.
كان ذلك هو هدفي العاجل.
وكان على أن أحرك كل شيء، وأن أتحرك فى أي اتجاه، لكي أصل إليه.
وحين قبلت قرار مجلس الأمن سنة 1967، فقد كان ذلك هدفي، ولما جاءني بعض الأصدقاء من القيادة السورية وقالوا لي:
“كيف تقبل هذا القرار، بينما هو قد يؤثر على شعبيتك؟”.
قلت لهم:
“لا أستطيع أن آخذ الأمور بهذا الشكل”.
وإذا كانت المسألة هى الشعبية، فما أرخص هذه الشعبية التى تشترى بالكلمات السلبية، ثم يدفع ثمنها غيري، من الذين يعيشون حياتهم الآن تحت رحمة العدو.
إن المسألة هدف، وعمل شاق، خطوة بخطوة، للتقدم نحو هذا الهدف.
وحين قبلت المقترحات الأمريكية الأخيرة، وهى لا تمثل إلا دعوة إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن، الذي تريد إسرائيل أن تنساه، وحاولت أمريكا أن تتناساه، فقد كنت أعرف مقدماً أن بعض العناصر فى العالم العربي سوف تملأ حناجرها – على الآخر – بالصياح، والصخب.
ولكنى كنت واثقاً من سلامة الخطوة التى قررنا اتخاذها، مهما كانت النتائج التى تسفر عنها.
إن الولايات المتحدة لم تتقدم بمقترحاتها من أجل العودة إلى قرار مجلس الأمن، إلا لأن هناك حقائق كبرى أرغمتها على ذلك.
– دعم الاتحاد السوفيتي لنا بغير شروط وبغير حدود.
– ثم تزايد قوتنا القتالية نتيجة لذلك.
ولست أستبعد أن الذين قدموا إلينا مقترحاتهم، كانوا يتوقعون رفضنا لها، لمجرد أنها آتية من ناحيتهم، وكانوا ينتظرون رفضنا، ليكون عذراً ومبرراً لهم، يقدمون بعده صفقة الفانتوم والسكاى هوك الجديدة لإسرائيل.
ولكننا قدرنا موقفنا وقبلنا.
بل لقد كان بعض أصدقائنا فى دهشة من قبولنا.
وعندما ذهبت إلى موسكو، وأثناء المحادثات مع قادة الاتحاد السوفيتي، قلت:
“إننا نتجه إلى قبول المقترحات الأمريكية، لأن هذه المقترحات لا تضيف جديداً إلى الموقف، غير عودة الولايات المتحدة إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن، ونحن لا نريد أن نترك فرصة لتحقيق الانسحاب عن الأرض المحتلة إلا وعملنا من أجلها. ذلك ما نريده الآن، قبل أن تستطيع إسرائيل تغيير الطبيعة على الأرض المحتلة”.
إن أمريكا تحركت تحت ضغط.
ونحن نريد أن نمسكها فى هذا الموقف، ولا نريدها أن تفلت منه.
إن إسرائيل سوف تقاوم الانسحاب من الأراضي المحتلة بكل ما فى وسعها. وأمريكا وحدها تستطيع أن تضغط عليها فى هذا الاتجاه.
إن إسرائيل سوف تضطر – فى رأينا – إلى قبول المقترحات الأمريكية، ولكن القبول سوف يمزق التحالف الحاكم فى إسرائيل.
وقال لى بريجنيف:
– إننا نتفق معكم فى تحليل المقدمات والنتائج ولكن سؤالنا هو:
“هل يمكن لكم – بالمزاج السائد الآن فى العالم العربي – أن تقبلوا مقترحات مصدرها واشنطن؟”.
قلت له:
“إننا سوف نقبلها، لأن مصدرها واشنطن، فذلك هو ما يعطيها قوة الضغط تجاه إسرائيل، وأما عن المزاج السائد فى العالم العربي، فإن أمتنا واعية، وهى تعرف هدفها، وقد يصرخ البعض هنا، أو يصرخ البعض هناك، ولكن ذلك كله سوف نواجهه، من منطق أن لا يصح إلا الصحيح”.
واستطرد الرئيس جمال عبدالناصر يقول لعضوي الوفد السوداني، كما سمعت منهما فيما بعد:
– “لقد قبلت، لأتمكن من تثبيت الضغط العسكري والدولي، الذي استطعنا توجيهه ضد العدو، وقبلت عارفاً مقدماً أن فرصة وصول المقترحات الأمريكية إلى نتيجة محققة، هى فرصة ضئيلة”.
لقد سألني الأخ معمر القذافى:
– “ما هى فرصة النجاح أمام المقترحات الأمريكية؟”.
قلت له:
“نصف فى المائة، ولكن حتى هذا النصف فى المائة، لا أملك بالمسئولية القومية أن أتغاضى عنه”.
– ثانياً:
– إذا كانت القضية قومية، فهل من حق مصر أن تتصرف وحدها؟.
والرد:
– إن مصر لم تتصرف وحدها إن مصر تركت الآخرين يفهمون موقفها، ولكنها – للأمانة وللإنصاف – لم تطلب التصويت على تحركها برفع الأيدي، ولو أنها فعلت ذلك، لما استطاعت أن تتحرك، ولتحول موقفها – كموقف غيرها – إلى تمثال من الجبس، جرى صبه وتجمد عند لحظة معينة، ولكنه غير قابل للجس، أو للنبض، وإذا فرضت عليه الحركة فرضاً، فإنه ينكسر!.
ولقد كان على مصر أن تتحمل مسئوليتها، وأن تتحرك.
لقد تركت الآخرين يفهمون موقفها قبل أن تتحرك.
وتحركت.
ثم عادت بالشرح والتفسير، لم تترك شاردة أو واردة إلا ووفتها حقها من الإيضاح والتفصيل.
وكان على كل طرف بعد ذلك أن يقدر الأمور بنفسه ولنفسه، وأن يختار أين يقف؟.
ولم يكن فى مقدور مصر أن تفعل غير ذلك، بسبب الظروف الموضوعية التى تحيط بموقف بعض الأطراف العربية:
– بينهم من لا يتكلم إطلاقاً، لأنه لا يريد لأي كلمة أن تفقده شيئاً من شعبيته، على فرض أن له منها رصيداً.
– وبينهم من يتكلم، ولا يكف عن الكلام، لأن الكلام – بصرف النظر عن القدرة – قد يكون سبيلاً لتحقيق رصيد من الشعبية.
– وبينهم من يريد الابتعاد. لا يريد أن يواجه موقف الصمت أو موقف الكلام!.
ولم تكن مصر بمسئوليتها – أو بدورها – مستعدة لمثل ذلك، وهكذا تحركت، بمسئوليتها القومية، وبدورها القومي.
ولقد تختلف التقديرات من اليمين إلى اليسار فى العالم العربي فى كل شيء، إلا فى مسئولية مصر ودورها القومي.
ومنذ سنوات قليلة، كان الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية يتحدث إلى السفير المصري فى جدة، وتطرق الحديث إلى مسئولية مصر، ودورها، وأسهب الملك فيصل فى الحديث عن هذا الدور، وكيف أن مصر بقوتها وإمكانياتها وتقدمها الحضاري تقود العالم العربي، ثم قال الملك فيصل:
– ذلك أول درس تلقيته من والدي الملك عبدالعزيز.
واستطرد الملك فيصل يقول للسفير المصري:
– “ولكن اسمعوا. إن مصر والقومية العربية كالرجل وظله. إذا سار الرجل وجد ظله وراءه، لكنه إذا توقف وحاول الإمساك بظله فإنه لن يجد شيئاً فى يده!”.
وقبل أيام قليلة، وحين كان الوفد السوداني يزور عمان، ويلتقي فيها ببعض المتشنجين، وجد الوفد السوداني نفسه مضطراً إلى أن يقول:
“إن مصر تقود الثورة السياسية والاجتماعية فى العالم العربي. وهى التى تستطيع أن تقاتل، بل هى وحدها التى تقاتل فعلاً”.
“إن الذين تقع عليهم مسئولية العمل العسكري، لابد أن يكون لهم حق العمل السياسي، وأي تجريح فى موقف مصر لن يضرها، وإنما سوف يعود بالضرر كله عليكم، لأن ابتعاد مصر عنكم سوف يترككم فى فراغ مخيف!”.
إن موقف مصر ودورها – وبعيداً عن تقديرات اليمين واليسار فى العالم العربي – يجد لنفسه أحياناً تعبيرات أخرى.
تعبيرات ساذجة، وأكاد أقول بلهاء، لولا الحياء؟.
ومنذ شهور، كان هناك وفد رسمي من بلد عربي، حصل على استقلاله أخيراً، يزور الاتحاد السوفيتي.
وكانت المفاوضات بين هذا البلد العربي، وبين الاتحاد السوفيتي – كما هى العادة سياسية واقتصادية وعسكرية.
ووضع مشروع للبيان المشترك الذي يصدر بعد انتهاء المفاوضات، ولاحظ وفد البلد العربي، الذي حصل على استقلاله أخيراً، أن الجانب السوفيتي وضع فى مشروعه للبيان المشترك إشارة إلى قرار مجلس الأمن الصادر بتاريخ 22 نوفمبر سنة 1967.
وإذا برئيس وفد هذا البلد العربي يقول:
“إننا لا نستطيع أن نضع توقيعنا على أي بيان يشير إلى قرار مجلس الأمن”.
وسأله الجانب السوفيتي:
“لماذا؟”.
قال رئيس ذلك الوفد:
“لأننا مصممون على الحرب. ولابد من التحرير. من النهر إلى البحر”.
ودهش الجانب السوفيتي، وتساءل بأدب:
“ولكنكم كنتم هنا، وأقصى ما تريدونه عشر طائرات وخمسون دبابة، فهل أنتم قادرون على الحرب؟”.
وأجاب رئيس وفد هذا البلد بدهشة:
“من قال إننا نحن الذين سنحارب. لسنا نحن ولكنها مصر!”.
– ثالثاً:
– هل تستطيع المقاومة الفلسطينية أن تقود حرب تحرير شعبية، تنتهي بالتحرير الكامل من النهر إلى البحر؟.
والرد:
– إن المقاومة الفلسطينية لا تستطيع ذلك بالقطع، وإذا كان هناك أمل فى التحرير فإن هذا الأمل مرهون بالعاملين السابقين وهما:
– تأكيد وتحقيق أن الصراع عربي – إسرائيلي، وليس فلسطينياً – إسرائيلياً.
– تمكين مصر من دورها ومسئوليتها فى قيادة عمل قومي تتحقق له الظروف الموضوعية الملائمة.
أما المقاومة الفلسطينية وحدها، فإنها لا تستطيع تحقيق هذا الهدف وذلك لأسباب لا ذنب للمقاومة فيها، مهما كان استعداد أفرادها للاستشهاد والفداء:
– وأن يطلب أحد من المقاومة تحقيق هدف التحرير فذلك ظلم لها لا يحق لأى أحد تحميلها به، لأنه فوق طاقتها.
– وأن تتصور المقاومة لنفسها ذلك الهدف، فإنها تظلم نفسها ظلماً فادحاً، ومن أخطر الأشياء على المقاومة الفلسطينية الآن، أن تجلس بعض عناصرها على كومة من أوراق ما نشرته عنها الصحف فى الغرب، وتظن أنها جالسة على قمة جبل، تستطيع منه أن ترى وأن توجه مجرى الحوادث فى العالم العربى.
إن التفكير فى فلسطين، بمنطق “فيتنام”، قياس خاطئ يجب عدم الوقوف فيه، لأن الظروف أشد ما تكون اختلافاً بين الساحتين.
إن المقاومة الفلسطينية قامت وتقوم بدور عظيم، وهذا الدور له جانبان:
– عملى: وأقصى ما تستطيع المقاومة الفلسطينية تحقيقه فيه هو دور الإزعاج للعدو.
– ومعنوي: وأبسط ما حققته المقاومة فيه هو بعث الشخصية الفلسطينية، وتحويل صورة الفلسطيني فى ذهن العالم من لاجئ إلى مقاتل.
وذلك شيء هائل. ولكنه يجب أن يوضع فى حدوده الحقيقية، وإلا عدنا مرة أخرى إلى الخلط بين الحقائق والأحلام.
إن فيتنام مختلفة عن فلسطين. وحتى الجزائر كانت مختلفة عن فلسطين، وإذا كانت حرب التحرير الشعبية ممكنة هناك. فإنها مستحيلة هنا، وليس ذلك رأياً أقوله اليوم، ولكنى قلته منذ أول يوم بدأ فيه نشاط المقاومة، يلفت الانتباه فى العالم العربي.
ولقد شرحت رأيي ذات مرة فى هذا الموضوع، قياساً على الجزائر، فى مقال نشرته بتاريخ 19 يناير سنة 1968.
وذلك بالحرف فى ذلك المقال ما يلى:
“إن قياس المقاومة الفلسطينية بحرب التحرير الجزائرية، لا يستقيم للأسباب التى تكشفها الموازين الطبيعية والواقعية التالية:
– كانت نسبة الجزائريين للفرنسيين 1- 8، بينما نسبة الإسرائيليين للعرب فى فلسطين 1- 2.
– كانت نسبة الجنود الفرنسيين للجزائريين المدنيين 16- 1، بينما نسبة الجنود الإسرائيليين للعرب المدنيين 4- 1.
– مساحة الجزائر مليون كيلو متر مربع، بينما مساحة فلسطين 16 ألف كيلو متر مربع.
– فى الجزائر مخابئ، وملاجئ داخلية – غابات، ومناطق جبلية يصعب دخولها – بينما لا يوجد متر مربع من الأرض الفلسطينية لا يمكن الوصول إليه براً فى ثلاثين دقيقة.
– نوعية الكثافة الفرنسية فى الريف الجزائري كانت تختلف عن نوعية الكثافة الإسرائيلية فى ريف فلسطين، فلقد كانت الأولى مزارع يملكها أفراد، بينما الثانية مستعمرات مسلحة.
– رغماً عن وحشية تصرفات فرنسا فى الحرب الجزائرية، فإن الإستراتيجية الفرنسية لم يخطر ببالها يوماً إجلاء الشعب الجزائري، بينما الإجلاء هو إستراتيجية إسرائيل.
– وأخيراً كانت للمناضلين الجزائريين قواعد خارجية، لم تستطع فرنسا، أو لم ترغب فى ضربها، وهذا عكس موقف إسرائيل تماماً، من قواعد العمل الفدائي خارج فلسطين.
معنى ذلك كله، وهو صحيح أن دور المقاومة الفلسطينية داخل الأرض المحتلة، مع أهميته الكبرى، لا يمكن أن يكون دوراً حاسماً.
ذلك قلته بالحرف فى 19 يناير سنة 1968، وكان الوقت بالنسبة للمقاومة ودورها مبكراً جداً.
ثم عدت مرة أخرى إلى هذا الموضوع، قياساً على فيتنام والجزائر، فى مقال آخر، نشر بتاريخ 16 أغسطس سنة 1968، وفى ذلك المقال، ذكرت بالحرف ما يلي:
وبالنسبة للأوضاع القائمة الآن فى العالم العربي، فإن المقاومة الفلسطينية محددة، باعتبارات يصعب تجاهلها:
1- إن التوازن البشرى بين قوات المقاومة، وبين عدوها فى الأرض المحتلة، ليس هو التوازن القائم الآن فى فيتنام، وليس هو التوازن الذي كان قائماً، فى الجزائر مثلاً.
فى فيتنام، شمالاً، وجنوباً، قرابة أربعين مليوناً من الفيتناميين، والعدو أمامهم نصف مليون جندي أمريكي.
فى الجزائر عشرة ملايين عربي، وكان العدو أمامهم أربعمائة ألف جندي فرنسي.
وفى فلسطين، داخل الأرض المحتلة، فإن العرب أقل من مليون، والعدو أكثر من مليونين لديه منهم ربع مليون تحت السلاح.
2- إن طبيعة الأرض الفلسطينية ليست هى طبيعة الأرض الفيتنامية، بغاباتها الكثيفة، وليست هى طبيعة الأرض الجزائرية، بجبالها الوعرة، وهناك كانت الغابات والجبال مخابئ طبيعية للمقاومة وفى فلسطين، فإن السهول مكشوفة، والتلال ليست متسعة، خصوصاً رقعة الأرض الفلسطينية المحصورة والضيقة، ومع استخدام الهليوكوبتر والتوسع فى استخدامها.
3- إن من حول فيتنام ملاجئ لا يستطيع عدوها أن يصل إليها، كالصين مثلاً، وكفيتنام الشمالية، وكان الحال قريباً من ذلك فى الجزائر مع وجود تونس والمغرب من حولها، وليبيا ومصر بالقرب منها، ولكن المقاومة الفلسطينية لا تملك مثل هذا الملجأ الآمن، الذي تستطيع أن تستعد منه، ولا يستطيع عدوها أن يصل إليه، لأن العدو على استعداد لأن يصوب إلى أي مكان فى العالم العربي، كما أن العالم العربي فى الوقت الراهن مضروب، لم يستعد قوته بعد.
ذلك فضلاً عن عوامل أخرى.
كانت تلك عودة أخرى ومبكرة أيضاً إلى موضوع المقاومة قبل أكثر من عامين من اليوم.
وصورة الطبيعة لم تتغير وبالتالي لم تتغير صورة الحقيقة ولا ينبغي لذلك أن يدفعنا إلى التقليل من أهمية المقاومة ودورها، ولكن كل قوة بحجمها، وكل طاقة بما تحتمل.
هذه بعض القضايا الأساسية حاولت أن أناقشها بأكبر قدر ممكن – إنسانياً – من التجرد والموضوعية. حتى لا تدفعنا الرياح إلى حيث تشاء، ولكن لكي نملك نحن أعنة الرياح!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=790

بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: عن الصداقة العربية – السوفيتية وأهميتها. وعن الظروف

عن الصداقة العربية – السوفيتية وأهميتها. وعن الظروف
ثم نصل أخيراً إلي الهدف الثالث الذي تقصد إليه الولايات المتحدة في دورها في أزمة الشرق الأوسط.
ولمجرد التذكرة، فلقد كان الهدف الأول هو: ضرب النظم الثورية العربية وفي الطليعة منها النظام الثوري المصري.
ثم كان الهدف الثاني هو: ضرب فكرة القومية العربية باعتبارها الخطر الأكبر ضد محاولات السيطرة الأمريكية علي المنطقة.
والهدف الثالث – وحديثنا اليوم عنه – هو: ضرب الصداقة العربية السوفيتية، وتعرية الاتحاد السوفيتي أمام أصدقائه العرب، والإساءة بالتالي إلي علاقات الثقة بين الطرفين.
وبهذا تكون السياسة الأمريكية قد أصابت ثلاثة عصافير بحجر إسرائيلي واحد كما قلت، وهذا ما يتحتم علي العمل العربي أن يحول دونه – مهما كانت التضحيات – ولكي يسقط الحجر الإسرائيلي في البحر لا يصيب به أصحابه شيئاً!
مرة أخري – وأظنها أخيرة – أقف بجملة اعتراضية سريعة قبل تناول موضوع الحديث الأصلي.
أريد أن أقول إن بعض العناصر المنتمية إلي الاتحاد الاشتراكي وبعض النشرات التي تصدر باسمه – تناقش ما أكتب هذه الأيام وتعارضه وتهاجمه أحياناً وتهاجمني معه – وذلك بأمانة وشرف مبعث سعادة غامرة بالنسبة لي ولعدة أسباب.
1- أن المناقشة هي الطريق الوحيد إلي اكتشاف الحقيقة. أو الاقتراب منها علي الأقل، ولقد دافعت كثيراً وطويلاً – وبكل الوسائل – عن حرية التفكير والتعبير لجميع الناس ولكل التيارات، بل لقد أستطيع القول بغير ادعاء أنني وقفت – قدر ما أستطيع – وراء حق التفكير والتعبير بالنسبة لعدد ليس بالقليل من الذين يهاجمون اليوم.
وأنا علي استعداد لاتخاذ نفس الموقف دفاعاً عن حق التفكير والتعبير لجميع الناس ولكل التيارات إذا عادت ظروف تستوجب ذلك وكان هذا الموقف في طاقتي، لأن الأمر أمر قناعة ومبدأ، فالحرية – حتى وإن أسيء استعمالها – قيمة لا تقبل الاحتكار أو التجزئة. تكون أو لا تكون!
وأنا واحد من الذين يؤمنون بأنني لا أستطيع أن أحقق حريتي إلا في حرية غيري.
فالحرية حوار أشبه ما يكون بالحركة الحية للشهيق والزفير. أحدهما وحده اختناق وكلاهما معاً حياة!
2- أن الهجوم حتى وإن تجنى، وادعي علي بما لم أقله – يؤدي لي خدمة لا أستطيع أن أفيها حقها شكراً وعرفاناً.
ولقد كان هناك وهم راج بغير أصل أو سند – وخيل للبعض معه أن هناك نوعاً ما من الحصانة أو مظنتها يحيط بي، وذلك وضع لم يكن لي أبداً، ولن يكون في يوم من الأيام من مطالبي.
ولقد حاولت مراراً أن أبدد هذا الوهم ويظهر أنني لم أنجح حتى جاءت الهجمات الأخيرة علي فحققت لي ما لم أستطع تحقيقه لنفسي!
3- أن الذين يتابعون ما أكتب – كرماً منهم وفضلاً – خلال عشر سنوات عملتها في “الأهرام” وقبلها خمس عشرة سنة عملتها في صحف أخري غيره – يعرفون أنني لا أرد علي ما قد يوجه إلى، وليس ذلك – يعلم الله – استكباراً أو تعالياً، وإنما هي طبيعة العمل الصحفي تشد دائماً إلي متابعة الحوادث ولا تترك لحظة من الوقت تضيع تلفتاً إلي الوراء.
إن الصحافة مهنة صناعتها الغد، فنحن نعمل اليوم في الجريدة التي يطالعها القارئ في اليوم التالى!
ولقد كتبت ما كتبت عن بعض أوجه القصور والتجاوز في تجربة الاتحاد الاشتراكي، ولم أكن أجهل أنني أمسّ بذلك أوضاعاً ومصالح لحسابات السلطة جري تدعيمها ومع ذلك فلقد كتبت ما كتبت عن اعتقاد – كما قلت في الأسبوع الماضي – “بأنه من المحتم علي كل منا الآن أن ينهض واقفاً وأن يرد علي نداء الحوادث بصوت مسموع تماماً لا هو غمغمة ولا هو التواء”.
ومع ذلك فمازلت عزوفاً عن الرد، وحتى إذا ما قررت الرد يوماً – وما أظنني سوف أفعل ذلك بسهولة – فلست أتصور أن أحداً يتوقع مني غير أن أرد علي الأصوات وليس علي الأصداء. وعلي الرؤوس وليس علي الذيول.
ثم أضع نقطة أختم بها هذه الجملة الاعتراضية متوجهاً إلي موضوع الحديث الأصلي.
وفي الحديث عن القصد الأمريكي للإساءة إلي الصداقة العربية – السوفيتية فإن هناك ملاحظتين لابد من وضعهما في التمهيد والمقدمة.
الملاحظة الأولى: أنه من أبرز التطورات الإيجابية في السنوات الأخيرة علي مسرح السياسة العربية، أن اليسار الماركسي العربي – أحزاباً أو أفراداً – يقوم بدوره في الجبهة القومية المعادية للاستعمار وهذه تجربة منطقية تهيئ الفرصة لديمقراطية لا تخاف. تعطي لكل الآراء مجالها من فوق الأرض لا من تحتها، ومن عوالم النور المضيء وليس من عوالم الظلال الداكنة، وهي تجربة هامة بالتأكيد.
وإن كانت هناك ثلاثة اعتبارات لابد أن يأخذها اليسار الماركسي العربي في حسابه.
1- أن القومية العربية هي القوة المحركة العظمي للحوادث علي الأرض العربية، وربما في كل أرض. وإلي زمان أبعد من حدود رؤيتنا الآن.
2- أن الكثير من المسلمات التقليدية في الماركسية قد فقدت صلاحيتها في هذا الثلث الأخير من القرن العشرين لأن ثورة التكنولوجيا وأثرها علي أدوات الإنتاج ووسائل المواصلات أحدثت تغييرات هائلة – إلي جانب عوامل أخري عديدة.
علي أن ذلك – ومهما يكن من أمره – لا يسلب اليسار الماركسي العربي حقه في دوره، سواء قَبِل بالتغييرات الواقعة أو رفضها تمسكاً بالقوالب التقليدية شريطة أن لا يدعي لنفسه ما هو أكبر من حجمه الطبيعي الذي يصنعه تأثيره علي الجماهير العربية وليس أي اعتبار غيره، هذا مع العلم بأن الماركسية لا تمثل – علي وجه اليقين – موجة المستقبل علي الأرض العربية لعدة أسباب شرحتها مطولاً من قبل.
3- أن العالم العربي، لا يتعامل مع الاتحاد السوفيتي من خلال المسار الماركسي العربي، بل إن هذا التعامل بدأ واتسع وازدهر فيما كانت قوي اليسار الماركسي طريدة أو مقيدة بسبب عجزها عن فهم دور العامل الوطني والقومي والديني وأثرها جميعاً في حياة الجماهير العربية ونضالها لتطوير هذه الحياة.
هذه ملاحظة.
والملاحظة الثانية: وهي ضرورية في التمهيد والمقدمة – أن الاتحاد السوفيتي صديق عزيز للأمة العربية كلها، بل إنه بين أقرب الأصدقاء، ثم هو بالقطع أقواهم جميعاً.
لكنه من الخطأ المشين أن نعتقد كل ما يصدر في الاتحاد السوفيتي تنزيلاً لا يقبل الجدل، فهذه هرطقة تؤدي بأصحابها في النار!
وأية محاولة من هذا النوع لا تسيء إلينا فقط وإنما تسيء إلي الاتحاد السوفيتي نفسه لأنها تنقل العلاقة علي الفور بيننا وبينه من موقف الصداقة إلي موقف التبعية، وذلك لا نرضاه لأنفسنا ولا يرضاه لنا أي صديق.
وأنتقل الآن إلي موضوع الحديث الأصلي ذاته.
ولابد أن نعي ونقدر حقيقتين يقوم عليهما بناء العلاقات العربية السوفيتية كله، وأي خطأ في الوعي أو التقدير تجاه هاتين الحقيقتين أو إحداهما، خليق في النهاية أن يحدث مضاعفات خطيرة خصوصاً في هذه الظروف.
– الحقيقة الأولي – أن الصداقة العربية – السوفيتية وإزالة العوائق المصنوعة التي كانت تعترض سبيلها تعتبر من أهم المنجزات التي حققتها حركة الثورة العربية المعاصرة.
– هذه الصداقة خلقت صلة نضالية بين الثورة العربية وبين تيار الثورة العالمي المعادي للاستعمار، وكان ذلك طبيعياً وضرورياً.
– هذه الصداقة حققت للأمة العربية دعماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً له أهميته العظمى.
– ثم إن هذه الصداقة مكنت للأمة العربية من أن تتحرك في نضالها بفاعلية أكثر في المجال الدولي، وخلقت لها من المكانة أمام مشاكل السلام والحرب والتنمية، ما يتعدي قدراتها في ظروفها الراهنة، وكان ذلك في الواقع كشفاً لقدراتها الكامنة التي لابد لها أن تبدأ في استعمالها.
– الحقيقة الثانية – أنه في الصداقة العربية – السوفيتية كما في أية صداقة أخرى، سواء في علاقات الأمم أو علاقات الأفراد – لا يستطيع صديق أن يطلب من صديق بأكثر مما يطيق أو بأوسع مما تسمح له به الظروف المحيطة المؤثرة عليه. وإلا تحولت العملية إلي نوع من الاستغلال.
ولابد أن ندرك، ونحن نتحدث عن الصداقة العربية السوفيتية، أن هناك حدوداً لما يستطيع الاتحاد السوفيتي أن يعطيه.
– إن الاتحاد السوفيتي دولة لها اهتمامات عالمية، ولعلها هي والولايات المتحدة الأمريكية – القوتان الوحيدتان اللتان تملكان مقومات هذا الاهتمام العالمي وتقدران عليه.
– إن الاتحاد السوفيتي بهذا الوضع له خططه علي اتساع الكرة الأرضية كلها – وفي الفضاء الخارجي أيضاً – وذلك لا يجعل اهتمامه مقصوراً علي مطالبنا. ثم إن خططنا – من موقفنا المستقل – قد لا تتفق بالضرورة مع خططه ولو في بعض المجالات.
إن الاتحاد السوفيتي محكوم – شأنه شأن كل الذين يعيشون في هذا العالم المعاصر مهما اختلفت أحجامهم – بظروف لا يستطيع كسر نطاقها بغير عواقب يصعب حسابها ولو من وجهة نظره الخاصة.
وهذه النقطة الأخيرة بالذات تستحق أن نقف أمامها وقفة طويلة لأنها تكاد أن تكون صميم الموضوع.
ماذا أعني حين أقول إن الاتحاد السوفيتي محكوم – شأنه شأن كل الذين يعيشون في هذا العالم المعاصر مهما اختلفت أحجامهم – بظروف لا يستطيع كسر نطاقها بغير عواقب يصعب حسابها
ولو من وجهة نظره الخاصة؟
ما أعنيه هو أن هناك حقائق واقعة في هذه المرحلة التي نعيش فيها – ولا أستطيع أن أدعي مقدرة علي تصور ما قد يجيء بعدها – وأن هذه الحقائق – الواقعة – الراهنة – تحكم موقف الاتحاد السوفيتي.
نعد هذه الحقائق واحدة بعد واحدة – وكما نراها – لكي نكون واضحين:
1- الحقيقة الأولي أن الاتحاد السوفيتي لا يريد الدخول في تناطح رأساً برأس ضد الولايات المتحدة الأمريكية، لأن هذا التناطح قد يؤدي إلي مواجهة نووية بين الدولتين الأعظم في العالم اليوم وهذا ما لا يريده بالقطع أي طرف منهما:
– إن أسلحة الحرب النووية وصلت إلي هول لا يستطيع إلا قلائل أن يتصوروه، وبينما كانت القنبلة الذرية الأولي التي ألقتها الولايات المتحدة علي هيروشيما في طاقة 20 ألف طن، فإن لدي الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية قنابل الآن في طاقة المائة مليون طن.
وقنبلة العشرين ألف طن قتلت في هيروشيما مائتي ألف نسمة.
وقنبلة المائة مليون طن لم تستعمل حتى الآن – في غير تجارب الفضاء الخارجي – وليس هناك من يريد أو يفكر في احتمال استعمالها علي الأرض.
هذا بالنسبة للسلاح النووي نفسه.
– ووسائل نقل السلاح اقتربت بواسطة العلم الحديث إلي نفس حدود هذا الهول الذي تمثله طاقة الانفجار.
كان أقصي مدي للمدافع يقاس بعشرات الكيلو مترات.
وحين بدأت صواريخ هتلر الطائرة في نهاية الحرب العالمية الثانية كانت المعجزة فيها أن مداها يقاس بمئات قليلة من الأميال.
والآن فإن مركبات نقل طاقة الانفجار – وليست المدافع أو الصواريخ إلا مركبات لهذا الغرض – تستطيع الوصول بالصواريخ العابرة للقارات من أي مكان – إلي أي مكان – علي الأرض – ولقد ضاع عنصر المفاجأة الذي كان له بعض الأثر قبل سنوات. وأقصد بعنصر المفاجأة الميزة التي تتحقق لمن يبدأ بتوجيه الضربة النووية الأولي لخصمه.
إن الضربة الثانية أصبحت لها الآن نفس القدرة علي القتل ومعني ذلك أنه لن يكون هناك غالب أو مغلوب في الحرب النووية وإنما الدمار محقق بالنسبة للطرفين فيها.
والسبب في ضياع عنصر المفاجأة هو الغواصات المجهزة بالصواريخ العابرة للقارات والمتحركة في أعماق البحر والتي لا يمكن رصدها والتصويب إليها بدقة كما يمكن أن يحدث بالنسبة للقواعد الثابتة.
وهناك سبب جديد تتضح أهميته أكثر وأكثر وهو احتمال استعمال الأقمار الصناعية التي ترمح في الفضاء الخارجي كقواعد لإطلاق الصواريخ المحملة بالرؤوس النووية.
وتقدر الإحصائيات الرسمية التي لا ينازعها أحد في الولايات المتحدة الأمريكية أو في الاتحاد السوفيتي أن الطرف الذي يبدأ بتوجيه الضربة النووية الأولي سوف يستطيع أن يقتل لخصمه مائة وعشرين مليوناً من أهله في أقل من نصف ساعة ولكن هذا الطرف حتى وهو يموت – قادر بالغواصات المتحركة وبالأقمار الصناعية أن يوجه ضربة ثانية لخصمه تقتل له مائة وعشرين مليوناً من أهله أيضاً.
معني ذلك أن الحرب العالمية قد استحالت استحالة كاملة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين الاتحاد السوفيتي.
وتكفينا أزمة السويس وأزمة صواريخ كوبا دليلاً.
وفي سنة 1956 وجه الاتحاد السوفيتي إنذاراً إلي بريطانيا وفرنسا بوقف العدوان علي مصر ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية علي استعداد للمخاطرة بالحرب الذرية بسبب مغامرتهما في قناة السويس. وكان ذلك من أهم أسباب انهيار الغزو البريطاني الفرنسي.
وسنة 1962 اكتشفت الولايات المتحدة الأمريكية أن الاتحاد السوفيتي يقوم بوضع الصواريخ في جزيرة كوبا وأقام كيندي حصاره المشهور في البحر الكاريبي وتراجع الاتحاد السوفيتي وأعاد كل سفنه المحملة بالصواريخ من عرض البحر إلي موانيه. ثم قام بفك قواعد الصواريخ التي كان قد ركبها علي الجزيرة وفي حمي المواجهة ولهيبها، فإن حكومة كوبا لم تعرف بالتغيير الذي طرأ علي موقف الاتحاد السوفيتي إلا من وكالات الأنباء التي نقلت خطاباً من خروشوف إلي كيندي – أعلن مضمونه في نفس الوقت بمقر الأمم المتحدة.
ولقد كان من أثر ذلك مباشرة وفي أعقابه أن عقدت الولايات المتحدة الأمريكية مع الاتحاد السوفيتي اتفاقية حظر التجارب النووية التي كانت نقطة تحول هامة في الوضع العالمي كله.
أضيف تأكيداً لهذا الرأي لمحة من مشهد أخير لعلي لا أتجاوز بالإشارة إليه.
عندما ذهب الرئيس هوارى بومدين إلي موسكو في زيارته السريعة الأولي بعد عاصفة 5 يونيو مباشرة كان بين ما قاله لزعماء الاتحاد السوفيتي:
– إنني أريد أن أسأل أين هو الخط الفاصل الذي ينتهي عنده التعايش السلمي؟
إن الثورة الوطنية في العالم كله تواجه ضربات متلاحقة من الاستعمار الأمريكي الجديد وأصدقاؤكم يرون أن شعار التعايش السلمي أصبح قيداً علي حركتكم.
ونحن بصدق نريد أن نعرف:
– أين هو الخط الفاصل؟
وكان الرد الذي سمعه الرئيس بومدين هو:
– ما رأيكم في الحرب النووية؟
وقال بومدين بثوريته الأصيلة الدافقة:
– “إنني أتحدث عن الثورة الوطنية ولا أملك الحديث عن الحرب النووية!”.
كان بومدين علي حق فيما يقول.
ولم يكن قادة الاتحاد السوفيتي – علي خطأ فيما قالوا.
كان هو ممثلاً أصيلاً وأميناً لقوة الثورة الوطنية.
وكانوا هم يعبرون تعبيراً صحيحاً ودقيقاً عن حقائق الوضع العالمي.
ومن الظلم – كما تحاول بعض عناصر التشكيك – أن يقال بأن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية قد توصلا من خلال اجتماع كوسيجين وجونسون في جلاسبورو أخيراً – إلي اتفاق بينهما علي تقسيم العالم.
ذلك تجنٍّ علي الاتحاد السوفيتي فضلاً عن أنه جهل بروح العصر الذي اختلف كثيراً عن عصر “يالتا” حين جلس روزفلت وستالين سنة 1945 وقاما بتوزيع مناطق النفوذ علي خريطة الدنيا!.
ومع ذلك فمن الحق أن نقول في نفس الوقت – وهذا ما تشير إليه كل الدلائل وهو معقول بموازين العصر وحقائقه – إن القوتين الأعظم وصلتا في جلاسبورو إلي تفاهم بأن يحاولا بكل جهد منع أزمة الشرق الأوسط من أن تتحول إلي مواجهة مباشرة بينهما.
2- الحقيقة الثانية أن الولايات المتحدة كانت أسرع من الاتحاد السوفيتي في استغلال حقائق الوضع العالمي الجديدة وأولها استحالة الحرب النووية.
ومن الإنصاف أن نقول بأن ظروفها كانت تهيئ لها هذه الاستفادة قبل الاتحاد السوفيتي.
إن الأسلحة النووية، أو التهديد باستعمالها أو حتى التلويح بذلك إشارة ولو في كلمة واحدة كانت رادعاً لكل من القوتين الأكبر عن أية حركة بعد الخط المحدد بين الطرفين.
وكان ذلك في صالح الاتحاد السوفيتي أكثر مما هو في صالح الولايات المتحدة الأمريكية.
لماذا؟
لأن الصراع بين الدولتين الأعظم كان يدور في الواقع علي العالم النامي – آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
إن العالم المتقدم – أوروبا غرباً وشرقاً وأمريكا الشمالية، حدد مواقعه ولكن آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية كانت هي السؤال المطروح بقوة الثورة الوطنية، ويضاف إلي ذلك أن القارات الثلاث هي مطمح ومطمع الاستعمار الأوروبي والأمريكي القديم والجديد لأن هذه القارات هي موطن المواد الخام ومخبأ الثروات ومجال النهب المباح ولو اغتصاباً وإرهاباً.
وكان الرادع النووي، الذي قيد حركة القوتين الأعظم في تلك الفترة من الصراع العالمي – فرصة عظيمة للقوي الصغرى وبالذات للشعوب الراغبة في طرح نير الاستعمار عن كاهلها.
أصبحت قادرة علي المقاومة دون أن تخشي البطش خارج نطاق محدد وإلا تحرك ميزان الرعب النووي ليؤدي دوره.
وقلت إن ذلك كان لصالح الاتحاد السوفيتي أكثر مما كان لصالح الولايات المتحدة الأمريكية لأن مسار حركة التاريخ والتطور في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية كان علي خط الثورة الوطنية، وعلي الخط المعادي للاستعمار، وبالتالي، فإنه كان يلتقي مع الاتحاد السوفيتي – بدوره في حركة الثورة العالمية وبدوره علي الخط المعادي للاستعمار.
ولقد تنبه فلاسفة القوة الأمريكية إلي الأخطار التي تلحق بالولايات المتحدة من جراء التسليم بأن تكون الكلمة الأخيرة في أي موقف – حكماً لا يقبل النقض يمليه إملاءً ميزان الرعب النووي وسيطرته الحاسمة!
وكان تنبههم من بعد السويس مباشرة.
وهكذا خرج أحد كبار المفكرين السياسيين في الولايات المتحدة وهو “كيسنجر” سنة 1957 بكتابه الشهير عن “الإستراتيجية في العصر النووي” والذي طالب فيه بالعدول عن سياسة جون فوستر دالاس القائمة علي شعار الردع النووي الشامل Massive Retaliation واستبدالها بإستراتيجية جديدة تسمح للولايات المتحدة في أي موقف من المواقف برد فعل بالقوة محدود، يصنع أثره محلياً ويبتعد قدر ما يستطيع عن المساس بميزان الرعب النووي.
وظلت الاجتهادات تتوالي حتى أصدر الجنرال ماكسويل تايلور كتابه المشهور “النفير المتحشرج” والذي دعا فيه إلي الاهتمام بالقوات العسكرية التقليدية وتطوير أسلحتها لإمكان استخدامها في عمليات محدودة.
وجاء جون كيندي رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية في نهاية سنة 1960واختار الجنرال ماكسويل تايلور ليكون للمرة الثانية رئيساً لهيئة أركان حرب القوات المسلحة الأمريكية ولكي ينفذ سياسته كما شرحها في كتابه “النفير المتحشرج”.
وبدأت الولايات المتحدة تولي اهتماماً كبيراً لإعادة بناء قواتها المسلحة التقليدية لتستخدمها في الحروب المحدودة، بل أنشأت جيشاً خاصاً لحرب العصابات ولعمليات الانقلاب من الداخل. إلي آخره.
ولقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذ هذه الإستراتيجية بنجاح لأنه كانت هناك عوامل مساعدة لها.
– كانت تملك قواعد الأحلاف في العالم كله وتستطيع استعمالها كنقط ارتكاز للتدخل.
– وكانت تعتمد علي مستعمرات حلفائها من دول الاستعمار القديم.
– وكانت علي صلة طبيعية – بحكم وحدة المصلحة – مع عناصر الثورة المضادة من الطبقات الرجعية في العالم النامي كله.
– ثم عززت ذلك بأسطول في كل بحر.
وبدأت عمليات الانقضاض بسياسة القوة.
– حدث التصاعد بالحرب في فيتنام تصاعداً مروعاً بالأسلحة التقليدية.
– ثم بدأت الغارات بالقوة ضد الثورة الوطنية في آسيا.
– ولحقتها الغارات بالقوة ضد الثورة الوطنية في أفريقيا.
– وأخيراً هذه الغارة بالقوة ضد الثورة الوطنية في العالم العربي.
كل ذلك والاتحاد السوفيتي لا يستطيع أن يتحرك بالحسم القاطع.
إن الولايات المتحدة الأمريكية سبقته إلي حرية استعمال الأسلحة التقليدية وتركت له – إذا استطاع وهو لا يستطيع بسهولة – أن يلجأ إلي القوة النووية.
وذلك هو السر – ولا سر غيره – في الفارق بين موقف الاتحاد السوفيتي في العدوان البشع علي مصر سنة 1956 ومن العدوان الأبشع علي فيتنام لعدة سنوات حتى الآن.
وكان الطرفان سنة 1956 تحت حكم الرعب النووي – ولا خيار غيره – وهكذا تراجع العدوان البريطاني الفرنسي بقوة الضغط الأمريكي تحت وطأة الإنذار السوفيتي – إلي جانب عوامل أخري – بسبب بلد غير شرعي.
وفي سنة 1964 و1965 و1966 و1967 فإن هناك بلداً شيوعياً يضرب بالقنابل الأمريكية ليل ونهار، وليس هناك إنذار سوفييتي يكفي لردع العدوان لأن الولايات المتحدة خلصت نفسها من حكم ميزان الرعب النووي بالتوسع في استعمال الأسلحة التقليدية ثم تركت للاتحاد السوفيتي مخاطرة الحرب النووية وهي تعلم باستحالتها.
ولقد أحدثت سياسة القوة الأمريكية نتائج خطيرة بالنسبة لقوي الثورة الوطنية.
وكانت قوي الثورة الوطنية بشكل ما هي الاحتياطي الضخم لقوة الثورة العالمية.
وبالضربات المتلاحقة ضد قوة الثورة الوطنية فإن قوي الثورة المضادة التي ترعاها الولايات المتحدة وتتحالف معها وتعززها بالقواعد والأساطيل وبالتدخل العسكري المحدود بالقوة المسلحة التقليدية – أصبحت في الموقف الأقوى ولو مرحلياً.
ولقد تنبه الاتحاد السوفيتي أخيراً إلي هذه الحقيقة الخطيرة، وأعلن الماريشال ياكوبوفسكى القائد الجديد لحلف وارسو أن الاتحاد السوفيتي قد بدأ فعلاً بالاستعداد لاحتمالات الحرب المحدودة وبالأسلحة التقليدية.
ولكن المشكلة التي سوف تواجهه هى:
– أين هي القواعد ونقط الارتكاز التي يستطيع الاتحاد السوفيتي فيها أن يواجه احتمالات الحرب المحدودة وبالأسلحة التقليدية؟
– ليس للاتحاد السوفيتي قواعد في مستعمرات سابقة أو حالية لأنه لم يدخل في النظام الاستعماري.
– وأصدقاؤه في حركة الثورة الوطنية يختلفون عن أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية في حركة الثورة المضادة. الأولي صداقة أساسها الاستقلال والثورة الوطنية لا تفرط فيه، والثانية أساسها التبعية والرجعية لا تستطيع أن تحمي نفسها إلا بها!
3- الحقيقة الثالثة أن قيادة الاتحاد السوفيتي تحس أن شعوبه في حاجة بعد الجهد المضني الذي بذلته في البناء الداخلي وبعد الكابوس المروع لعهد ستالين أن جماهيرها في حاجة إلي تخفيف القيود.
والتعويض الوحيد الذي تقبله الجماهير من قيادة الحزب هو دخول مرحلة الاستهلاك الواسع، وهذا بدوره يقلل من الرغبة في تقبل المخاطرة الخارجية.
خصوصاً في هذه السنة – 1967 – التي يحتفل الاتحاد السوفيتي فيها بالعيد الخمسينى لثورة أكتوبر الكبرى ويريد النظام أن يعرض علي الشعب منجزاته الفعلية ولا يريد تعريضه لمغامرات مجهولة الاحتمالات.
4- الحقيقة الرابعة أن الاتحاد السوفيتي يعيش في عصر ثورة التكنولوجيا ويحاول أن يلاحق الولايات المتحدة إلي هذا العصر واحتمالاته الأسطورية.
وذلك يخلق تقارباً سوفيتياً – أمريكياً يتحدث عن التنافس السلمي أكثر مما يتحدث عن الصراع الثوري.
ولقد قامت صلات استثمار هائلة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي
وهي تتسع كل يوم.
والعناصر التي تقود ثورة التكنولوجيا في الاتحاد السوفيتي تجد نفسها مشدودة بالاهتمام نحو ما يجري في الولايات المتحدة.
ومما يلفت النظر أن الثلاثة الكبار في الاتحاد السوفيتي، وهم بريجينيف سكرتير عام الحزب، وكوسيجين رئيس الوزراء، وبودجورنى رئيس الدولة، كلهم من المهندسين أي أن العناصر القريبة من ثورة التكنولوجيا هي نفسها العناصر القائدة للحزب وللحكومة.
5- ثم جاء فوق ذلك كله – وربما في بعض النواحي من أثر ذلك كله – تفجر الصراع الصيني – السوفيتي، وذلك أعطي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي كليهما عدواً واحداً يريان منه الخطر والشر المستطير!
ماذا يعني هذا كله؟
هل هو يعني أنه لم يعد في استطاعتنا ولا في استطاعة غيرنا من قوي الثورة الوطنية أن ننتظر مساعدة الاتحاد السوفيتي وتأييده، ووقوفه معنا كما نريد؟
الرد: لا
في اعتقادي أن الاتحاد السوفيتي سوف يقترب علي الأقل من خط الوقوف وسوف يساعد ويؤيد – لعدة اعتبارات:
1- إذا كنا نقول إن الصداقة مع الاتحاد السوفيتي هي من أهم ما حققته الثورة العربية الوطنية في المجال الدولي، فإننا نقول بنفس النسبة إن الصداقة مع الأمة العربية هي بالتأكيد أهم ما حققته السياسة السوفيتية في السنوات الأخيرة.
بل إن صداقة السوفيت مع العرب كانت نموذجاً وطريقاً إلي علاقات أوسع تمكن الاتحاد السوفيتي من إقامتها في قارات العالم النامي كلها.
وذلك أمر يستحق – من وجهة نظر الاتحاد السوفيتي كما من وجهة نظرنا – تمسكاً به وحرصاً عليه.
2- إذا ضربت الثورة العربية ضاع الشرق الأوسط كله وهو الأرض الإستراتيجية ذات الموقع الخطير بالنسبة للاتحاد السوفيتي لأنها الواقعة في ظهره تماماً. وإذا كانت قوي الثورة الوطنية لا تسلمها له – ولا يفعل ذلك مهما كان الثمن – فإن انتصارها علي هذه الأرض يحول دون استسلامها لغيره واستعمالها كنقطة وثوب لطعنه من الخلف.
3- إذا ضربت الثورة العربية، بعد كل الضربات المتلاحقة ضد حركة الثورة الوطنية حتى الآن – فلسوف يفقد الاتحاد السوفيتي نهائياً رصيد الثقة الذي حاول أن يبنيه خلال سنوات طويلة في كل قارات العالم النامي.
4- أن الاتحاد السوفيتي بذلك سوف يعطي للولايات المتحدة الأمريكية تفوقاً إستراتيجياً ساحقاً ضده.
5- أن الاتحاد السوفيتي بذلك في نفس الوقت سوف يعطي للصين ميزة ثورية لا تقدر فلسوف تصبح بغير منازع قيادة الثورة المعادية للاستعمار.
6- ثم إن الهجوم الاستعماري بعد ذلك لن يقنع وإنما سوف يتشجع. وسوف تبدأ الهجمات علي دول أوروبا الشرقية وفي مقدمتها يوغوسلافيا وألمانيا الشرقية، ثم قد يمتد الهجوم إلي الاتحاد السوفيتي نفسه بمحاولة التأثير علي الجمهوريات الآسيوية فيه.
لهذا أقول إن الاتحاد السوفيتي سوف يقترب من خط الوقوف وسوف يساعد ويؤيد كما ساعد بالفعل وأيد.
ولكن مسئوليتنا نحن تصبح أساسية.
ذلك أنه يتحتم علينا أن نفهم الظروف، مهما كان ذلك ثقيلاً علي أعصابنا في وقت محنة.
ثم إنه يتحتم علينا أن نجعل طلباتنا منه في حدود ما يطيق.
وأن نتصرف نحن بمقتضي مسئولية التاريخ الملقاة علينا خصوصاً وأنها قدرنا نحن وليست قدر غيرنا.
وأن نفتح عيوننا بالوعي علي آخرها.
وأن نفتح عقولنا.
وبهذا، وبهذا وحده، يمكن أن يسقط في البحر حجر إسرائيلي أرادت الولايات المتحدة الأمريكية به أن تصيب ثلاثة عصافير!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=761

بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: الثورات الأربع. والنيل الهادئ

الثورات الأربع. والنيل الهادئ
حتى إذا بدا هذا الحديث إنشائياً إلى حد ما، فإن بعض ما فيه يستحق أن يقال فى التعليق على التطورات العظيمة التى شهدتها مصر فى الشهور الأخيرة، وعلى وجه التحديد خلال الفترة الواقعة ما بين هبة الجماهير يومى 9 و10 يونيو 1967 – إلى إعلان برنامج 30 مارس سنة 1968.
لقد عشنا خلال هذه الفترة ما يمكن أن نسميه “الثورة الرابعة” التى يشهدها جيلنا، والتى تمت هى الأخرى بنفس الأسلوب الذى يكاد أن يكون طبيعةً وطبعاً للنضال المصرى والقيم الحضارية التى حركته وتحركه منذ أقدم عصور التاريخ.
وهذا الأسلوب هو نفسه طبيعة وطبع نهر النيل الذى هو أكبر تأثير فى حياة الشعب المصرى وفى قيمه الحضارية.
والنيل هو القوى فى غير عنف، والقادر فى غير صخب، والخلاق فى غير ادعاء، وكذلك شعب مصر.
– إن الثورة الأولى التى عاشها جيلنا هى الثورة التى تحققت ليلة 23 يوليو 1952.
وكانت أحداث تلك الليلة ختاماً “لسنوات القلق” فى التاريخ المصرى الحديث، وهى السنوات التى بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية فى سنة 1945.
خلال هذه السنوات السبع – سنوات القلق – كانت خمائر الثورة وتفاعلاتها – وتقلصاتها أحياناً – تدفع الجماهير المصرية إلى اتجاه معاكس لسلطة الدولة. وكانت سلطة الدولة فى ذلك الوقت تمثل تحالف قوى الاحتلال البريطانى، والقصر الملكى، والطبقية المصرية التى قامت عليها كل أحزاب ما قبل الثورة أو معظمها، وكانت هناك خلافات بين قوى ذلك التحالف ولكن هذه الخلافات – بسبب وحدة المصالح فى النهاية – لم تكن تصل إلى حد التصادم بينها.
وكانت الحركة الثورية ليلة 23 يوليو فى الواقع حركتين:
– تحركت مجموعة الضباط الأحرار واستولت على قيادة القوات المسلحة فى الفجر.
– وتحركت نفس المجموعة – بالقوات المسلحة كلها – واستولت على سلطة الدولة فى الصباح.
وتمت “الثورة الأولى” التى شهدها جيلنا، وبها تحقق انتقال سلطة الدولة من يد التحالف القديم بين الاحتلال البريطانى والقصر الملكى والطبقية المصرية إلى يد عنصر جديد يدخل الحياة السياسية المصرية لأول مرة، وهو عنصر وطنى ينتمى إلى اتجاه الجماهير ولا ينتمى إلى الاتجاه المعاكس لها، لأنه جزء من هذه الجماهير، ولأن نشأته وتكوينه ونجاحه، كانت كلها آثارا مباشرة من موقف المقاومة الوطنية ضد سلطة الدولة القديمة.
– “والثورة الثانية” التى عاشها جيلنا تحققت فى الفترة الواقعة ما بين منتصف سنة 1955 إلى منتصف سنة 1956، ونستطيع بغير تجاوز تسميتها بالثورة الوطنية، إن هذه الثورة بدأت بالرفض المطلق لسياسة الأحلاف الثنائية أو الجماعية مع الدول الكبرى التى كانت لها السيطرة فى الشرق الأوسط والتى وضعته طويلاً داخل إطار مناطق نفوذها – ثم بلغت القمة فى معركة السويس.
– وكانت “الثورة الثالثة” هى الثورة الاجتماعية وكانت ذروتها هى الفترة ما بين يوليو سنة 1961 حين صدرت القوانين الاشتراكية – إلى يونيو سنة 1962 حين صدر الميثاق دليلا نحو التحول الاجتماعى الشامل.
– ثم جاءت “الثورة الرابعة” فى أعقاب نكسة من أقسى وأشق ما واجه الكفاح المصرى، ولقد بدأت هذه الثورة بهبة الجماهير يومى 9 و10 يونيو 1967، ولم تحقق هذه الهبة مجرد رفض الهزيمة والإصرار على المقاومة ولكنها حققت أيضاً إصرار الجماهير على أن يكون المجتمع مجتمع قوى الشعب العاملة والسلطة فيه سلطتها وذلك فى الواقع هو المضمون الحقيقى لبيان 30 مارس 1968.
أربع ثورات عاشها جيلنا، ثورة لانتزاع سلطة الدولة من التحالف القديم الذى حكم قبل سنة 1952، وثورة وطنية ضد الاحتلال والتبعية ومناطق النفوذ، وثورة اجتماعية بدأ بها التحول الاشتراكى، ثم ثورة رابعة لتحقيق وتأكيد وضع سلطة الدولة فى يد تحالف قوى الشعب العاملة.
وربما كانت هذه الثورة الأخيرة هى أصعب الثورات الأربع التى عاشها جيلنا وأدقها وذلك لسببين:
1- أنها جرت – كما قلت – فى ظرف من أقسى وأشق ما يكون.
2- ثم إنها كانت – فى الجزء الداخلى منها – ثورة وسط البيت المصرى، وبمعنى أدق فلقد كان الطرف الآخر فيها – بعض عناصر السلطة نفسها خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة بكل ما شهدته حتى من الثورات المتصلة!
ونستطيع القول بأن هذه “الثورة الرابعة” تأخرت عن موعدها خمس سنوات، فلقد كان المفروض أن تكون تكملة طبيعية للثورة الثالثة التى أتت بالميثاق سنة 1962 باعتبار أن مجتمع قوى الشعب العاملة لا يمكن أن يتحقق بغير سلطة قوى الشعب العاملة، لكن التأخير كان أثراً من تدخل ما نطلق عليه الآن وصف “مراكز القوى” وهو الوصف الذى استعمله جمال عبدالناصر لأول مرة فى خطابه أمام مجلس الأمة سنة 1966 حين نادى بسيادة القانون لكى يكون القانون بنص تعبيره فى ذلك الوقت “أكبر من مراكز القوى وأعلى من إرادات الأفراد”.
إن بعض العناصر التى شاركت فى الاستيلاء على السلطة سنة 1952 من يد التحالف القديم الممثل للاحتلال البريطانى والقصر الملكى والطبقية المصرية، لم تكن تتصور ضرورة نقل السلطة إلى يد التحالف الجديد لقوى الشعب العاملة.
بعض هذه العناصر لم يتصور ذلك بحسن ظن فى نفسه مبالغ فيه، وبعضها لم يتصوره بضيق أفق سياسى واجتماعى لم تفلح تجربة الممارسة السياسية فى فتحه للنور والمعرفة، وبعضها لم يتصوره من نزعات إلى التمايز الطبقى.
إن الطبقة القديمة فى مصر قبل سنة 1952 أفرزت عناصر سلطة حكمت لحسابها.
وبعض عناصر السلطة بعد سنة 1952 كادت أن تتحول إلى طبقة جديدة يكون الحكم لحسابها!
سنة 1962، وانسجاماً مع الميثاق كان لابد أن يوضع للتطبيق العملى برنامج كذلك البرنامج الذى صدر أخيراً فى 30 مارس 1968.
لكن ذلك لم يحدث، واقتضى حدوثه ثورة رابعة قامت بها الجماهير يومى 9 و10 يونيو.
ولست أريد أن ادخل فى تعليل أو تحليل الظروف والعوامل التى سببت التأخير وعوقت وعطلت ذلك أنى أوثر أن أحتفظ بشهادتى للتاريخ وبعد أن تسكن وتهدأ كل العواطف والانفعالات الجامحة، ولكن وقائع المحاكمات التى جرت أخيراً أمام محكمة الثورة كشفت ضمن ما كشفت أنه فى سنة 1962 وقع ما أسماه رئيس المحكمة بأنه “انقلاب سلمى”.
وبهذا الانقلاب السلمى فلقد بدأت سلطة الدولة تعانى ظاهرة “الازدواجية” والتكملة المنطقية “للازدواج” هى “احتمال التصادم”، ولعل ذلك الجو هو ما عناه جمال عبدالناصر فى بيان 30 مارس بقوله بالنص:
“إن العمل السياسى لا يقوم به الملائكة وإنما يقوم به البشر.
والقيادة السياسية ليست سيفاً بتاراً قاطعاً وإنما هى عملية موازنة وعملية اختيار بعد الموازنة، والموازنة دائماً بين احتمالات مختلفة، والاختيار فى كثير من الظروف بين مخاطر محسوبة”.
ولقد كانت “الازدواجية” فى سلطة الدولة، وما يمكن أن يتلوها من “احتمال التصادم” ضمن أسباب جعلت جمال عبدالناصر يفكر جدياً فى نهاية سنة 1964 فى التفرغ للعمل السياسى بالاتحاد الاشتراكى ويتردد فى ترشيح نفسه لرياسة الجمهورية فى انتخابات مارس سنة 1965.
ثم عدل عن ذلك لعدة اعتبارات بينها:
– أن ابتعاده عن سلطة الدولة معناه تسليمها بالكامل لمراكز القوى.
– ثم إنه كانت هناك فى ذلك الوقت قوات مصرية تحارب معركة اليمن فى ذلك الوقت وكان بين آماله أن يطمئن إلى عودتها للوطن بعد أداء مهمتها.
كذلك كانت هذه “الازدواجية” وما يمكن أن يتلوها من “احتمال التصادم” بين الأسباب الكبيرة التى دعت جمال عبدالناصر إلى قراره بالتنحى مساء يوم 9 يونيو سنة 1967 فلقد أراد أن يخرج من السلطة وأن تخرج مراكز القوى معه.
ثم كانت هذه “الازدواجية” مرة ثالثة – وما يمكن أن يتلوها من “احتمال التصادم” هى السبب الذى جعل جمال عبدالناصر يتصرف بحسم يوم 11 يونيه مستنداً على هبة الجماهير يومى 9 و10 يونيو وثقتها فيه وفى قيادته وفى سجله النضالى، ثم يصدر القرار بتعيين قيادة جديدة للقوات المسلحة وإبعاد كل العناصر التى حاولت خلق مركز قوة سياسى يستند على هذه القوات المسلحة. ثم لم تمضِ أسابيع قليلة حتى صدر القرار الثانى بتصفية دولة المخابرات.
أى أن مواجهة مراكز القوى مرت بثلاث مراحل:
– سنة 1964 فكر جمال عبدالناصر أن لا يبقى هو فى سلطة الدولة وتبقى مراكز القوى منعا للازدواجية واحتمال التصادم.
– وسنة 1967 حاول جمال عبدالناصر – بقرار التنحى – أن لا يبقى هو فى سلطة الدولة ولا تبقى مراكز القوى.
– وفى سنة 1967 وبعد التصميم الشعبى قرر جمال عبدالناصر أن يبقى هو وأن لا تبقى مراكز القوى.
ولم يكن ذلك القرار – الذى تحققت به فى واقع الأمر ضمانة من أهم ضمانات نجاح الثورة الرابعة – قراراً سهلاً.
لقد اتخذ ذلك القرار وهو لا يعرف على وجه التحديد مواقع الألغام المزروعة فى القوات المسلحة لكن اطمئنانه كان عاماً إلى وطنيتها فى ظرف محنة عصيبة.
وروى جمال عبدالناصر بنفسه فى اجتماع أخير لمجلس الوزراء لمحة مما كان يعانيه يوم 11 يونيو فقال إنه اتصل بالفريق أول محمد فوزى يكلفه بالقيادة العامة للقوات المسلحة بعد تغيير شامل فيها وكان بين ما قاله له:
– لقد كنت مستعداً لتحمل أى شىء ولا تتعرض القوات المسلحة لأى هزة تؤثر فى قدرتها القتالية إذا جاء وقت اضطررنا فيه إلى القتال.
والآن فإنه ليس هناك بديل أمامنا عن إعادة بناء الجيش، وأنا أريد جيشاً مقاتلاً، وأريده جيشاً قادراً على خدمة أهداف الشعب وعلى حمايته ولا أريده سنداً لأى فرد أو لأى مجموعة.
وفى ذلك الوقت، كما أوضحت محاكمات الثورة، كانت مراكز القوى مازالت قادرة على العمل فى القاهرة ولم يكن فى مواجهتها شىء، حتى الحرس الجمهورى كان فى جبهة القتال التى تحطمت فجأة.
وروى جمال عبدالناصر ضمن ما رواه فى مجلس الوزراء أخيراً أنه:
– فى تلك الليلة ليلة 12 يونيو أخرجت مسدسى لأول مرة منذ سنوات طويلة ووضعته على مائدة بجانب فراشى، وبقيت طول الليل كله فى انتظار أى شىء!
ولم يحدث فى تلك الليلة شىء لأن الجماهير التى فجرت الثورة الرابعة يومى 9 و10 يونيو فرضت على كل واحد أن يفكر قبل أن يقرر وأن يتدبر قبل أن يغامر.
وفى نفس الوقت فإن النظام الثورى الذى قام ليلة 23 يوليو – وبصرف النظر عن أى فرد أو مجموعات تنتمى إليه – أثبت فى مجموعه وفى اتجاهه العام أصالته وصدق ولائه للنضال الشعبى وتجلت له عدة مواقف:
1- أنه نظام لا يستطيع أن يتناقض مع الجماهير ولا يملك أن يعيش إلا معبراً عن آمالها فلقد تطور مع الحركة الشعبية، وتعلم منها وهو يقود خطاها، ولم تخدعه كبرياء السلطة أو خيلاؤها.
ولربما كانت العبارة “المفتاح” فى بيان 30 مارس كله هى العبارة التى قال فيها جمال عبدالناصر: “إن أى نظام ثورى يستند على الجماهير وحدها، لا يكفيه أن يكون الشعب وراءه راضياً ومؤيداً وإنما هو يحتاج إلى أكثر من ذلك. يحتاج إلى أن يكون الشعب أمامه موجهاً وقائداً”.
2- أنه نظام يملك من الشجاعة قدراً كبيراً.
إنه أقل من غيره من النظم فى كل بلدان العالم النامى، فى حساب الأخطاء والانحرافات، وهو أكثر من غيره من النظم فى كل بلدان العالم النامى، فى حساب المحققات والمنجزات، ومع ذلك فهو أعلى الكل صوتاً فى نقد نفسه، وفى التقويم، وفى التصحيح.
لا يدارى بالسكوت ولا يعتذر بالظروف العصيبة!
ومن الإنصاف أن يقال إن النظام الثورى المصرى قد تلقى إلى جانب ما تلقاه من جماهير الشعب المصرى المناضلة عوناً لا يمكن الاستهانة به من حقيقة لها تأثيرها الفعال فى كل ما يجرى داخل هذا الوطن، وهى حقيقة أن مصر لا يمكن أن تتحول إلى مجتمع مقفل.
ولا تستطيع مصر أن تتحول إلى مجتمع مقفل لسببين:
أولهما – أن مصر كوطن تحت أى نظام لا تقدر، ولا تملك أن تتخلى عن وضعها التاريخى كمفترق لطرق العالم وملتقى لحضاراته.
بوضعها على ناصية البحرين، الأبيض والأحمر وباتصالها الإنسانى الوثيق بكل ما يدور حولها – فإنها لا تقدر ولا تملك أن تنعزل.
وثانيهما – أن مصر الثورة على وجه التحديد وبانتمائها إلى الأمة العربية تستمد جزءً كبيراً من قوتها من تأثيرها خارج حدودها السياسية.
إن النظام الثورى المصرى ليس مسئولاً أمام جماهيره فى الداخل وحسب وإنما هو مسئول أمام جماهير عربية تعيش فى بلادٍ متعددة وعلى مسافاتٍ واسعة لا تصل إليها سلطة الدولة فى مصر.
والنظام فى عمله، وفاءً بمسئوليته العربية، يحتاج إلى هذه الجماهير البعيدة عن سلطة الدولة فى يده وسبيله الوحيد إلى هذه الجماهير – اقتناعها وثقتها، وبالتالى تأييدها الذى هو مصدر من أهم مصادر طاقته.
وإذن فهى ضمانات ثلاث ساعدت النظام على أن يحيا فى الثورات الأربع وأن يحيا بها.
الوعى الجماهيرى المصرى.
والدور الحضارى لمصر.
وانتماء مصر العربى.
ويمضى النضال فى طريقه عبر السهول والصخور، متدفقاً خصباً كطبيعة وطبع نهر النيل.
قوى فى غير عنف، قادر فى غير صخب، خلاق فى غير ادعاء!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=435

بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل:(1) رحلة أفريقية

(1) رحلة أفريقية
قبل أن يتحول نادى الصنوبر فى الجزائر إلى رماد وركام
عدت قبل أيام من رحلة أفريقية تابعت فى بدايتها مؤتمر القمة الأفريقى الثالث الذى عقد فى أكرا، وكان مفروضاً أن أنتهى منها فى الجزائر بمتابعة مؤتمر القمة الآسيوى – الأفريقى.
وبعد مؤتمر أكرا – وفى انتظار مؤتمر الجزائر – كانت لدى الفرصة لكى أطل مجدداً على بعض جوانب الصورة الأفريقية.
ولقد أحسست هذه المرة – كما أحسست مرات من قبل – أمام المشهد الأفريقى المثير بمزيج من شعورين – الانبهار والصدمة!
وحينما أحسست بهذا المزيج الشعورى مرات من قبل، فلقد كان انفعالى به غامضاً وسحرياً كأساطير القارة ذاتها.
وأما هذه المرة فلقد كان الأمر على خلاف بعض الشىء!
ولعله تأثير وضوح أكثر أتاحه لى أننى تابعت عن قرب مؤتمرات القمة الأفريقية الثلاثة، فى أديس أبابا ثم القاهرة وبعدهما أكرا.
ولعله أيضاً فضل الفرص العديدة التى أتيحت لى كى ألتقى فى أحاديث طويلة مع عدد كبير من الزعماء فى القارة، ومن الثوار، ومن المغامرين، وأكاد أقول أيضاً من الأفاقين وهم كثير فى القارة التى تفور وذلك من أحكام طبيعة المرحلة المعاصرة!
ولقد اعتذرت عن الكتابة فى الأسبوع الماضى، وأبرقت بذلك للأهرام من “أكاسومبو”، ولكن البرقية وصلت متأخرة، وكان من فى الأهرام – تفاؤلاً وحسن ظن – قد تصوروا أننى كتبت مقالى الأسبوعى كما هو مفروض وبعثت به لكنه تعطل فى الطريق أو تاه فى الصحارى والغابات!
والحقيقة أننى وجدت حافز الاستيعاب أقوى من أى حافز آخر.
كنت أريد أن أرى وأسمع كل ما أستطيع أن أصل إليه، وكنت أريد أن أختزن أقصى ما أستطيع من الصور والمعلومات، ثم أهضم ذلك كله بغير انقطاع سوف أرغم عليه – بدون شك – لو أننى جلست للكتابة! وهكذا كان، وأنى لأعتذر لو كنت أخطأت التقدير!
وحين تبينت أن مؤتمر القمة الآسيوى – الأفريقى قد ضاع، بعد قرار وزراء الخارجية لدول آسيا وأفريقيا بتأجيله إلى موعد لم يحدد – فلقد حزمت حقائبى عائداً إلى القاهرة لأكتب عن رحلة أفريقية، مكتفياً – مؤقتاً – بما رأيت وسمعت.
ومع ذلك فإنى أستأذن اليوم فى أن أبدأ قصة من نهايتها!
أقصد أننى أريد – قبل حديث الرحلة الأفريقية – أن أتوقف قليلاً أمام حكاية تأجيل المؤتمر الآسيوى – الأفريقى.
وإذا بدا غريباً أن أؤجل الحديث فى تجربة عشتها، بادءً بتجربة أخرى لم أعشها، فإن ذلك حكم الحوادث وإلحاحها الغلاب.
من هنا وقفة قصيرة أمام المؤتمر الذى لم ينعقد فى الجزائر، ثم جرى بعدها بكل سرعة.لحاقاً برحلة أفريقية!
من حسن الحظ أن هذا المؤتمر الذى كان مقرراً عقده فى الجزائر لم ينعقد، ولو أن ذلك حدث لكانت أسطورة التضامن الآسيوى – الأفريقى التى بدأت فى باندونج- إندونيسيا – قد تحولت بعد عشر سنوات فى نادى الصنوبر – الجزائر – إلى خرافة!
وأنا أعلم أن الجمهورية العربية المتحدة كانت بين أول المطالبين بضرورة عقد المؤتمر فى مكانه وزمانه، ولكنى أعتقد أن هذا الموقف كان خطأً فادحاً فى حق الفكرة التى ينعقد المؤتمر لتكريسها وخدمة لها.
ولقد كان هناك – فيما أتصور – دافع أساسى وراء موقف الجمهورية العربية المتحدة وهو مراعاة الجزائر والحفاظ على مشاعرها.
وبرغم ذلك – ومن وجهة نظر أخرى – فإن الربط بين مراعاة الجزائر والحفاظ على مشاعرها وبين المؤتمر وانعقاده فى ظروف غير ملائمة – هو مجاملة شرقية لا تبررها ولا تسمح بها الظروف!
إن انعقاد المؤتمر فى مثل الأوضاع الراهنة كان معناه أن تتحطم فكرة التضامن الآسيوى – الأفريقى وتتحول فى “نادى الصنوبر” إلى ركام ورماد. تتحول أسطورة باندونج كما قلت إلى خرافة.
وليس ذلك من صالح الفكرة فى شىء، ولا هو فى نفس الوقت من صالح الجزائر.
وإذا قيل لى: إن الجزائر صرفت ما وصل تقديره حتى الآن إلى ثلاثين مليون دولار فى الاستعداد للمؤتمر.
فإنى أقول ذلك فى البداية كان خطأ، لكن خطأ البداية لا يبرر خطأ أفدح منه فى النهاية!
إن هذه المؤتمرات الكبيرة التى أصبحت من سمات السياسة الدولية الجديدة ليست مدعاة لمهابة الشعوب التى تستضيفها وإنما هى خدمة تقدمها هذه الشعوب.
والخدمة تقاس بالطاقة ولا ينبغى عدلاً وإنصافاً أن يتكلف أحد – أو يكلف – بأكثر مما يقدر عليه وبغير إحراج أو إرهاق.
ولعلى لا أتجاوز الحد إذا قلت أن مؤتمر القمة الأفريقى أرهق شعب غانا، كما أن المؤتمر الآسيوى الأفريقى حمل شعب الجزائر ما كان يستطيع توفيره لأغراض أجدى وأبقى.
إن المؤتمر الأفريقى كلف غانا ما لا يقل عن عشرين مليون جنيه إسترلينى.
والمؤتمر الآسيوى – الأفريقى كلف الجزائر ما تقديره ثلاثون مليون دولار أى اثنا عشر مليون جنيه إسترلينى.
والسبب أن أكرا والجزائر كلتاهما لم تكونا على استعداد لهذا النوع من المؤتمرات الكبيرة وليس ذلك عيباً من جانبهما ولا هو قصور.
وكان الاستعداد يقتضى بناء كل شىء من جديد!
ولقد تكلف مؤتمر عدم الانحياز الذى عقد بالقاهرة فى العام الماضى واشتركت فيه ست وستون دولة مبلغ مائتين وعشرين ألف جنيه وهو مبلغ لا يكاد يذكر إزاء تكاليف مؤتمر أكرا ومؤتمر الجزائر – ومع ذلك فلقد كان هناك نقد عنيف فى مصر – نادى وقتها بالاقتصاد فى الصرف وبالانكماش.
إن المؤتمر عقد فى قاعة الاحتفالات فى جامعة القاهرة وهى موجودة من الأصل.
والضيوف جميعاً أقاموا فى فنادق القاهرة الكبرى ولم ينشأ واحد منها خصيصاً للمؤتمر.
ومع ذلك وإزاء النقد العنيف، فإن الحكومة المصرية قبلت بمبدأ اشتراك كل الدول التى حضرت إلى المؤتمر فى مصاريفه بنسب معينة وهكذا قل العبء إلى حد كبير على الشعب المصرى.
أردت أن أقول إن المؤتمرات الدولية الكبيرة سمة من سمات السياسة الدولية الجديدة.
لكن عقدها يجب أن يكون حيث تتوافر الظروف لها مع اشتراك الكل فى تحمل الأعباء، ومن حسن الحظ أن ذلك روعى مستقبلاً بالنسبة للمؤتمرات الأفريقية القادمة إذ تقرر فى أكرا أن يكون انعقاد كل المؤتمرات الأفريقية بعد الآن فى أديس أبابا عاصمة منظمة الوحدة الأفريقية، وحيث أقامت الأمم المتحدة فعلاً مبنى ملائماً للمؤتمرات الكبيرة، كذلك أخذ بمبدأ أن تتحمل كل دولة بمصاريف وفدها وعمله وهذا منطقى وعادل.
أعنى فى النهاية أن الشعوب لا تستطيع أن تشترى مهابة سياسية متوهمة، بمشكلة اقتصادية محققة!
مهما يكن – وذلك ما أردت الوصول إليه – فإنه بصرف النظر عن أية تكاليف تحملها شعب الجزائر من أجل المؤتمر فإن ذلك ليس مبرراً كافياً لعقده فى ظروف غير ملائمة ولا مناسبة.
وإذا قيل لى: أما وقد تكلف شعب الجزائر ما تكلفه فعلاً فإن عقد المؤتمر كان واجباً على كل حال وعلى الأقل يأخذ شعب الجزائر بعض ما دفع، ولا يصدم بعد كل ما ضحى.!
فإنى أقول:
إن تكريم شعب الجزائر كان يرتبط بنجاح المؤتمر وما دامت إمكانية النجاح قد تلاشت – فما هو مبرر تحميل شعب الجزائر بتبعات الفشل؟
إن شعب الجزائر كان يريد أن يكون وطنه بيتاً لفكرة التضامن الآسيوى – الأفريقى، ولم يكن يريد أن يكون وطنه مقبرة لهذا الفكرة!
ومن ناحية أخرى فما هى صدمة شعب الجزائر بتأجيل المؤتمر؟
إن قضية المؤتمر ليست قضية شعب الجزائر ولا هى مشكلة حكومته، والمزج بين القضيتين خلط يصعب تقبله.
إن قضية المؤتمر هى الموقف فى آسيا وأفريقيا والجو الدولى العام المحيط بنضال شعوبهما فى المرحلة الراهنة، وذلك شىء لا يملكه شعب الجزائر ولا شأن له به ولا يجوز أن يحمل أثقاله!
إن المناقشة حول صواب أو خطأ عقد مؤتمر ثان للدول الآسيوية والأفريقية على غرار مؤتمر باندونج الشهير كانت دائماً مطروحة خصوصاً خلال السنتين الأخيرتين.
ولقد اشتدت هذه المناقشة فى مطلع العام الماضى فى معرض الحديث عن احتمال عقد مؤتمر ثان للدول غير المنحازة – وهو المؤتمر الذى عقد فعلاً فى القاهرة فى أكتوبر سنة 1964.
كانت المناقشة فى مطلع العام الماضى هى:
هل نعقد مؤتمراً ثانياً للدول الآسيوية الأفريقية – يستكمل باندونج سنة 1955؟
أو نعقد مؤتمرا ثانياً للدول غير المنحازة – يستكمل بلجراد سنة 1961؟
إن دول باندونج الكبرى نفسها انقسمت إلى رأيين فى هذه المناقشة.
الصين وإندونيسيا رأتا أن المؤتمر الطبيعى الممكن لابد أن يكون مؤتمراً للتضامن الآسيوى – الأفريقى، يستكمل رسالة باندونج فى دفع حركة التحرر الوطنى، ويرسم استراتيجية مقاومة الاستعمار الجديد كما رسم مؤتمر باندونج إستراتيجية مقاومة الاستعمار القديم.
فوق ذلك فإن الصين كانت ترى أن عقد مؤتمر للدول غير المنحازة سوف يفرض عليها البقاء خارجه، كما أن إندونيسيا بدورها كانت ترى أن استمرار عقد المؤتمرات الآسيوية – الأفريقية يجعل باندونج – فى إندونيسيا – الأصل الأول والنبع الرئيسى لتيار الشعوب النامية.
على الجانب الآخر من المناقشة.
الهند ومصر رأتا أن المؤتمر الطبيعى الممكن لابد أن يكون للدول غير المنحازة باعتبار أن تيار الدول غير المنحازة قد استوعب فعلاً كل القوى المتحررة فى حركة التضامن الآسيوى – الأفريقى.
كما أن النضال ضد الاستعمار القديم والجديد قد تخطى القارتين إلى غيرهما من القارات وبالذات أمريكا اللاتينية.
فوق ذلك فإن الهند بخلافها مع الصين والباكستان كانت تعرف أن مؤتمراً للدول غير المنحازة سوف يكفل عدم حضور الاثنتين.
إن دور مصر فى الواقع – ولا أصدر فى هذا عن تعصب وطني – هو الذى رجح احتمال إعطاء الأولوية لعقد مؤتمر للدول غير المنحازة، ولقد ساعدتها على ذلك إنها تستطيع أن تعطى رأياً بعيداً عن التأثر بأية منازعات إقليمية أو غير ذلك مع غيرها.
إن النزاع الوحيد الذى يستغرق كل جهدها هو صراعها ضد الاستعمار القديم والجديد وحتى مشكلة إسرائيل التى تأخذ الجزء الكبير من اهتمامها هى فى الواقع صورة من صور الاستعمار مادياً ومجسداً!
وأذكر فى ذلك الوقت مراسلات عدة بين الرئيس جمال عبدالناصر والرئيس أحمد سوكارنو.
وفى هذه المراسلات كانت وجهة نظر جمال عبدالناصر فى ترجيح أولوية مؤتمر للدول غير المنحازة كما يلى بصفة عامة:
1- أن الاعتبار الآسيوى – الأفريقى هو إطار جغرافى، أى أنه يقوم على امتداد الأرض مهما كان ما تحويه من متناقضات.
ومثل هذا الإطار لا يترك مجالاً للاختيار وبالتالى لا يبقى أساسا للوحدة الفكرية.
ومعنى ذلك أن مؤتمراً للتضامن الآسيوى – الأفريقى سوف يكون معرضاً للخلاف بين دول آسيا وأفريقيا أكثر مما يكون ميدان لقاء بينهما.
وهو بالتالى يحطم – ولا يدعم – فكرة التضامن الآسيوى – الأفريقى.
2- أن مؤتمر باندونج نجح لأن فكرة الاستقلال كانت هدفه الأساسى، وكان عدد الدول المستقلة فى آسيا وأفريقيا محدوداً، وقتها حضرته من آسيا وأفريقيا 29 دولة ودول أفريقيا المستقلة فى الوقت الحاضر وحدها 36 دولة.
ولقد تشعبت قضية الاستقلال الآن، وتخطت شكل الاستقلال إلى مضمون الاستقلال.
وهذا معناه طرح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة فى القارتين وهو أمر ليس سهلاً وليس ممكناً بدون أن تكون الرابطة الفكرية – قبل الرابطة الجغرافية – قاعدة التجمع.
3- أن عدداً كبيرا من الدول المستقلة فى القارتين دخلت فى مشاكل حادة مع بعضها بسبب أنواع متعددة من الخلافات ونموذج ذلك ما بين الهند والصين، وما بين الهند والباكستان.
4- أن قوى ضخمة – متطلعة للنمو – برزت فى أمريكا اللاتينية وفى أوروبا نفسها وهذه القوى تواقة إلى المشاركة فى توجيه أمور عالمها على نحو يلائم مصالح نموها السياسى والاقتصادى، والاجتماعى والاقتصار على الإطار الآسيوى – الأفريقى يعتبر صد لهذه القوى بينما المصلحة فى ضمها وتوحيد جهودها.
5- أن قضية الاستعمار الجديد بالذات لا يمكن طرحها بغير تفكير متجانس فإن بعض أشكال الحكم الوطنى – حتى مع مظهر الاستقلال – لم تتنبه بعد إلى أخطار الاستعمار الجديد.
هكذا انعقد مؤتمر عدم الانحياز لكن الضغط كان قوياً لعقد مؤتمر آسيوى – أفريقى.
ولقد كان الحل الوسط الذى أمكن الوصول إليه يومها هو أن عقد مؤتمر عدم الانحياز لا يجب ولا يلغى احتمال عقد مؤتمر آسيوى – أفريقى.
ثم تقرر موعد للمؤتمر الآسيوى – الأفريقى فى الجزائر وتحدد فعلاً فى شهر يونية الأخير من هذه السنة.
ومع اقتراب الموعد المحدد لهذا المؤتمر فلقد بدت الحاجة أشد إلى جهد مركز لضمان أن يحقق المؤتمر حدا أدنى من النجاح – ما دام انعقاده أصبح أمراً واقعاً، أو على الأقل لضمان أن لا ينفجر المؤتمر من داخله.
لكن العملية كانت بالغة الصعوبة إزاء عدة مشاكل راحت تضغط على جو المؤتمر قبل انعقاده:
الاتحاد السوفيتى يريد أن يحضر المؤتمر على أساس أنه دولة آسيوية بجزء منه وذلك أمر تم الاعتراف به – فى رأيه – بدليل اشتراكه فى حركة تضامن الشعوب الآسيوية – الأفريقية، والصين تعارض فى ذلك معارضة عنيفة بتأثير التمزق السوفيتى – الصينى.
المنازعات فى آسيا تهز أساس المؤتمر هزا، بعد أن وصل الأمر بين الهند والصين إلى حد القتال المسلح وكاد – وقتها – أن يصل إلى هذا الحد بين الهند والباكستان فضلاً عن النزاعات بين إندونيسيا وجيرانها، وبين بورما وجيرانها، وبين تايلاند وجيرانها إلى آخره!
الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على رأسه لا يريد اشتراك الاتحاد السوفيتى فى المؤتمر لأسباب أخرى غير أسباب الصين أهمها أن لا يتزايد الاختلاط بين الدول الآسيوية والأفريقية، وبين المنافس الخطر للغرب المتمثل فى الاتحاد السوفيتى.
ولقد وصلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى حد توزيع مذكرة على كل الدول الآسيوية والأفريقية تقول للمرسلة إليهم بغير مواربة أن واشنطن لن تنظر بالارتياح والرضا إلى اشتراك الاتحاد السوفيتى فى مؤتمر آسيوى – أفريقى!
فى ذلك الوقت من شهر يونيو الأخير بدأت الجمهورية العربية المتحدة – حرصاً على حد أدنى من فرصة النجاح للمؤتمر، وتخفيفاً عن حكومة الجزائر – تحاول وضع بعض الضمانات والضوابط.
– بالنسبة لاشتراك الاتحاد السوفيتى اقترحت أن يترك الموضوع لاجتماع وزراء الخارجية قبل المؤتمر مباشرة، وتوجهت بالرجاء إلى الصين فى حالة تقرير مبدأ اشتراك الاتحاد السوفيتى بواسطة وزراء الخارجية – أن تمتنع عن إثارة النزاع الصيني – السوفيتى داخل المؤتمر.
وكان رد الصين أنها لا تريد أن تقحم هذا النزاع على المؤتمر لكنها سوف تضطر إلى ذلك إذا تقرر مبدأ اشتراك الاتحاد السوفيتى.
– بالنسبة للمنازعات فى آسيا! اقترحت أن لا تثار المنازعات الثنائية أو الثلاثية بين الدول داخل المؤتمر ويكون المجال لذلك – إذا أمكن – على هامش المؤتمر.
وحدث أن حاول جمال عبدالناصر فى مطار القاهرة الدولى أن يجمع لال بهادور شاسترى رئيس وزراء الهند مع شوين لاى رئيس وزراء الصين، لكن شاسترى خشى وقتها أن يستغل معارضوه هذا الوضع لإسقاط وزارته، ومن ثم عرض عبدالناصر أن يتولى جمع الاثنين فى مكان إقامته أثناء المؤتمر فى الجزائر وأصبح ذلك بالفعل أمراً مقرراً.
وشىء من هذا أو قريب منه حدث بالنسبة للنزاع الهندى الباكستانى.
وبسبب أحداث 19 يونيو فى الجزائر تأجل المؤتمر إلى 5 نوفمبر الذى يوافق اليوم.
لكن أشياء كثيرة حدثت منذ ذلك الوقت. كثيرة وخطيرة.
انتهز الاتحاد السوفيتى فسحة الوقت وقام بحملة واسعة خصوصاً فى أفريقيا، ضمن بعدها اتجاهاً مؤيداً لاشتراكه فى المؤتمر، وأصبح ذلك فى حالة انعقاد المؤتمر – مسألة مؤكدة.
– وصل النزاع الهندى – الباكستانى إلى حالة الحرب المسلحة الشاملة.
وقع ما وقع فى إندونيسيا يوم 30 سبتمبر الماضى ولا تزال الثلاثة آلاف جزيرة التى يتكون منها الأرخبيل الإندونيسى فى حالة غليان ضد بعضها وضد الدنيا كلها والصين أقربها وأولها!
وبرزت من ذلك عدة نتائج.
1- أن جميع المحظورات التى كانت قائمة ضد فكرة عقد مؤتمر آسيوى – أفريقى فى هذه الظروف زادت خطراً وأن كل الآمال التى كانت معلقة على تخفيف حدتها قد اقتلعت من الجذور وطارت فى مهاب العاصفة!
2- أن الميزان انقلب فيما يتعلق بالصين، خصوصاً بنجاح السوفيت فى أفريقيا، ثم بنكبة الحزب الشيوعى فى إندونيسيا وبالتالى أصبحت الصين ضد فكرة عقد المؤتمر فى الوقت الحاضر بل وأصبح احتمال تغيبها عنه – فى حالة انعقاده – احتمالاً قائماً.
وبغياب الصين فإن المؤتمر يفقد أهم ركائزه، وليست المسألة عدد الدول التى يمكن أن تحضر وإنما المسألة أيضاً تضع – ولابد أن تضع – الوزن فى حسابها.
3- بسبب الظروف فى آسيا فلقد كان واضحاً أن أبرز الزعماء سوف يجدون أنفسهم مرغمين على الاعتذار عن حضور المؤتمر بأنفسهم.
شاسترى لن يترك المعركة مع الباكستان ويسافر إلى الجزائر، وأيوب خان لن يترك المعركة مع الهند ليسبح على شاطئ نادى الصنوبر!
4- وإذا كانت آسيا كلها – أو معظمها – سوف تتغيب فهل يقتصر المؤتمر على أفريقيا وقد انتهت لتوها من مؤتمر خاص بها فى أكرا وما فائدة العودة إلى اجتماع مكرر ومعاد!؟
5- وفى نفس الوقت برز الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على رأسه يحرض من طرف خفى على عقد المؤتمر ويدفع – وذلك من أغرب المتناقضات – أقرب أصدقائه إلى التمسك بضرورة عقد المؤتمر، والقصد بالطبع أن يجتمع المؤتمر، ولو بغير الصين، ثم يفشل وتنفجر حكاية التضامن الآسيوى – الأفريقى!
وفى هذا الجو اجتمع وزراء الخارجية لكى يقرروا فى أمر المؤتمر.
وفى الحقيقة فإن الخيار لم يكن فى أيديهم.
لم يكن فى أيديهم – أمانة وصدقاً – إلا تأجيل المؤتمر أو يتحول نادى الصنوبر إلى ميدان لكل شىء إلا التضامن الأفريقى – الآسيوى.
ولقد كانت هناك أخطاء كثيرة وقعت فيها كل القوى وليس ذلك وقت النقاش فيها ووقت الحساب.
وكان المهم على أى حال أن تمتد قدم إلى الفرملة لتوقف الاندفاع قبل بلوغ حافة الهاوية والتدحرج عليها إلى نهاية فكرة التضامن الآسيوى – الأفريقى.
– إن المؤتمر على فرض انعقاده لم يكن يستطيع أن يتحمل ثمن تكريس التفتت فى آسيا وأفريقيا وتعميقه وتجسيده أمام الدنيا بأسرها تحت أعلام وشعارات التضامن الآسيوى – الأفريقى!
– كذلك لم يكن المؤتمر يستطيع أن يتحمل ثمن عزل الصين إجابة لطلب الاتحاد السوفيتى أو الولايات المتحدة الأمريكية!
– أخيراً لم يكن المؤتمر يستطيع أن يتحمل ثمن عزل الاتحاد السوفيتى إجابة لطلب الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية!
ولقد فرغنا من هذه الوقفة القصيرة أمام مؤتمر الجزائر.
ونتحرك بعدها إلى رحلة أفريقية.
لقد بدأنا قصة من نهايتها.
نعود إلى البداية إذن ونطل على المشهد الأفريقى المثير بمزيج الشعوريين: الانبهار والصدمة!.

بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل:المعركة. وأطراف المعركة!

المعركة. وأطراف المعركة!
حتى يكون كل شىء فى مكانه، وفى وضعه الصحيح، فإنى أريد أن أطرح فى هذا الحديث سؤالاً:
– هذه المعركة التى تحتدم الآن فى الشرق العربى وتزداد عنفاً كل يوم بالتصاعد – من هم أطرافها، وما هو هدفها؟
وهذا السؤال، يستحق فى الإجابة عنه أكبر قسط من الصراحة، طلباً للوضوح، الذى يتوقف عليه إلى حد بعيد سير المعركة ونتيجتها.
وإذا جاز لى، وقد طرحت السؤال، أن أحاول الإجابة عنه، فتصورى أن أقول بما يلى:
– إن هذه المعركة، هى مرحلة فى الحرب الممتدة بين الأمة العربية وبين قوى الاستعمار – التقليدى والجديد – الراغبة – ضمن مخططها العالمى – فى استبقاء سيطرتها السياسية والاقتصادية – والعسكرية تبعاً لذلك – على شعوب هذه الأمة العربية!
وليست هذه هى الحقيقة فقط، ولكنها الحقيقة التى لا ينبغى أن تغيب عن الأذهان أبداً والتى لا يجوز أن يشوبها خلط أو ينسحب فوقها غطاء!
أى أن المعركة:
– ليست صراعاً داخلياً فى العالم العربى بين القاهرة والثورة، وبين الرياض والعرش كما أنها:
– ليست صراعاً دخيلاً على العالم العربى بين الاتحاد السوفيتى، وبين الولايات المتحدة الأمريكية.
وقبول أى هذين الاحتمالين، أو حتى مجرد تصوره، تقليل من قدر المعركة وإساءة إلى النضال العربى لا تغتفر!
إن المعركة لا يمكن أن تكون صراعاً داخلياً فى العالم العربى بين القاهرة الثورة وبين الرياض والعرش، أو صداماً بين جمال عبدالناصر والملك فيصل إلا بقدر ما كانت المعركة السابقة للأمة العربية – فى حربها الممتدة – صراعات داخلية أو صدامات شخصية.
وهل كانت معركة سنة 1955 بين القاهرة وبغداد صراعاً داخلياً أو صداماً شخصياً بين جمال عبدالناصر ونورى السعيد؟
كان موضوع المعركة والصدام هو: حلف بغداد!
وهل كانت معركة سنة 1957 بين القاهرة والرياض صراعاً داخلياً أو صداماً شخصياً بين جمال عبدالناصر والملك سعود؟
كان موضوع المعركة والصدام هو: مشروع إيزنهاور!
– وهل يمكن أن تكون معركة سنة 1966 بين القاهرة والرياض صراعاً داخلياً أو صداماً شخصياً بين جمال عبدالناصر والملك فيصل؟
موضوع الصدام هو: الحلف المسمى بالإسلامى والذى كشفه الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية – دوايت إيزنهاور – فى مذكراته، والذى كان مقدراً للملك سعود أن يلعب فيه دور “بابا الإسلام” فلما سقط على أبواب ذلك الدور، أزيح جسده وتقدم ملك جديد فى السعودية لأدائه، فى جو كان ظن المخرجين أنه أكثر ملائمةً وتحت مؤثرات كان – ظنهم – أيضاً أن تكون أكثر كفاءة.
ليست المعركة إذن صراعاً داخلياً أو صداماً شخصياً فإن الملك فيصل ليس صاحب الحلف المسمى بالإسلامى، إلا بقدر ما كان نورى السعيد صاحب حلف بغداد، وبقدر ما كان الملك سعود صاحب مشروع إيزنهاور!
إنما المعركة كما قلت مرحلة فى الحرب الممتدة بين الأمة العربية وبين قوى الاستعمار – التقليدى والجديد – الراغبة – ضمن مخططها العالمى – فى استبقاء سيطرتها السياسية والاقتصادية – والعسكرية تبعاً لذلك – على شعوب هذه الأمة العربية!
ولقد كان الاستعمار هو الأب الفعلى لحلف بغداد ولمشروع إيزنهاور وللحلف المسمى بالإسلامى.
وكان القصد هو السيطرة.
ومن ناحية أخرى فإن المعركة لا يمكن أن تكون صراعاً دخيلاً على العالم العربى بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية!
لقد كان ذلك هو القالب الحديدى الضيق الذى أراد “جون فوستر دالاس” وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية أيام رئاسة إيزنهاور أن يفرضه على كل الثورات الوطنية والقومية، بما فى ذلك ثورة القومية العربية.
إن دالاس بمنطق الكاهن المتعصب حاول أن يقسم الدنيا قسمين: جنة واشنطن وجحيم موسكو كما كان يتصور، وكان رأيه أن الأحرار الأخيار لا بد أن يقفوا تحت العلم الأمريكى، كما أن الذين يقفون تحت العلم السوفيتى هم العبيد والأشرار!
ولقد رفضت حركة الثورة الوطنية – بأصالةً وحزم – هذا التقسيم الأحمق من أساسه وأصرت على استقلالها مهما كان من تصورات دالاس، وصممت على أن ترى الأمور بعينيها هى وليس بعينى كاهن متعصب!
وفى سبيل ذلك وتحقيقه وتأكيده، فإن الحركة القومية الثورية العربية بالذات خاضت الأهوال حتى لا تسمح بهذا الاستقطاب – على الصعيد الدولى بين الغرب والشرق.
وفى أصعب الظروف فإن الحركة الثورية العربية كانت تشرح للأعداء وللأصدقاء معاً مبادئها، ولكنها كانت تحتفظ لنفسها – وحدها – بكل خططها!
كانت تشرح مبادئها وتترك لكل طرف من الأطراف – فى المجتمع الدولى – حق أن يحدد موقفه مع المبادئ أو ضدها.
وكانت تكتم خططها – عن الأعداء والأصدقاء معاً – معتبرةً وبأصالة أن ذلك ليس ضمان النجاح فقط ولكنه معيار الاستقلال الكامل أولاً وأخيراً.
وعلى سبيل المثال، فإن مصر وهى ترفض حلف بغداد، وترفض ضمنه وضمن غيره من الأحلاف العسكرية – أن تجعل من أرضها قواعد لحصار الاتحاد السوفيتى وتهديده، فعلت ذلك بغير اتصال – على الإطلاق – بالاتحاد السوفيتى، ولم تفكر – ولو لدقيقة واحدة – أن تتصل به لتسأله: ماذا يكون موقفه لو تعرضت هى للعدوان فى رفضها أن تكون قاعدة للعدوان ضده!
مثال أوضح فى تأميم قناة السويس، فإن الاتحاد السوفيتى فوجئ كما فوجئت الولايات المتحدة الأمريكية بقرار التأميم.
ولم يصدر عن الاتحاد السوفيتى وقتها رد فعل فورى للخطوة الثورية الجريئة التى اتخذتها مصر، ومضت أربع وعشرون ساعة ملفوفة بالصمت فى موسكو، بحث فيها الموقف الطارئ وعواقبه بغير شك، ثم أعلن الاتحاد السوفيتى بعدها تقديره وتأييده.
مثال أشد وضوحاً فى حرب السويس فإن مصر بينما القنابل تنزل عليها وبينما الأساطيل والجيوش القادمة من كل اتجاه توشك أن تقتحم شواطئها – لم تسأل الاتحاد السوفيتى، ولم تفكر لدقيقة واحدة أن تسأله، ما هو رأيه وكيف يستطيع أن يهرع لنجدتها ومتى؟
ومضى أسبوع، وعشرة أيام، قبل أن يحدد الاتحاد السوفيتى موقفه ويصدر إنذاره الشهير إلى المعتدين.
مثال أشد وأشد وضوحاً فى اليمن، فإن مصر أرسلت قواتها للقتال على بعد ألفى ميل من أرضها، دون أن تسأل أو تفكر لدقيقة واحدة فى أن تسأل الاتحاد السوفيتى: ما العمل إذا تعرضت هناك فى اليمن، بجوار أكبر قواعد الاستعمار البريطانى فى المنطقة – لعمليات أوسع وأخطر.
فى ذلك كله، وفى غيره، كانت مصر تؤمن بأن الذى يخطر مقدماً بخططه إنما يريد – ولو بشكل غير مباشر – أن يحصل على الضمان قبل أية مخاطرة.
وذلك – ولو بشكل غير مباشر- معناه أنه يريد أن يحصل على إذن بالتحرك.
وذلك – ولو بشكل غير مباشر – معناه أنه يعرض نفسه لمن يقول له:
لا. لا تقدم. ليس الآن على الأقل!
وذلك – ولو بشكل غير مباشر – معناه ضياع الاستقلال وحرية العمل.
هكذا فإن الاتحاد السوفيتى لم يكن هو الذى حارب عنا معركة الأحلاف، ولا كان هو الذى حارب عنا معركة السويس، ولا كان هو الذى حارب عنا معركة اليمن ولا غيرها من المعارك، فى الأمس أو اليوم أو غداً.
إن الحركة الثورية العربية وجدت الحل الصحيح والصيغة الأصيلة:
تعلن مبادئها للكل، ولا تعلن خططها لأحد.
وتتحرك بالاستقلال كله لأن الحرب حربها والمصير مصيرها، ثم تترك للآخرين أن يختاروا مواقفهم: مع المبادئ أو عليها.
ومن حسن الحظ، وهذه شهادة الاتحاد السوفيتى، إنه فى كل مرة اختار جانب المبادئ، وكان ذلك هو المنطقى بالنسبة له وباعتباره قوة عظيمة فى جبهة القوى العالمية المناهضة للاستعمار العالمى!
وإذن مرة أخرى، فهذه المعركة – كما قلت – مرحلة فى الحرب الممتدة بين الأمة العربية وبين قوى الاستعمار التقليدى والجديد – الراغبة – ضمن مخططها العالمى – فى استيفاء سيطرتها السياسية والاقتصادية – والعسكرية تبعاً لذلك – على شعوب هذه الأمة العربية!
ينبنى على ذلك سؤال:
– إذن لماذا التركيز بالدرجة الأولى فى هذه المعركة، التى تدور الآن، على الملك فيصل قبل غيره، حتى قبل الاستعمار الذى يحركه ويرسم له دوره الذى يقوم به؟
فى محاولة للرد على هذا السؤال الذى تداعى منطقياً من سؤال سبقه – أقول:
1- إن الاستعمار قوة عالمية هائلة، ولا تستطيع الأمة العربية أن تنذر نفسها للقضاء عليه فى كل مكان وتعتبر ذلك جهاداً مقدساً لا تقف دونه.
ذلك فوق طاقتها، ثم إن ذلك مسئوليتها ومسئولية غيرها من الذين يؤمنون بالحرية ويناضلون من أجلها.
وهى مكلفة – قبل أى شىء آخر – بالحرب على أرضها، وبالتأييد المعنوى لغيرها ممن يحاربون على أراضيهم.
بل إن الأمة العربية لو استطاعت تحقيق النصر على أرضها لكانت بذلك تسدى أجل الخدمات لقضية الحرية عموماً فى كل مكان.
2- فى نفس الوقت فإن الاستعمار – بطبيعة العصر وروحه وأحكامه – وأبرزها ميزان الرعب النووى – لم يعد يستطيع أن يلجأ إلى أسلوب القوة القاهرة فى فرض سيطرته على الشعوب التى ترفض هذه السيطرة وتثور ضدها.
ومعنى ذلك أن الاستعمار لم يعد يقدر على الظهور سافراً.
فى حلف بغداد عرض نورى السعيد وفى مشروع إيزنهاور عرض الملك سعود وفى الحلف المسمى بالإسلامى عرض الملك فيصل.
كل ذلك تم تحت تكتيك العمل من الداخل وليس الزحف من الخارج!
3- يترتب على ذلك كله:
على أن الأمة العربية لا تستطيع الخروج من حدودها لمقاومة الاستعمار وحربه فى أى مكان.
على أن الاستعمار لا يستطيع أن يدخل إلى حدود الأمة العربية ظاهراً وسافراً لإخضاعها فى أى وقت.
يترتب عليه أن ضرورات النصر تحتم القضاء على قواعد الاستعمار وركائزه فى الداخل، وإن تحطيمها قاعدة بعد قاعدة وركيزة بعد ركيزة هو الأسلوب الممكن – فى الدرجة الأولى – والمطلوب فى كل معركة ضد الاستعمار.
ولقد انتهت معركة حلف بغداد بسقوط نورى السعيد، وانتهت معركة مشروع إيزنهاور بسقوط الملك سعود، وذلك ما لابد أن يحدث فى معركة الحلف المسمى بالإسلامى.
وإذا نظرنا من حولنا الآن والمعركة محتدمة فى الشرق العربى، تزداد عنفاً كل يوم بالتصاعد – فإننا نجد أن كل الخطط المعادية لحرية الأمة العربية وأمنها ليس لها غير الملك فيصل منذ تولى عرش الرياض بعد سقوط الملك سعود فى نهاية معركة سابقة:
– الملك فيصل هو الذى يقوم بعملية إغراق الكيان المتميز للأمة العربية فى بحر الدعوة المشبوهة إلى الحلف المسمى بالإسلامى، ولم يجد مؤيدين له فيه حتى الآن غير محمد رضا بهلوى فى طهران، والحبيب بورقيبة فى تونس، وهذا يكشفه أكثر من أى شىء آخر ويكفيه!
– والملك فيصل هو الذى يتصدر لمحاولة عزل مصر فى العالم العربى – حلم دالاس القديم – ومن هنا يضغط على الكويت، ويجدد اتفاقية الطائف مع الأردن، ويرصد الاعتمادات للتآمر على سوريا، حتى أن القصر الملكى فى الرياض الآن أصبح مقصداً لكل أركان الحكم الانفصالى الرجعى فى سوريا.
– والملك فيصل هو الذى يتصدى لتنفيذ المشروعات البريطانية فى شبه الجزيرة العربية، حتى أن بريطانيا الآن فى اللحظات الحاسمة من الكفاح المسلح لتحرير الجنوب العربى – تنصح السلاطين هناك صراحةً بالتعاون مع الملك فيصل، أقول ذلك نقلاً عن وثيقة رسمية بريطانية تسجل اجتماع الحاكم البريطانى العام فى عدن يوم 28 فبراير 1966 مع بعض السلاطين أثناء زيارته لحضر موت، وفى البند الثانى عشر من هذه الوثيقة نص يقول:
“وذكّر سعادته الوزراء إلى الحاجة فى إقرار التقدم إلى الملك فيصل”.
– والملك فيصل هو الذى تولى – بعد هزيمة سعود وسقوطه. مهمة التآمر على الجيش المصرى فى اليمن. ومتعاوناً فى ذلك مع سلطات الاحتلال البريطانى فى الجنوب العربى، ومستعيناً فى ذلك بجيش من المرتزقة الأجانب الإنجليز والفرنسيين والألمان، وفعل ذلك وهو يعرف ما يفعل لدرجة أن الوفد الذى جاء من السعودية لحضور مؤتمر حرض كان يضم بين من يضم الأمريكى القبيح كيندى الذى تظاهر بالإسلام وأسمى نفسه “عبدالرحمن كنده” والذى يعرف كل مسئول سعودى أنه ممثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مع فلول أسرة حميد الدين فى السعودية!
– والملك فيصل هو الذى تقدم مندفعاً لعداء مصر.
يصرف الأموال الطائلة لاستئجار الإرهابيين على أحدهم يطلق رصاصه أو يلقى قنبلة فى مصر، يصرف الأموال الطائلة فى نفس الوقت لكل صاحب قلم فى الشرق والغرب يعرض بيع قلمه بمدح الملك أو على الأقل بذم عبدالناصر!
ينتهى ذلك بنا – بالتداعى المنطقى أيضاً – إلى سؤال:
– هل معنى ذلك أن الملك فيصل مجرد أداة؟
وفى محاولة للرد – أخيراً – على هذا السؤال أقول:
– ذلك تعميم ليس من السهل القطع به وأغلب الظن أنه تجن على علاقات القوى.
إن الملك فيصل – من وجهة نظره – صاحب مصلحة أيضاً فى أن يقوم بما يقوم به.
هو فكراً ومصلحةً – يخشى التطور العربى ويخاف من الثورة العربية، وتكاد الخشية والخوف أن يصلا به إلى الكراهية والحقد.
أى إنه قد يكون أداة فى الجزء الأكبر مما يقوم به ولكنه – بالتأكيد – طرف فيه أيضاً.
ونحن أحياناً – على سبيل التشبيه والتقريب – نقول بأن إسرائيل ليست إلا أداة للاستعمار يريد بها أن يقطع وحدة الأمة العربية ويهدد أمنها ويمتص طاقتها!
لكن ذلك القول جزء من الحقيقة وليس هو كل الحقيقة!
إسرائيل أداة فى الجزء الأكبر من وجودها.
لكنها فى نفس الوقت طرف بحكم خطط العنصرية الصهيونية ولها إلى جانب مطامع الاستعمار ومخططاته – مطامعها هى ومخططاته هى!
الملك فيصل شىء من نفس النوع.
هو أداة فى الجزء الأكبر مما يقوم به، ولكنه فى الجزء الباقى – مهما كان قليلاً – فاعل أصلى!
له مطامعه. وله مخططاته فى حلف الاستعمار والرجعية!
والذى يستحق التأمل أن الملك فيصل فى الدور الذى يقوم به لحساب نفسه، لحساب مطامعه ومخططاته هو – لا يستطيع أن يواجه المعركة بقواه الذاتية، وإنما هو يحاول أن يستعمل القوى التى تستعمله.
من هنا فإن الجهد الكبير فى سياسة الملك فيصل هو العمل بكل الوسائل حتى يقع الصدام المباشر والعنيف بين الجمهورية العربية المتحدة وبين الولايات المتحدة الأمريكية، ويتصور الملك بمنطق دسائس القصور، أنه بما أن الولايات المتحدة الأمريكية هى الجانب الأقوى فى مثل هذا الصدام المباشر والعنيف – إذا جرى – فإن النهاية إذن مضمونة وعلى هواه!
ومثلاً راح الملك يلح فى الرجاء على واشنطن أن تسند موقفه بكل وسيلة للضغط تستطيع أن تمارسها ضد القاهرة.
– ومثلاً توهم الملك أنه يستطيع أن يمضى فى سياسته تجاه اليمن والجيش المصرى فيها بغير رادع، فلما تلقى التحذير بتصميم مصر على ضرب قواعد العدوان، هرع إلى الولايات المتحدة الأمريكية يطلب ضماناً – أعطى له بالفعل.
– ومثلاً هرول الملك يشترى من الولايات المتحدة سلاحاً، ولم يكلفه السلاح مئات ملايين الدولارات نقداً وعداً فحسب، وإنما أخطر من ذلك كلف الأمة العربية صفقة سلاح أمريكية لإسرائيل أعطيت فى حماية الصفقة الملكية السعودية وتستراً بها.
– ومثلاً وصل الأمر إلى حد أن الملك أحتج على الولايات المتحدة الأمريكية لأنها بعثت بالمستر أفريل هاريمان سفيرها المتجول إلى القاهرة، يسأل الرئيس جمال عبدالناصر وساطته فى أزمة فيتنام وذهب أحد الأمراء مندوباً خاصاً عن الملك إلى واشنطن يقول للمسئولين فيها:
– ذهابكم للقاهرة فى طلب وساطة عبدالناصر يرفع هيبته فى العالم العربى. لماذا لم تطلبوا الوساطة من الملك فيصل. هو على استعداد للقيام بها!
حتى فى واشنطن – وبحبهم الشديد للملك فيصل وأملهم الكبير فيه – اعتبروا مثل ذلك العرض على أحسن الفروض – نكته لا تضحك سامعيها بقدر ما تغيظهم!
وفى هذا كله فات الملك أن القدر لم يعد أمريكياً، وإنه مهما كان من استعدائه على مصر، ومهما كان ما أعطى إليه من الضمانات ومن السلاح فإن التاريخ له حسابات أخرى، أقوى من أمريكا، وأعمق من دسائس القصور.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=566

بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: المعركة. وأطراف المعركة!

المعركة. وأطراف المعركة!
حتى يكون كل شىء فى مكانه، وفى وضعه الصحيح، فإنى أريد أن أطرح فى هذا الحديث سؤالاً:
– هذه المعركة التى تحتدم الآن فى الشرق العربى وتزداد عنفاً كل يوم بالتصاعد – من هم أطرافها، وما هو هدفها؟
وهذا السؤال، يستحق فى الإجابة عنه أكبر قسط من الصراحة، طلباً للوضوح، الذى يتوقف عليه إلى حد بعيد سير المعركة ونتيجتها.
وإذا جاز لى، وقد طرحت السؤال، أن أحاول الإجابة عنه، فتصورى أن أقول بما يلى:
– إن هذه المعركة، هى مرحلة فى الحرب الممتدة بين الأمة العربية وبين قوى الاستعمار – التقليدى والجديد – الراغبة – ضمن مخططها العالمى – فى استبقاء سيطرتها السياسية والاقتصادية – والعسكرية تبعاً لذلك – على شعوب هذه الأمة العربية!
وليست هذه هى الحقيقة فقط، ولكنها الحقيقة التى لا ينبغى أن تغيب عن الأذهان أبداً والتى لا يجوز أن يشوبها خلط أو ينسحب فوقها غطاء!
أى أن المعركة:
– ليست صراعاً داخلياً فى العالم العربى بين القاهرة والثورة، وبين الرياض والعرش كما أنها:
– ليست صراعاً دخيلاً على العالم العربى بين الاتحاد السوفيتى، وبين الولايات المتحدة الأمريكية.
وقبول أى هذين الاحتمالين، أو حتى مجرد تصوره، تقليل من قدر المعركة وإساءة إلى النضال العربى لا تغتفر!
إن المعركة لا يمكن أن تكون صراعاً داخلياً فى العالم العربى بين القاهرة الثورة وبين الرياض والعرش، أو صداماً بين جمال عبدالناصر والملك فيصل إلا بقدر ما كانت المعركة السابقة للأمة العربية – فى حربها الممتدة – صراعات داخلية أو صدامات شخصية.
وهل كانت معركة سنة 1955 بين القاهرة وبغداد صراعاً داخلياً أو صداماً شخصياً بين جمال عبدالناصر ونورى السعيد؟
كان موضوع المعركة والصدام هو: حلف بغداد!
وهل كانت معركة سنة 1957 بين القاهرة والرياض صراعاً داخلياً أو صداماً شخصياً بين جمال عبدالناصر والملك سعود؟
كان موضوع المعركة والصدام هو: مشروع إيزنهاور!
– وهل يمكن أن تكون معركة سنة 1966 بين القاهرة والرياض صراعاً داخلياً أو صداماً شخصياً بين جمال عبدالناصر والملك فيصل؟
موضوع الصدام هو: الحلف المسمى بالإسلامى والذى كشفه الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية – دوايت إيزنهاور – فى مذكراته، والذى كان مقدراً للملك سعود أن يلعب فيه دور “بابا الإسلام” فلما سقط على أبواب ذلك الدور، أزيح جسده وتقدم ملك جديد فى السعودية لأدائه، فى جو كان ظن المخرجين أنه أكثر ملائمةً وتحت مؤثرات كان – ظنهم – أيضاً أن تكون أكثر كفاءة.
ليست المعركة إذن صراعاً داخلياً أو صداماً شخصياً فإن الملك فيصل ليس صاحب الحلف المسمى بالإسلامى، إلا بقدر ما كان نورى السعيد صاحب حلف بغداد، وبقدر ما كان الملك سعود صاحب مشروع إيزنهاور!
إنما المعركة كما قلت مرحلة فى الحرب الممتدة بين الأمة العربية وبين قوى الاستعمار – التقليدى والجديد – الراغبة – ضمن مخططها العالمى – فى استبقاء سيطرتها السياسية والاقتصادية – والعسكرية تبعاً لذلك – على شعوب هذه الأمة العربية!
ولقد كان الاستعمار هو الأب الفعلى لحلف بغداد ولمشروع إيزنهاور وللحلف المسمى بالإسلامى.
وكان القصد هو السيطرة.
ومن ناحية أخرى فإن المعركة لا يمكن أن تكون صراعاً دخيلاً على العالم العربى بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية!
لقد كان ذلك هو القالب الحديدى الضيق الذى أراد “جون فوستر دالاس” وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية أيام رئاسة إيزنهاور أن يفرضه على كل الثورات الوطنية والقومية، بما فى ذلك ثورة القومية العربية.
إن دالاس بمنطق الكاهن المتعصب حاول أن يقسم الدنيا قسمين: جنة واشنطن وجحيم موسكو كما كان يتصور، وكان رأيه أن الأحرار الأخيار لا بد أن يقفوا تحت العلم الأمريكى، كما أن الذين يقفون تحت العلم السوفيتى هم العبيد والأشرار!
ولقد رفضت حركة الثورة الوطنية – بأصالةً وحزم – هذا التقسيم الأحمق من أساسه وأصرت على استقلالها مهما كان من تصورات دالاس، وصممت على أن ترى الأمور بعينيها هى وليس بعينى كاهن متعصب!
وفى سبيل ذلك وتحقيقه وتأكيده، فإن الحركة القومية الثورية العربية بالذات خاضت الأهوال حتى لا تسمح بهذا الاستقطاب – على الصعيد الدولى بين الغرب والشرق.
وفى أصعب الظروف فإن الحركة الثورية العربية كانت تشرح للأعداء وللأصدقاء معاً مبادئها، ولكنها كانت تحتفظ لنفسها – وحدها – بكل خططها!
كانت تشرح مبادئها وتترك لكل طرف من الأطراف – فى المجتمع الدولى – حق أن يحدد موقفه مع المبادئ أو ضدها.
وكانت تكتم خططها – عن الأعداء والأصدقاء معاً – معتبرةً وبأصالة أن ذلك ليس ضمان النجاح فقط ولكنه معيار الاستقلال الكامل أولاً وأخيراً.
وعلى سبيل المثال، فإن مصر وهى ترفض حلف بغداد، وترفض ضمنه وضمن غيره من الأحلاف العسكرية – أن تجعل من أرضها قواعد لحصار الاتحاد السوفيتى وتهديده، فعلت ذلك بغير اتصال – على الإطلاق – بالاتحاد السوفيتى، ولم تفكر – ولو لدقيقة واحدة – أن تتصل به لتسأله: ماذا يكون موقفه لو تعرضت هى للعدوان فى رفضها أن تكون قاعدة للعدوان ضده!
مثال أوضح فى تأميم قناة السويس، فإن الاتحاد السوفيتى فوجئ كما فوجئت الولايات المتحدة الأمريكية بقرار التأميم.
ولم يصدر عن الاتحاد السوفيتى وقتها رد فعل فورى للخطوة الثورية الجريئة التى اتخذتها مصر، ومضت أربع وعشرون ساعة ملفوفة بالصمت فى موسكو، بحث فيها الموقف الطارئ وعواقبه بغير شك، ثم أعلن الاتحاد السوفيتى بعدها تقديره وتأييده.
مثال أشد وضوحاً فى حرب السويس فإن مصر بينما القنابل تنزل عليها وبينما الأساطيل والجيوش القادمة من كل اتجاه توشك أن تقتحم شواطئها – لم تسأل الاتحاد السوفيتى، ولم تفكر لدقيقة واحدة أن تسأله، ما هو رأيه وكيف يستطيع أن يهرع لنجدتها ومتى؟
ومضى أسبوع، وعشرة أيام، قبل أن يحدد الاتحاد السوفيتى موقفه ويصدر إنذاره الشهير إلى المعتدين.
مثال أشد وأشد وضوحاً فى اليمن، فإن مصر أرسلت قواتها للقتال على بعد ألفى ميل من أرضها، دون أن تسأل أو تفكر لدقيقة واحدة فى أن تسأل الاتحاد السوفيتى: ما العمل إذا تعرضت هناك فى اليمن، بجوار أكبر قواعد الاستعمار البريطانى فى المنطقة – لعمليات أوسع وأخطر.
فى ذلك كله، وفى غيره، كانت مصر تؤمن بأن الذى يخطر مقدماً بخططه إنما يريد – ولو بشكل غير مباشر – أن يحصل على الضمان قبل أية مخاطرة.
وذلك – ولو بشكل غير مباشر- معناه أنه يريد أن يحصل على إذن بالتحرك.
وذلك – ولو بشكل غير مباشر – معناه أنه يعرض نفسه لمن يقول له:
لا. لا تقدم. ليس الآن على الأقل!
وذلك – ولو بشكل غير مباشر – معناه ضياع الاستقلال وحرية العمل.
هكذا فإن الاتحاد السوفيتى لم يكن هو الذى حارب عنا معركة الأحلاف، ولا كان هو الذى حارب عنا معركة السويس، ولا كان هو الذى حارب عنا معركة اليمن ولا غيرها من المعارك، فى الأمس أو اليوم أو غداً.
إن الحركة الثورية العربية وجدت الحل الصحيح والصيغة الأصيلة:
تعلن مبادئها للكل، ولا تعلن خططها لأحد.
وتتحرك بالاستقلال كله لأن الحرب حربها والمصير مصيرها، ثم تترك للآخرين أن يختاروا مواقفهم: مع المبادئ أو عليها.
ومن حسن الحظ، وهذه شهادة الاتحاد السوفيتى، إنه فى كل مرة اختار جانب المبادئ، وكان ذلك هو المنطقى بالنسبة له وباعتباره قوة عظيمة فى جبهة القوى العالمية المناهضة للاستعمار العالمى!
وإذن مرة أخرى، فهذه المعركة – كما قلت – مرحلة فى الحرب الممتدة بين الأمة العربية وبين قوى الاستعمار التقليدى والجديد – الراغبة – ضمن مخططها العالمى – فى استيفاء سيطرتها السياسية والاقتصادية – والعسكرية تبعاً لذلك – على شعوب هذه الأمة العربية!
ينبنى على ذلك سؤال:
– إذن لماذا التركيز بالدرجة الأولى فى هذه المعركة، التى تدور الآن، على الملك فيصل قبل غيره، حتى قبل الاستعمار الذى يحركه ويرسم له دوره الذى يقوم به؟
فى محاولة للرد على هذا السؤال الذى تداعى منطقياً من سؤال سبقه – أقول:
1- إن الاستعمار قوة عالمية هائلة، ولا تستطيع الأمة العربية أن تنذر نفسها للقضاء عليه فى كل مكان وتعتبر ذلك جهاداً مقدساً لا تقف دونه.
ذلك فوق طاقتها، ثم إن ذلك مسئوليتها ومسئولية غيرها من الذين يؤمنون بالحرية ويناضلون من أجلها.
وهى مكلفة – قبل أى شىء آخر – بالحرب على أرضها، وبالتأييد المعنوى لغيرها ممن يحاربون على أراضيهم.
بل إن الأمة العربية لو استطاعت تحقيق النصر على أرضها لكانت بذلك تسدى أجل الخدمات لقضية الحرية عموماً فى كل مكان.
2- فى نفس الوقت فإن الاستعمار – بطبيعة العصر وروحه وأحكامه – وأبرزها ميزان الرعب النووى – لم يعد يستطيع أن يلجأ إلى أسلوب القوة القاهرة فى فرض سيطرته على الشعوب التى ترفض هذه السيطرة وتثور ضدها.
ومعنى ذلك أن الاستعمار لم يعد يقدر على الظهور سافراً.
فى حلف بغداد عرض نورى السعيد وفى مشروع إيزنهاور عرض الملك سعود وفى الحلف المسمى بالإسلامى عرض الملك فيصل.
كل ذلك تم تحت تكتيك العمل من الداخل وليس الزحف من الخارج!
3- يترتب على ذلك كله:
على أن الأمة العربية لا تستطيع الخروج من حدودها لمقاومة الاستعمار وحربه فى أى مكان.
على أن الاستعمار لا يستطيع أن يدخل إلى حدود الأمة العربية ظاهراً وسافراً لإخضاعها فى أى وقت.
يترتب عليه أن ضرورات النصر تحتم القضاء على قواعد الاستعمار وركائزه فى الداخل، وإن تحطيمها قاعدة بعد قاعدة وركيزة بعد ركيزة هو الأسلوب الممكن – فى الدرجة الأولى – والمطلوب فى كل معركة ضد الاستعمار.
ولقد انتهت معركة حلف بغداد بسقوط نورى السعيد، وانتهت معركة مشروع إيزنهاور بسقوط الملك سعود، وذلك ما لابد أن يحدث فى معركة الحلف المسمى بالإسلامى.
وإذا نظرنا من حولنا الآن والمعركة محتدمة فى الشرق العربى، تزداد عنفاً كل يوم بالتصاعد – فإننا نجد أن كل الخطط المعادية لحرية الأمة العربية وأمنها ليس لها غير الملك فيصل منذ تولى عرش الرياض بعد سقوط الملك سعود فى نهاية معركة سابقة:
– الملك فيصل هو الذى يقوم بعملية إغراق الكيان المتميز للأمة العربية فى بحر الدعوة المشبوهة إلى الحلف المسمى بالإسلامى، ولم يجد مؤيدين له فيه حتى الآن غير محمد رضا بهلوى فى طهران، والحبيب بورقيبة فى تونس، وهذا يكشفه أكثر من أى شىء آخر ويكفيه!
– والملك فيصل هو الذى يتصدر لمحاولة عزل مصر فى العالم العربى – حلم دالاس القديم – ومن هنا يضغط على الكويت، ويجدد اتفاقية الطائف مع الأردن، ويرصد الاعتمادات للتآمر على سوريا، حتى أن القصر الملكى فى الرياض الآن أصبح مقصداً لكل أركان الحكم الانفصالى الرجعى فى سوريا.
– والملك فيصل هو الذى يتصدى لتنفيذ المشروعات البريطانية فى شبه الجزيرة العربية، حتى أن بريطانيا الآن فى اللحظات الحاسمة من الكفاح المسلح لتحرير الجنوب العربى – تنصح السلاطين هناك صراحةً بالتعاون مع الملك فيصل، أقول ذلك نقلاً عن وثيقة رسمية بريطانية تسجل اجتماع الحاكم البريطانى العام فى عدن يوم 28 فبراير 1966 مع بعض السلاطين أثناء زيارته لحضر موت، وفى البند الثانى عشر من هذه الوثيقة نص يقول:
“وذكّر سعادته الوزراء إلى الحاجة فى إقرار التقدم إلى الملك فيصل”.
– والملك فيصل هو الذى تولى – بعد هزيمة سعود وسقوطه. مهمة التآمر على الجيش المصرى فى اليمن. ومتعاوناً فى ذلك مع سلطات الاحتلال البريطانى فى الجنوب العربى، ومستعيناً فى ذلك بجيش من المرتزقة الأجانب الإنجليز والفرنسيين والألمان، وفعل ذلك وهو يعرف ما يفعل لدرجة أن الوفد الذى جاء من السعودية لحضور مؤتمر حرض كان يضم بين من يضم الأمريكى القبيح كيندى الذى تظاهر بالإسلام وأسمى نفسه “عبدالرحمن كنده” والذى يعرف كل مسئول سعودى أنه ممثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مع فلول أسرة حميد الدين فى السعودية!
– والملك فيصل هو الذى تقدم مندفعاً لعداء مصر.
يصرف الأموال الطائلة لاستئجار الإرهابيين على أحدهم يطلق رصاصه أو يلقى قنبلة فى مصر، يصرف الأموال الطائلة فى نفس الوقت لكل صاحب قلم فى الشرق والغرب يعرض بيع قلمه بمدح الملك أو على الأقل بذم عبدالناصر!
ينتهى ذلك بنا – بالتداعى المنطقى أيضاً – إلى سؤال:
– هل معنى ذلك أن الملك فيصل مجرد أداة؟
وفى محاولة للرد – أخيراً – على هذا السؤال أقول:
– ذلك تعميم ليس من السهل القطع به وأغلب الظن أنه تجن على علاقات القوى.
إن الملك فيصل – من وجهة نظره – صاحب مصلحة أيضاً فى أن يقوم بما يقوم به.
هو فكراً ومصلحةً – يخشى التطور العربى ويخاف من الثورة العربية، وتكاد الخشية والخوف أن يصلا به إلى الكراهية والحقد.
أى إنه قد يكون أداة فى الجزء الأكبر مما يقوم به ولكنه – بالتأكيد – طرف فيه أيضاً.
ونحن أحياناً – على سبيل التشبيه والتقريب – نقول بأن إسرائيل ليست إلا أداة للاستعمار يريد بها أن يقطع وحدة الأمة العربية ويهدد أمنها ويمتص طاقتها!
لكن ذلك القول جزء من الحقيقة وليس هو كل الحقيقة!
إسرائيل أداة فى الجزء الأكبر من وجودها.
لكنها فى نفس الوقت طرف بحكم خطط العنصرية الصهيونية ولها إلى جانب مطامع الاستعمار ومخططاته – مطامعها هى ومخططاته هى!
الملك فيصل شىء من نفس النوع.
هو أداة فى الجزء الأكبر مما يقوم به، ولكنه فى الجزء الباقى – مهما كان قليلاً – فاعل أصلى!
له مطامعه. وله مخططاته فى حلف الاستعمار والرجعية!
والذى يستحق التأمل أن الملك فيصل فى الدور الذى يقوم به لحساب نفسه، لحساب مطامعه ومخططاته هو – لا يستطيع أن يواجه المعركة بقواه الذاتية، وإنما هو يحاول أن يستعمل القوى التى تستعمله.
من هنا فإن الجهد الكبير فى سياسة الملك فيصل هو العمل بكل الوسائل حتى يقع الصدام المباشر والعنيف بين الجمهورية العربية المتحدة وبين الولايات المتحدة الأمريكية، ويتصور الملك بمنطق دسائس القصور، أنه بما أن الولايات المتحدة الأمريكية هى الجانب الأقوى فى مثل هذا الصدام المباشر والعنيف – إذا جرى – فإن النهاية إذن مضمونة وعلى هواه!
ومثلاً راح الملك يلح فى الرجاء على واشنطن أن تسند موقفه بكل وسيلة للضغط تستطيع أن تمارسها ضد القاهرة.
– ومثلاً توهم الملك أنه يستطيع أن يمضى فى سياسته تجاه اليمن والجيش المصرى فيها بغير رادع، فلما تلقى التحذير بتصميم مصر على ضرب قواعد العدوان، هرع إلى الولايات المتحدة الأمريكية يطلب ضماناً – أعطى له بالفعل.
– ومثلاً هرول الملك يشترى من الولايات المتحدة سلاحاً، ولم يكلفه السلاح مئات ملايين الدولارات نقداً وعداً فحسب، وإنما أخطر من ذلك كلف الأمة العربية صفقة سلاح أمريكية لإسرائيل أعطيت فى حماية الصفقة الملكية السعودية وتستراً بها.
– ومثلاً وصل الأمر إلى حد أن الملك أحتج على الولايات المتحدة الأمريكية لأنها بعثت بالمستر أفريل هاريمان سفيرها المتجول إلى القاهرة، يسأل الرئيس جمال عبدالناصر وساطته فى أزمة فيتنام وذهب أحد الأمراء مندوباً خاصاً عن الملك إلى واشنطن يقول للمسئولين فيها:
– ذهابكم للقاهرة فى طلب وساطة عبدالناصر يرفع هيبته فى العالم العربى. لماذا لم تطلبوا الوساطة من الملك فيصل. هو على استعداد للقيام بها!
حتى فى واشنطن – وبحبهم الشديد للملك فيصل وأملهم الكبير فيه – اعتبروا مثل ذلك العرض على أحسن الفروض – نكته لا تضحك سامعيها بقدر ما تغيظهم!
وفى هذا كله فات الملك أن القدر لم يعد أمريكياً، وإنه مهما كان من استعدائه على مصر، ومهما كان ما أعطى إليه من الضمانات ومن السلاح فإن التاريخ له حسابات أخرى، أقوى من أمريكا، وأعمق من دسائس القصور.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=566

بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: أضيئت الشمعة!

أضيئت الشمعة!
فى يوم الأحد الماضى – 9 فبراير – فى هذا المكان، وتحت هذا العنوان “أضيئوا شمعة” كتبت أقول بالحرف الواحد:
“لقد اتحدت مصر وسوريا.
ولربما كان العراق الحاكم لا يعجبه اتحاد مصر وسوريا، ومع ذلك فلماذا لا يجرب العراق الحاكم اتحاداً آخر يعجبه.
إن المجال مفتوح، والفرصة سانحة.
لماذا لا يحاول العراق الحاكم مثلاً أن يوحد العراق والأردن؟
إنهما شعب واحد، وبلد واحد، وأسرة حاكمة واحدة هى الأسرة الهاشمية”.
وقلت أيضاً بالحرف الواحد:
“إن الرأى العام العربى، يريد أن يرى قوة العراق على حدود إسرائيل، والرأى العام العربى، يريد أن يشعر أن إمكانيات البترول العراقى تسند خط الهدنة الطويل بين الأردن وإسرائيل.
إنها أمنية لا يجب أن تقف فى طريقها عقبات، حتى مشكلة العرش يمكن أن يكون لها حل. وما الذى يمنع – مثلاً – أن يتناوب الملكان فيصل وحسين عرش المملكة الهاشمية الجديدة”.
وقلت أيضاً بالحرف الواحد:
“ستكون القاهرة ودمشق ساعتها أول من يرفع الرايات ويدق الطبول ويهتف من قلبه:
– هذا اتحاد وليس تحدياً – كما وصف بعض ساسة العراق اتحاد مصر وسوريا – هذا للعرب مهما طال المدى وليس ضد العرب، هذا لنا، وليس – مهما حاولوا – علينا”.
وقلت أيضاً بالحرف الواحد:
“إننا سنبارك كل وحدة، فى أى مكان، بأى شكل، بواسطة أى شخص، وحتى ولو كان نورى السعيد سيوقعها عن العراق وسمير الرفاعى سيوقعها عن الأردن، سنباركها ونقول:
– لا يهم، سيذهب نورى السعيد يوماً، وسيذهب سمير الرفاعى، ولكن الوحدة ستبقى. للعرب”.
كان هذا يوم الأحد 9 فبراير.
ولم تكد تمضى ثمان وأربعون ساعة حتى تحركت الحوادث.
وطار فيصل إلى عمان ليلتقى بحسين.
ثم كان اتفاق الاتحاد الذى أعلن أمس.
ثم كان أن اتخذت التطورات فى شكلها الخارجى، كل ما كنا نتمنى أن نتخذه.
اتحاد، بطريقة ما، بشكل ما، بين العراق والأردن.
اتحاد، تجلس على رأسه الأسرة الهاشمية فى عرشين أحدهما فى بغداد والآخر فى عمان.
بل أكثر من ذلك، اتحاد اشترك فى توقيعه نورى السعيد وسمير الرفاعى.
ومع أن نورى السعيد لم يكن موجوداً أمس فى عمان، إلا أن آثاره كانت تشارك فى الاجتماع.
إن المادة التالية من الاتحاد الجديد تقول:
“تكون المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية التى سبق أن ارتبطت بها كل من الدولتين قبل قيام الاتحاد بينهما مرعية بالنسبة إلى الدولة التى عقدتها”.
ونص هذا المادة: هو أن العراق الحاكم متمسك بحلف بغداد، كما أن الأردن الحاكم متمسك بمشروع أيزنهاور.
وحلف بغداد فى العراق هو: نورى السعيد.
ومشروع أيزنهاور فى الأردن هو: سمير الرفاعى.
وإذن كان نورى السعيد هناك، مع أنه وصل أمس إلى لندن، وكان سمير الرفاعى مشتركاً فى التوقيع مرتين، مرة باسمه، ومرة باسم مشروع أيزنهاور.
ومع ذلك هذا كله لا يهم.
والشىء الوحيد الهام، هو أن خطوة إيجابية قد وقعت، بشكل ما، بطريقة ما، بواسطة أى من كان.
تلك كلها تفاصيل.
وأما الشىء الوحيد الذى يعتد به فى العملية كلها فهو أنها خطوة، وكل خطوة إلى أمام، ذلك قانون التطور الخالد.
إن الخطوة الهامة التى يحققها هذا الاتحاد فى رأينا هى أن جيش العراق فى طريقه إلى حدود إسرائيل.
وأن البترول العراقى قد اقترب من خط الهدنة.
وأن إمكانيات العراق المادية قد اتجهت إلى معسكرات اللاجئين.
وفى سبيل هذه الخطوة لا يهم كل ما جاء فى بيان الاتحاد غير ذلك.
لا يهم مثلاً كل هذا الكلام عن العروش الموروثة كابراً عن كابر، وجداً عن جد، وأباً عن أب، ولا تهم ألقاب التفخيم والتعظيم، والجلالة والسمو، والمنقذ الأعظم، والراعى الأكرم. إلى آخره.
ولا يهم مثلاً أن كلاً من الملكين شاء أن يحتفظ بعرشه.
ولا يهم مثلاً أن بيان الاتحاد يؤكد من جديد تمسك العراق الحاكم بحلف بغداد وتمسك الأردن الحاكم بمشروع أيزنهاور.
ولا يهم مثلاً أن بنود الاتفاق ملفوفة بطريقة دبلوماسية، لا يجعل منها شيئاً، إلا أن تكون المحاولة فعلاً، كما جاءت الأخبار من عمان، مجرد حركة يقصد بها الرد على الوحدة الشاملة الكاملة المتحررة بين مصر وسوريا.
كل هذا لا يهم. لا يهم إطلاقاً.
والذى يهم، بند واحد هو: نية توحيد الجيش.
وفى رأينا أنه مهما كانت القيود التى تقيد هذا الجيش، ومهما كانت السلاسل التى تربط حركته، ومهما كانت الأغلال التى تشده إلى حلف بغداد ومشروع أيزنهاور، فإن هذا الجيش سيكون للعرب ولن يكون عليهم.
وحينما يقف هذا الجيش العربى على خط الهدنة مع إسرائيل، فإنه لن يلتفت إلى ما وراءه مهما كانت الأوامر الصادرة إليه، مهما كانت القيود والسلاسل والأغلال.
هذا هو الذى يهم فى كل العملية.
وفى سبيله، كل شىء يهون.
العروش كلها لمن يريد العروش.
الألقاب كلها لمن ترضى غروره الألقاب.
الأحلاف والمشروعات للذى يريد أن يوقعها.
لهذا نبارك الاتحاد الجديد ونهتف له من أعماقنا.
إن وصول جيش العراق إلى حدود إسرائيل أغلى فى نظرنا، من كل العروش، والألقاب وأخلد فى تقديرنا من كل المشروعات والأحلاف.
لقد أضيئت أمس فى عمان شمعة.
إن نور الشمعة التى أضيئت أمس فى عمان، سوف يكشف الكثير من المفاجآت، حتى لبعض الذين حضروا أمس فى قصر بسمان حفل توقيع الاتفاق.
بوركت الشمعة التى أضيئت أمس فى عمان!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=400

بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: إجتماع رؤساء الدول غير المنحازة

إجتماع رؤساء الدول غير المنحازة
ما هو الدور الذى يؤديه هذا الاجتماع وما هى قيمته؟
الميزان الذرى الذى كان يسند السلام والمراحل التى تطور خلالها؟
لماذا لم تجر المحاولة الجديدة تكراراً لباندونج القديمة؟
اجتماع خروشوف وكيندى. واجتماع غير المنحازين وآثار كل من الاجتماعين على الآخر!
لماذا يجرى الإستعداد الآن لإجتماع رؤساء الدول غير المنحازة، وما هو الدور الذى يمكن أن يؤديه مثل هذا الإجتماع، ما قيمته، ولماذا لم يكن الإجتماع مثلاً لرؤساء دول آسيا وأفريقيا، أو دول “باندونج” إذا شئنا التحديد؟
والإجابة:
إن إجتماع الدول غير المنحازة تلبية ضرورية لإحتياجات الموقف الدولى الآن، ومحاولة جدية لإستباق تطوراته المقبلة.
إن أحداثاً كثيرة وحاسمة على وشك أن تقع، وتجرّ معها فى العلاقات بين الكتلتين الكبيرتين، الشرق والغرب، ما يحتم وجود رأى ثالث، أو رأى متحرر قادر على أن يفتح طريقاً نزيهاً لتطور الحوادث السلمى.
(1)
إن الميزان الذى كان يمسك الموقف الدولى كله، ويمنعه من التمزق، يتغير الآن أو هو تغير بالفعل، ودارت عجلته دورة كاملة.
فمنذ إنتهت الحرب العالمية الثانية، والسلام العالمى تسنده فى الواقع مخازن القنابل الذرية، ثم مخازن القنابل الهيدروجينية، فى ترسانات السلاح الأمريكية.
فقد كانت الولايات المتحدة، حتى بداية الخمسينات، تملك وحدها القوة الذرية الرهيبة، وكانت الحرب الباردة بينها وبين الإتحاد السوفيتى قد احتدت، ولكن رأى الولايات المتحدة كانت لها فيها دائماً الكلمة العليا. مستندة بالطبع على الترسانات الذرية.
وفى الستينات راح الميزان يتغير تدريجياً فقد حصل الإتحاد السوفيتى على أسرار القنبلة الذرية، وبعدها بشهور قليلة حصل على القنبلة الهيدروجينية، ثم مضى فى السباق الذرى حاشداً كل قواه.
فى هذا الوقت خرج جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا السابق بنظريته الشهيرة التى سماها “الانتقام الواسع المدى” Massive Retaliation، وأساسها أن الولايات المتحدة على إستعداد أن توجه ضربات ذرية قاصمة لمواجهة أى حركة تعتبرها مهددة لسلامتها.
وإستطاعت هذه السياسة لبعض الوقت – بينما كان السباق الذرى السوفيتى لحاقاً بالسبق الذرى الأمريكى يمضى بكل جهده – إستطاعت هذه السياسة أن تحسم مواقف كثيرة وتوقف تدهورها من وجهة نظر السياسة الأمريكية.
ونظرية “الإنتقام الواسع المدى” هى التى أبقت الموقف فى الهند الصينية معلقاً على شعرة، بعد هزيمة فرنسا فى معركة “ديان بيان فو”، كذلك كانت هذه النظرية هى التى أمسكت بالصين فى اللحظات الأخيرة تمنعها عن غزو الجزر الساحلية “كيموى” و”ماتسو” المجاورة لها، والقفز فوقها لإحتلال تايوان – فورموزا – وتصفية بقايا عهد التمساح العجوز شيانج كاى شيك!
ولكن الميزان الذرى – الذى كان يمسك بالسلام ويضمنه! – مضى فى حركته يتغير.
وأثبت التفوق السوفيتى فى مجالات الصواريخ، أن ميزان القوى قد تعادل، تعادل تماماً بصرف النظر عما إذا كان الحساب الدقيق يثبت تفوقاً فى عدد الصواريخ والقنابل الذرية الروسية، أو أن يكون هذا الحساب مثبتاً للتفوق الأمريكى.
ذلك لأنه فى مجال الإستعداد الذرى يوجد حد معين، يصبح الحساب العددى بعده لا قيمة له.
وفى الأسلحة التقليدية، الدبابات والمدافع والطائرات، فإن العدد قد تكون له قيمة بإعتبار ما يوفره لدى كل جانب من إحتياطى المعركة.
أما الأسلحة الذرية، فإن الوصول إلى مرحلة معينة يكفى لكى يلغى أى قيمة للتفوق العددى.
ومثلاً – إذا كان الأمر من وجهة نظر روسيا يحتاج إلى إطلاق ألف صاروخ عليها، ألف قنبلة هيدروجينية لكى يتم تدمير أمريكا كلها – فإن إستعمال ألف وخمسمائة صاروخ وألف وخمسمائة قنبلة إسراف لا معنى له، لأن الهدف هو مجرد تدمير أمريكا مرة واحدة. لا تدميرها مرة ونصف مرة!
تدميرها مرة واحدة هو الهدف، ووجود القوة القادرة على تحقيقه هو الكفاية، والزيادة عليها لا قيمة لها فى الحساب.
والموقف بين الولايات المتحدة الأمريكية، وبين الإتحاد السوفيتى، وصل الآن فعلاً إلى هذا الحد.
كل منهما الآن بنى قواعد صواريخه أو أعدها، جاهزة موجهة إلى الأهداف الهامة على الناحية الأخرى، وإشارة واحدة، ثم لمسة على زر بعدها كافية لتنطلق من جانب كل منهما وفى إتجاه الآخر، قوة رهيبة قادرة على تحطيم 90 فى المائة من إمكانيات قوته، فيما لا يزيد على ربع ساعة، هى المسافة التى تقطعها الصواريخ عبر المحيط أو عبر القطب الشمالى، ذاهبة إلى أمريكا، أو متجهة إلى روسيا.
ومن نتيجة هذا التطور الذرى المخيف وصلنا إلى نقطتين:
– أن الموقف الدولى أصبح حساساً إلى درجة مروعة، فإن أى خطأ فى الحساب من جانب أى من الأطراف المشتركة فى الصراع الرهيب، يمكن أن يقود الجنس البشرى إلى أبواب النهاية.
– أنه فى هذا الوقت، برزت فكرة العودة إلى الأسلحة التقليدية فى مواجهة المشاكل الصغيرة الطارئة على الحدود الفاصلة ما بين خطوط المعسكرين الكبيرين.
ولقد إتضح ذلك من إتجاه كيندى تحت تأثير عدد من مستشاريه، بينهم البروفسير كيسينجر، صاحب نظرية الحرب المحدودة، إلى زيادة إعتمادات الأسلحة التقليدية وإلى تكليف الجنرال ماكسويل تايلور رئيس أركان حرب الجيش الأمريكى السابق، بدراسة مفصلة لإمكانيات حرب العصابات، على أساس أن دقة الميزان الذرى، والتعادل المرعب فيه، سوف تبعد التهديد إلى حد معين، حد معين يسمح لأى منهما بإستعمال القوة التقليدية للسيطرة على نقطة هامة فى خطوطه، خصوصاً إذا واتته الظروف وإستطاع إنجاز مهمته بسرعة معقولة!
وما حدث فى “لاوس” كان تجربة فى هذا الإتجاه!
(2)
فى نفس الوقت الذى كان ذلك فيه يجرى، فإن التطور الطبيعى للأحداث فى القارات القديمة آسيا، وأفريقيا، جاء معه بموجات إستقلالية وتحررية، عالية الذُرَى.
وفى آسيا وأفريقيا بدأ الإستعمار تراجعه الطويل أمام قوى الوطنية الآسيوية والأفريقية. وسقطت على أرض القارتين أعلام أجنبية إرتفعت عليها قسراً وقهراً لأحقاب طويلة من الزمان، أحقاباً طويلة كانت هذه الأرض فيها امتداداً بعيداً لأوروبا، ومورداً لا ينتهى معينه من المواد الخام والأيدى العاملة.
وكانت المستعمرات كلها للمعسكر الغربى، وكان ضياعها من قبضته يشكل تحولاً آخر فى ميزان القوى، يؤثر فى الموقف الدولى بجانب التأثير المخيف للتوازن الذرى.
وحاول الغرب أن يواجه التطور الكبير بما يسميه العسكريون تراجعاً إلى مواقع معدة من قبل. حاول الإستعمار أن يقدم الإستقلال على طبق من الذهب ليوقف الأمواج العالية الذُرَى، ولكن التطورات التى تجرى أمامنا الآن تثبت أن الشعوب لا تكتفى بمظهر الإستقلال، وإنما هى تفهمه بداية لتحرر وطنى ينهى الإستغلال بجميع أنواعه ويمزق كل قناع على وجهه، ولم يعد العلم الوطنى يغنى عن الثروة الوطنية النامية ولا عن العدل والتكافؤ فى توزيعها.
وكانت السويس مفترق الطرق.
كان المعنى فى “السويس” أنه ليس بالأعلام الملونة تقوم الأوطان.
وإنما حرية العمل الوطنى. والسيطرة الوطنية على إمكانيات هذا العمل، هى الوطنية على إمكانيات هذا العمل، هى القوائم التى يمكن أن ترفرف فوقها الإعلام.
العلم الوطنى من غير عمل وطنى تحته، مجرد خرقه قماش ملونة.
والعلم الوطنى والعمل تحته، رمز لجهد كل مواطن ونصيبه فى الوطن.
هكذا بعد موجات الإستقلال، إندفعت موجات التحرر الإجتماعى.
وبدأت الأمواج الجديدة تضرب الصخور فى المواقع الحساسة.
فى مواقع كانت الظروف فيها قد مكنت القوى الكبرى من أن تقهر الأمل فى الإستقلال، وتجمده على شكل معين.
أو فى مواقع جاءها الإستقلال، ثم تضافرت القوى الأجنبية مع المصالح المحلية على ضرب رغبتها فى التحرر الإجتماعى.
والآن، من سوء الحظ، فى الموقف الدولى، ومن حسن الحظ فى التطور الإنسانى بنفس القدر، أن الأمواج الجديدة وصلت إلى المواقع الحساسة فعلاً، إلى المواقع الحساسة على الخطوط الفاصلة ما بين المعسكرين الكبيرين.
من شواطئ بحر اليابان إلى شواطئ الأطلنطى. بل بعدها إلى شواطئ البحر الكاريبى.
وأمريكا التى كانت تهدد “بالإنتقام الواسع المدى” إذا حدث شىء فى لاوس، تستعد الآن لكى تسلم “لاوس” بيدها إلى الحياد – بإعتبار أخف الضررين.
والخطر الذى أوشك أن يبتلع لاوس – من وجهة النظر الأمريكية – يزحف الآن تجاه فيتنام الجنوبية، ويتقدم بشكل واضح مهدداً سيام.
ونمضى مع الخط الفاصل بين الكتلتين فى إتجاه الغرب.
إيران فوق بركان، شعبها يغلى، والشاه يرقص فى النرويج، ويتزحلق على الجليد.
وتركيا تعيش فى دوامة غريبة، يبدو فيها رأسها موضع القدم أحياناً، وفى أحيان أخرى تكون القدم موضع الرأس، والدوامة مازالت تدور.
وفرنسا تعيش على الشوك فى الجزائر، وبلجيكا تتمزق بالحسرة على الكونجو، والبرتغال تحاول بالدم أن تطفئ النار فى أنجولا، وهناك على الناحية الأخرى من الأطلنطى، عند بطن أمريكا وتحت الحزام، تتحرك الثورة الكوبية وتضرب بعنف تتردد أصداؤه فى كل أمريكا اللاتينية.
ومعنى ذلك أن السلام العالمى الآن مُهَدد بإشتباكات مسلحة، على الحد الفاصل بين المعسكرين، وفى مناطق يعتبرها كل منهما مواقع ضرورية لسلامته، والإحتمالات التى يمكن أن تنجم عن ذلك مجهولة النتائج، وإن كانت خطورتها أمراً مقرراً معروفاً!.
(3)
ولقد كان من الجائز أن ُيقال:
– والأمم المتحدة، ألا تستطيع أن تواجه هذا الموقف؟
ولكن الأمم المتحدة ليست سوى أعضائها من الدول.
ولقد إنتهت الدورة الخامسة عشرة لجمعيتها العامة، والعالم كله يرى ويدرك أن الصدام الدولى وأسبابه، جعل منها – وهذا أمر طبيعى – ميداناً له.
ومعنى ذلك أنه مع كل إحتمالات الخطر فى الموقف الدولى، فإن الخطر يحلق الآن أيضاً فوق الأمم المتحدة.
وحتى بصرف النظر عن كونها أصبحت ميداناً تنعكس عليه آثار الصراع بين الكتلتين، فإن على الطريق أمام الأمم المتحدة، حيت تبدأ دورتها الجديدة أزمتين:
– أزمة سكرتارية الأمم المتحدة: والإتحاد السوفيتى لا يريد همرشولد، لأنه لا يؤمن بوجود رجل محايد، وعلى حد ما قال خروشوف للمعلق الأمريكى والتر ليبمان:
– قد أفهم أن تكون هناك دولة محايدة، ولكنى لا أطمئن إلى أنه يوجد فى العالم كله رجل محايد‍!
لهذا يطالب خروشوف بسكرتارية ثلاثية تجلس على قمة الهرم فى تنظيم الأمم المتحدة وتمارس عملها بطريقة جماعية.
– أزمة دخول الصين الشعبية: والدلائل كلها تشير إلى أن الصين الشعبية قد تنجح أخيراً هذا العام فى الحصول على أغلبية تعطيها المقعد الدائم الذى يحمله الآن “شيانج كاى شيك” فى مجلس الأمن، وهو من وجهة نظر السياسة الأمريكية أمر خطير، تمضى أمريكا فى مقاومته إلى أبعد الحدود حتى إلى حد أن تنسحب من الأمم المتحدة لو جرى على غير هواها.
وكانت ثمة محاولة جرى فيها جس النبض بين عدد من الدول الآسيوية والأفريقية بهدف دفعها إلى المطالبة بأن يكون لهذه الدول مقعد دائم فى مجلس الأمن تمثلها فيه واحدة من دولها المحايدة – كالهند مثلاً – ويكون هذا المقعد هو مقعد الصين، ولكن الذين وصلت إليهم عملية جس النبض، كان من رأيهم أن الأمر مناورة، وأن الظروف أخطر الآن من هذه المناورات!
النتيجة أن الأمم المتحدة الآن لا تستطيع أن تنقذ أحداً.
وإنما الأمم المتحدة فى حاجة الآن إلى من ينقذها؟! قبل أن تبدأ الدورة الجديدة. الدورة السادسة عشرة.
(4)
و”باندونج”. “دول باندونج”. و”روح باندونج”، أما كانت تستطيع فى مثل هذه الظروف أن تفعل شيئاً؟
– لقد كانت “باندونج” مرحلة.
لقد أدت “باندونج” دورها فى النضال الآسيوى الأفريقى، وليس من المعقول، أن نحمل مرحلة، بأعباء مرحلة أخرى، خصوصاً إذا إختلفت الظروف والأهداف.
ومراحل النضال الوطنى عندما تمضى فإنها لا تصبح نسياناً، وإنما هى تصبح أقرب إلى ما يصير إليه الحب فى حياة الفرد العادى. ذكريات.
لحظات غالية عاشها، وخفاقات قلب ونبض أعصاب.
وهو يتطلع إليها بالحنين والذكرى.
ولكنه يمارس حياته بعدها، وحوافز جديدة تدفعه، وتجارب أوسع تحيط به!
وباندونج الآن ذكرى غالية. ومرحلة من النضال أعقبتها مراحل.
كانت باندونج تمثل الشعوب الآسيوية والأفريقية وحدها.
وكان هدفها الأكبر فتح الطريق أمام المحاولات الإستقلالية فى القارتين، وفى هذا نجحت باندونج.
عشرات. وعشرات من العواصم الجديدة لمعت كالنجوم إنعكاساً لإشعاعات باندونج، ومقاعد جديدة فى الأمم المتحدة إمتلأت، وأعلام متعددة تدلت من سارياتها أمام المبنى الضخم الشاهق على ضفة النهر الشرقى فى نيويورك.
هذا من ناحية.
– ومن ناحية أخرى فلقد أثبتت تجارب المجموعة الآسيوية – الأفريقية فى الأمم المتحدة أن العمل على الأساس الإقليمى حتى وإن إتسع نطاقه إلى مدى القارات لا يحقق إرادة العمل!
إن ظروف كل بلد، وأوضاعه الداخلية، والمرحلة التى يجتازها من تطوره، وأوضاعه الجغرافية، تفرض عليه إلتزامات تقيد حركته خصوصاً فى الظروف الدولية السائدة الآن.
فى إجتماعات الكتلة الآسيوية الأفريقية أصبحت هناك الآن مواقف ثابتة بتأثير الوضع الدولى العام كله.
مثلاً، فى مسألة من المسائل.
إذا قالت اليابان: يمين، قالت الصين: يسار.
إذا قالت الهند: شرق.
قالت الباكستان: غرب.
والباقى على هذا القياس يمكن تصوره.
ومن تأثيره أصبح من العسير الحصول على إرادة عمل آسيوية أفريقية.
بل وفى حدود القارة الواحدة تفرض ذات المشكلة نفسها.
وبين الدول المستقلة فى أفريقيا، دول ترتبط بفرنسا، ودول ترتبط ببريطانيا، ودول تنزع إلى إتجاه تحررى.
من هنا على مستوى القارة الأفريقية فإنه من الصعوبة بمكان إبراز إرادة عمل إفريقى.
ولعل قوة مؤتمر الدار البيضاء، أن الدول المتجهة للتحرر فى القارة إجتمعت معاً، فى محاولة لإيجاد إرادة عمل أفريقى خالصة من قيود الإرتباطات.
– ومن ناحية ثالثة فإن المشاكل التى تواجه العالم الآن ليست مقصورة على حدود أسيا وأفريقيا، وإنما المشكلة الكبرى الآن هى “الحرب والسلم” وهى مشكلة جميع البشر.
من هنا فإن تحديد بحثها داخل النطاق الآسيوى الأفريقى، إستمرار لباندونج، يعتبر قيداً لا تبرره الظروف، ولا يبرره العمل الدولى سعياً من أجل السلام.
معنى ذلك كله أن الفعل الدولى الآن فى حاجة إلى تجميع إرادة عمل دولى حر.
لا تقيده إلتزامات سابقة تحدد حركته.
لا تقيده حدود جغرافية تلزمه نطاقاً ضيقاً.
لا تقيده سلبية تفرض عليه العزلة المغلقة.
وكان فى العالم كله تيار واحد تنطبق عليه هذه الشروط، تيار نما، وإستكمل نموه مع تجارب المجتمع الدولى الأخيرة.
تيار بدأ مع الأزمة الدولية القائمة وسايرها، وكيف نفسه وفقاً لتطوراتها، وإستكمل ملامحه وشكله النهائى مع أحداثها.
– فى الفترة الأولى لإقامة الميزان الذرى. كان نداؤه هو: عدم التورط أو ما يسمونه Non-Involvement.
كان منطقه، أن فى العالم خلافات تستحكم بين الدول الكبرى، لا شأن لنا بها، كذلك فوراء هذا الخلاف أسلحة لا نملكها، وإذن فخير ما نستطيع عمله، هو أن لا نتورط مهما كانت الظروف فيما لا شأن لنا به ولا سيطرة لنا عليه.
– فى الفترة الثانية، فى الخمسينات، فى فترة إقامة الميزان الدولى على “الانتقام الواسع المدى” تطور نداؤه إلى.”الحياد الإيجابى” Positive Neutralism تطويراً “لعدم التورط” وتقدماً به.
وكان منطق الصيحة الجديدة هو أنه من حقنا أن نبدى وجهة نظرنا فى كل مشكلة، استيحاءً من عقائدنا، لصنع ضمير عالمى، قادر على الصمود أمام الميزان الذرى، قادر على أن يكون فى الناحية الأخرى، من “خطر الإنتقام الواسع المدى” رمزاً للجائزة التى تعطيها شعوب العالم للذين يخلصون العمل من أجل السلام.
– فى الفترة الثالثة، فى بداية الستينات، فى فترة التعادل الذرى الكامل بصرف النظر عن قوائم الحساب المفصلة، أصبح نداؤه الجديد “عدم الانحياز Non – alignment” تطويراً للحياد الإيجابى وزيادة فى إيجابيته.
وكان منطق النداء الجديد هو أن الدول الكبرى لا تملك وحدها مصير السلام أو الحرب، وإنما العالم ملك شعوبه يهمها بقدر متكافئ أمنه ورخاؤه، وعليها أن تناضل لإيجاد إرادة عمل متجهة إلى السلام غير متأثرة بالميزان الذرى الذى لم يعد يصلح ليكون حكماً أعلى فى خطى التطور الإنسانى.
ومن نتيجة هذا المنطق أن إرادة العمل الدولى القادرة على الحركة المتحررة هى الدول التى تمثل هذا التيار، تجمعها الفكرة بصرف النظر عن الحدود الجغرافية، بصرف النظر عن الألوان والأديان، المهم هو أن تجتمع على إرادة عمل حر من أجل السلام.
وسؤال آخر:
– وإجتماع الاثنين الكبيرين: خروشوف وكيندى، ألا يؤثر على إجتماع غير المنحازين؟
والإجابة:
– بالعكس، كان غير المنحازين هم الذين دعوا فى إجتماع الجمعية العامة الأخير فى سبتمبر الماضى إلى إجتماع الاثنين.
ويومها كانت ثورة داخل المعسكرات على الفكرة التى إقترحها جمال عبدالناصر بدعوة الاثنين، وتقدمت معه بها بعد ذلك فى شكل مشروع قرار إلى الأمم المتحدة خمس دول.
وكانت بريطانيا وفرنسا، طليعة الثائرين، لأنهما لم تتصورا مؤتمر قمة لا تشتركان فيه مع الاثنين الكبيرين، وتطور الحوادث الآن يثبت أن إقتراح سبتمبر الماضى الذى يتم فى يونيه القادم، كان المخرج الوحيد.
ومن حسن الحظ أن يجىء إجتماع غير المنحازين، فى أعقاب إجتماع المعسكرين، ليشاركوا فى إقامة ميزان السلام على أساس غير أساس الرعب الذرى، وليساهموا فى دفع التطور الإنسانى فى مجراه الطليق غير متأثر بأى مساومة قد تفرضها المصالح وإن تعارضت مع المبادئ.
وسؤال أخير:
– وهل إنتهاء الأزمة الدولية من صالح الدول غير المنحازة؟
والإجابة:
إن موقف عدم الإنحياز ينبغى أن يفترق عن موقف الإنتهاز.
إن الدول غير المنحازة لا تقصد بموقفها أن تستفيد بقدر ما تستطيع من نزاع المعسكرين فتقف مع هذا يوماً، ثم يقف مع الآخر فى اليوم التالى، وتقبض أجرها فى اليومين!
إن موقف عدم الإنحياز هو أصعب المواقف فى المعركة الدولية.
إنه يعرض أصحابه كل يوم – بدافع المبادئ – إلى معارك لا نهاية لها، ومع هذه المعارك إحتمالات مجهولة العواقب.
– وإنتهاء جو الأزمة يوفر لهذه الدول جواً صالحاً لمباشرة مسئوليات نموها انطلاقاً إلى أهدافها، كذلك يوفر لها الأعصاب التى لا تمزقها دواعى الحرب الباردة.
– ومن ناحية أخرى فإن إنتهاء جو الأزمة، يوجه المنافسة بين المعسكرين إلى أعمال السلم ويوفر جهوداً كبيرة يمكن توجيهها للعمل البناء بدل تحويلها إلى قنابل ذرية تتكدس فى المخازن.
– ومن ناحية ثالثة فإن تيار التطور، يقدر تحت ظروف السلام، إلى الدخول فى المناطق الحساسة على الحدود الآن بين المعسكرين، ليستطيع بدون ما تعرض للكبت أو التهديد أن يصنع حياة جديدة لأوطان شعوب غيرنا تواجه معنا نفس المشاكل ولكن نزعات التطور المشروع فيها مرغمة على الحياة تحت الأرض، غير قادرة على الحركة تحت ضوء الشمس.
من هنا فإن إجتماع رؤساء الدول غير المنحازة:
– ضرورة فى حد ذاته.
– ضرورة إلى جانب مؤتمر الاثنين. ضرورة للجميع. ضرورة للسلام الذى هو ملك الجميع ومطلب الجميع!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=375

بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: (3) رأيت الدنيا على حافة الهاوية

(3) رأيت الدنيا على حافة الهاوية
“خاطر الليل” يستحيل إلى “خطة كاملة” فى الصباح
أسلوب دالاس فى العمل ضد دالاس
فى وسط البحر والظلام والريح، نزل إلى الماء قارب صغير، من المدمرة اليوغوسلافية رقم 62، ومضى على الموج يتأرجح فى اتجاه الباخرة “الحرية”.
كان يحمل رسالة تيتو، السرية العاجلة، إلى الرئيس جمال عبدالناصر.
هذه الرسالة، التى أوقفت القافلة سيرها، وأطفأت أنوارها حتى يتم تسليمها وسط البحر إلى صاحبها!
ولم يكن القارب الذى حمل الرسالة قارباً بخارياً، وإنما كان قارباً بالمجاديف، ذلك لأن البحرية اليوغوسلافية، كانت ترى أن ذلك أكثر أمناً، وأوفى بأسباب الكتمان.
وكأنما كانت البحرية اليوغوسلافية، تعتقد أن عيوناً غريبة تراقب، وآذاناً غريبة تسترِق السمع، وتحاول، برغم البحر والظلام والريح، أن تعرف تفاصيل ما يجرى فى هذه القافلة التى كانت حتى دقائق معدودة، تشق الأدرياتيكى بأقصى سرعتها، نازلة إلى البحر الأبيض!
وتوقف القارب الصغير بجوار “الحرية” وتدلى من الحرية حبل، بدأ يتسلقه قائد المدمرة اليوغوسلافية رقم 62، ويتسلقه وراءه أحد مساعديه.
وفى غرفة القيادة على “الحرية” بدأ الضابط البحرى اليوغوسلافى يتلو رسالة “تيتو”.
كان مضمون الرسالة كما يلى:
“من الماريشال تيتو إلى الرئيس ناصر: أناشدكم أن لا تتقدموا فى البحر إلى أكثر من الحد الذى وصلتم إليه الآن.
إن الخطر شديد بعد التطورات الأخيرة واحتمالات مواصلة السفر بالبحر لا يمكن تأمينها.
أرجوكم العودة إلى أقرب ميناء يوغوسلافى.
قد يكون فى إمكاننا تدبير طائرة عظيمة السرعة تعود بكم إلى وطنكم.
أرجو أن أتلقى رداً على الفور.
وأرجو أن يكون الرد بالموافقة”.
حد السيف:
كان الرئيس جمال عبدالناصر، جالساً فى مكتبه على الباخرة “الحرية” حينما حملوا إليه رسالة ماريشال يوغوسلافيا.
واستمع الرئيس إلى الرسالة ثم. مضت دقيقة صمت، مرت وكأنها دهر طويل ثم قال الرئيس – وكانت الأنظار كلها معلقة بالكلمة التى سوف يقولها – “اكتبوا”.
“من جمال عبدالناصر إلى الماريشال تيتو.
فهمت وجهة نظركم، قررت أن أعود”.
قالها الرئيس، أو بمعنى أصح، أملاها وفى صوته نبرة معينة، نبرة كحد السيف، قاطعة، وغامضة!
إن الذين يعرفون الرئيس جمال عبدالناصر، لم يخامرهم الشك لحظة بعد أن سمعوه، فى أن ثمة خاطراً يبرق فى خياله.
إن استجابته لرسالة ماريشال يوغوسلافيا، ليست نهاية.
وإنما هذه الاستجابة بداية!
بداية لشىء ما، يجول فى رأسه، ولكنه لا يبوح به، لأنه ما زال يقلبه على مختلف نواحيه.
وبدأت القافلة التى كانت متجهة إلى الجنوب، تكاد تفرغ من الأدرياتيكى وتدخل إلى البحر الأبيض تدير مقدماتها، عائدة إلى الشمال.
وحتى الفجر من تلك الليلة، كانت الأضواء كلها على سفن القافلة الخمس مطفأة إلا غرفة واحدة، هى غرفة المكتب على الحرية، وإن كانت الستائر قد أسدلت على النوافذ حتى لا يتسرب ضوء أو شعاع.
وبين الوقت والآخر كان جمال عبدالناصر يخرج إلى جسر الحرية، يطل على ظلام البحر، ولحظتها لم يكن يبدو منه وسط الظلام الدامس إلا نقطة صغيرة ملتهبة، كأنها جذوة متقدة، تتوهج أحياناً ثم تخبو، عندما كان الرئيس يجذب نفساً من سيجارته، ثم تهوى أخيراً إلى الموج لتنطفئ!
رسالة ثانية:
وفى الصباح، مرة ثانية توقفت القافلة مرة ثانية، قالت المدمرة “62”: قفوا.
ثم قالت:
– لدينا رسالة ثانية من الماريشال تيتو إلى الرئيس عبدالناصر.
ومرة ثانية جاء قارب على الموج.
ومرة ثانية تدلَّى حبل من الحرية.
ومرة ثانية صعد إلى الحرية نفس الضابطين من البحرية اليوغوسلافية.
ومرة ثانية نفس البداية للرسالة.
“من الماريشال تيتو إلى الرئيس عبدالناصر.
اتخذت كل الترتيبات أقترح قدومكم إلى بريونى، ستكون فى بولا طائرة عظيمة السرعة واقفة فى انتظاركم.
إذا وافقتم فإنى أرجو للسرعة أن تنتقلوا إلى إحدى مدمراتكم لتصلوا إلينا بعد ثمانى ساعات.
طلبت من البحرية اليوغوسلافية تسهيلاً لمواصلاتكم أن تضع تحت تصرفكم طائرتين بحريتين لتكونا طوال ساعات هذه الرحلة خط مواصلات دائماً بينكم وبين الباخرة “الحرية”، التى أعلم أن رسائلكم كلها تصل إليها.
أتطلع بشوق إلى أن أراك مساء اليوم”.
سباق مع الحوادث:
وكانت الساعة الثامنة صباحاً.
وأرسلت الباخرة “الحرية” إلى المدمرة “الناصر” تقول:
“استعدوا”.
“سوف ينتقل الرئيس جمال إلى المدمرة “الناصر” بعد نصف ساعة.
المطلوب فتح أقصى سرعة فى اتجاه الشمال إلى بريونى”.
وكان الرئيس جمال عبدالناصر فى مكتبه، واستدعى الدكتور محمود فوزى وزير الخارجية من قمرته ليقابله.
وكان ثمة شىء واضح فى مكتب الرئيس جمال عبدالناصر ذلك الصباح على الباخرة الحرية.
كان واضحاً أن عملية “الحساب” قد انتهت، وأن تقليب الأمر على جميع نواحيه قد استقر.
كان واضحاً أن “خاطر الليل البارق”، قد استحال مع الصباح إلى خطة كاملة مفصلة.
وقال الرئيس للدكتور محمود فوزى على الفور:
– ما رأيك؟ لقد قررت السفر إلى موسكو لأقابل خروشوف، وأتحدث معه قبل أن نعود إلى القاهرة، إننى أريد أن أعود، والاحتمالات كلها محددة أمامى.
وسكنت الحركة ومضة فى العينين الصغيرتين المستديرتين فى وجه وزير الخارجية، ثم ما لبث أن قال بهدوء:
– هل تعطوننى عشر دقائق لأفكر؟
وضحك الرئيس بمرح وقال:
– طبعاً. هذا حقك، لقد قضيت أنا ساعات الليل كلها أفكر!
وبينما كان الدكتور فوزى يجلس على مقعد فى مكتب الرئيس، يدير هذا القرار فى رأسه، كان الرئيس قد خرج إلى جسر الباخرة يمسك فنجاناً من الشاى فى يده ويحاول باليد الأخرى أن يدير مفتاح الراديو ليسمع نشرة أخبار الصباح من لندن.
وانتهت نشرة الأخبار.
وانتهى فنجان الشاى.
وانتهى الدكتور محمود فوزى من تفكيره وكان رأيه:
“أن السفر إلى موسكو فكرة ممتازة، وأنها يمكن أن تسفر عن خير كثير”.
وبعد نصف ساعة، انتقل من “الحرية” إلى المدمرة “الناصر” قارب فيه أربعة:
الرئيس جمال عبدالناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة.
الدكتور محمود فوزى وزير خارجيتها.
الأستاذ حسن صبرى من سكرتارية الرئيس للمعلومات.
وأنا. صحفى وجد نفسه فجأة، وبالصدفة، فى قلب دوامة التاريخ.
واتجهت “الناصر” إلى ناحية بريونى، بسرعة خمسين كيلو متراً على الماء كانت تسابق الحوادث.
وخلال الساعات الثمانى على “الناصر” حتى بريونى، كانت أحداث كثيرة. كثيرة تجرى.
فى هذه الساعات القليلة حدث ما كان يمكن فى ظروف أخرى أن يستغرق حدوثه سنوات.
بعث الرئيس جمال عبدالناصر من المدمرة رسالة إلى نيكيتا خروشوف رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى.
وشرح الرئيس لخروشوف الموقف فى الشرق الأوسط بسرعة بعد ثورة العراق.
ثم قال الرئيس فى رسالته:
“لقد قررت قبل أن أعود إلى القاهرة أن أراك فى أى مكان يناسبك وأنا الآن فى طريقى إلى بريونى، ولعلى عندما أصل إليها، أجد ردك على رسالتى”.
فى نفس الوقت، قبل أن تصل رسالة الرئيس إلى خروشوف، كان السفير اليوغوسلافى فى موسكو، يطلب – برغم الجفاء القائم بين الاتحاد السوفيتى وبين يوغوسلافيا – مقابلة خروشوف بصفة بالغة الاستعجال.
وتمت المقابلة، وقال السفير اليوغوسلافى لخروشوف:
“إن الماريشال تيتو يسألك، هل من الممكن أن تضعوا طائرة نفاثة من طراز “ت. ى 104” تحت تصرف الرئيس جمال عبدالناصر لكى يعود بها إلى القاهرة فوراً؟
إن “ال ت. ى” تقطع المسافة من “بولا” إلى القاهرة فى ساعتين.
وقال خروشوف:
“إن الطائرة سوف تقوم من موسكو فوراً لتكون فى مطار بولا تحت تصرف الرئيس عبدالناصر”.
وبعد عشر دقائق قامت الطائرة من موسكو.
كتب الرئيس عدة خطابات واحداً لنهرو، واحداً لشوين لاى، واحداً لسوكارنو، واحداً لباندرانيك رئيس وزراء سيلان، واحداً لنكروما، واحداً للسردار داود رئيس وزراء أفغانستان يشرح تطورات الموقف فى الشرق الأوسط وتطورات الموقف فى العراق بالذات.
بعث الدكتور فوزى بتعليمات إلى جميع سفارات الجمهورية العربية المتحدة لتقوم فوراً باتصالات مع الحكومات التى تمثل بلادها لديها وتشرح الوضع، وتطلب سرعة الاعتراف بالحكومة الجديدة فى العراق.
الاحتمالات:
فى هذه الساعات، كانت أحداث كثيرة. تجرى، وكانت أفكار هائلة، هائلة، تتبلور.
إن أمريكا أنزلت قواتها فى لبنان وبريطانيا على وشك أن تنزل قواتها فى الأردن.
إذن، فإن الغرب، لم يستطع – حتى بعد صدمة العراق الكبيرة – أن يفيق من خيالات عصور الاستعمار ويواجه الأمر الواقع بحقائقه.
إن نزول القوات العسكرية على هذا النحو، مع تخطى الأمم المتحدة، وقبل ساعات من اجتماع مجلس الأمن، يحمل فى طياته دلائل كثيرة.
إذن فإن الغرب قد قرر الالتجاء إلى القوة العسكرية وبطريقة مكشوفة، ومن غير أى محاولة للتغطية أو حتى اصطناع الأعذار.
إن تنسيق الأعمال العسكرية بين أمريكا وبريطانيا على هذا النحو، والسرعة فى التصرف يشير إلى احتمالات عديدة.
إذن فإن الخطة – على أرجح الاحتمالات – أوسع مدى من لبنان ومن الأردن، إن الذى نزل فى لبنان وفى الأردن، اتخذ خطوات لها ما بعدها وإلا فإنه إذا كان سيكتفى بالنزول فى بيروت وعمان، فسيصبح أضحوكة الدنيا.
إن تحريك الأسطول السابع الأمريكى، من المحيط الهادى إلى قرب الخليج الفارسى إنذار واضح، فإن هذا الأسطول قد قضى حتى الآن أكثر من سبع سنوات لا هَم له إلا أن يفصل بين الصين الشعبية وبين جزيرة فورموزا حتى لا ينقضَّ “ماو تِسى تونج” فجأة على “شيانج كاى شيك” ويمزق لحمه ويلقى بعظامه إلى أمواج المحيط، فكيف تقامر أمريكا بمصير “شيانج كاى شيك”؟
إذن فإن هناك عملاً سريعاً لهذا الأسطول، وإذن فإنه على وشك أن يشارك فى عملية، ليس هناك مجال للشك، فى أنها موجهة ضد العراق.
وإن الجمهورية العربية المتحدة لا تستطيع أن تقف ساكتة.
ذلك واجبها من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن أمن القومية العربية واحد، وإذا ضرب العراق فى ظل القومية العربية، فإن الذين يضربونه لن يسكتوا بعده وإنما سيواصلون الحرب ضد باقى القلاع. قلاع القومية العربية، باعتبارها مصدر الخطر وأساس التهديد لمصالح الاستعمار. ذلك أمر بديهى لا يحتمل الظنون.
إذن فإن الذى سوف يقوم بالمغامرة ضد العراق، يعرف مقدماً أن مع العراق كثيرين، أولهم الجمهورية العربية المتحدة، وإذا كان قد استعد لجمهورية العراق، فإنه استعد أكثر للجمهورية العربية المتحدة.
أسلوب دالاس:
وحدث شىء هام فى هذه اللحظات جلس الرئيس جمال عبدالناصر على مكتب قائد المدمرة “الناصر”، وكتب بنفسه، بخط يده، التصريح الذى أعلن فيه بالحرف الواحد.
“إن الجمهورية العربية المتحدة، ستقوم بالتزاماتها كاملة، تجاه جمهورية العراق، وفقاً لميثاق الضمان الجماعى العربى، وأن أى عدوان على جمهورية العراق يعتبر عدواناً على الجمهورية العربية المتحدة”.
وبعث الرئيس بهذا التصريح فى برقية مفتوحة ليذاع من القاهرة.
ومن مفارقات القدر، أن هذا التصريح صدر على أسلوب المدرسة السياسية التى تحمل اسم جون فوستر دالاس!
فإنه من المبادئ التى وضعها جون فوستر دالاس فى العمل الدولى مبدأ يقول:
“من الخير مقدماً أن يعرف أعداؤنا حقيقة نوايانا إذا وقع حادث بالذات لا نستطيع السكوت عليه.
من الخير أن يعرفوا مقدماً أننا لن نسكت.
ربما جعلهم ذلك يفكرون مرتين قبل أن يتصرفوا”.
وكان صدور هذا التصريح، تطبيقاً عملياً لهذا الأسلوب!
وكانت مفارقة عجيبة.
أساليب دالاس. توجه للعمل ضد دالاس!
إنه من المفيد أن يعرف دالاس فى هذه اللحظات نوايانا.
إنه من المفيد أن يعلم أننا سنكون فى المعركة.
إنه من المفيد أن يفكر على هذا الأساس قبل أن يتصرف.
ولن تكون المعركة سهلة.
إنه من المفيد أن يكون ذلك كله ساطعاً مثل نور الشمس، قبل أن يحل قتام المعركة ودخانها، وغبارها!
أيها الصديق:
ووصلت “الناصر” تسابق الحوادث إلى مياه بريونى.
وأقبل القارب الكبير المشهور “توبوتشكا” الذى يملكه تيتو.
ووقف القارب بجوار “الناصر”، وصعد “بوبوفيتش” وزير خارجية يوغوسلافيا.
وقال بوبوفيتش للدكتور محمود فوزى.
“هذه رسالة وصلتنا الآن بالطائرة البحرية من السفينة “الحرية” وطلبوا تسليمها إليكم فور وصولكم”.
وحمل الدكتور فوزى الرسالة إلى الرئيس جمال عبدالناصر.
كانت من خروشوف.
قال خروشوف:
“إنه فى انتظار الرئيس جمال عبدالناصر فى موسكو إذا كان ذلك يلائمه، وإلا فإنه مستعد لأن يذهب إلى أى مكان آخر يقترحه الرئيس للقاء”.
ونزل الرئيس من “الناصر” إلى قارب تيتو المشهور “توبوتشكا” واتجه القارب إلى رصيف الفيللا البيضاء.
وكان على الرصيف رجلان.
تيتو.
ووراءه على البعد “جيجى” الجنرال “جيجى” المشهور من أيام حرب يوغوسلافيا، وقائد الحرس الخاص للماريشال العتيد.
وقال الرئيس لتيتو وهو ينزل من القارب ويمد يده مصافحاً.
– لو قال لى أحد أننى سأعود إلى بريونى بعد ساعات من مغادرتى لها ما كنت صدقته!
ثم استطرد:
– هذه هى زيارتى الثالثة ليوغوسلافيا!
وضحك، وقال تيتو بلهفة تشيع فيها الحرارة:
– إننى سعيد أنك عدت أيها الصديق.
ثم أمسك تيتو بيده يد جمال عبدالناصر وسار به فى اتجاه الفيللا البيضاء وهو يقول:
– لقد جمعت هنا كل رجال حكومتى، ولابد أن نتحدث فى آخر تطورات الموقف، قبل أن تتركنا.
إلى أين:
وفى مكتب تيتو كان جميع الكبار فى يوغوسلافيا ينتظرون.
كارديليه نائب رئيس الجمهورية للسياسة الخارجية.
رانكوفيتش نائب رئيس الجمهورية للسياسة الداخلية.
“جوشنياك” وزير الحربية.
“بوبوفيتش” وزير الخارجية.
وبدأ اجتماع خطير بحضور عبدالناصر وتيتو، واشترك فى الاجتماع الدكتور محمود فوزى.
وبدأت مناقشة فى الموقف الدولى وكان الإجماع:
“إن الموقف خطير”.
“وإن الدنيا كلها، واقفة فعلاً، على حافة الهاوية!”.
وكانت التقارير تترى من كل مكان فى العالم على “فيللا بيانكا” – الفيللا البيضاء – مرسلة من سفارات يوغوسلافيا.
ولم يكن هناك سر على الجالسين فى مكتب تيتو.
هكذا مع كل برقية ترد، كان الكولونيل “جراخيك” مدير مكتب تيتو يدخل إلى المكتب، ويتلو البرقية بصوت عال، يسمعه جميع الجالسين.
كانت الأحداث تجرى بسرعة الصوت. بل بسرعة الضوء!
وعند منتصف الليل انتهى الاجتماع.
ونزل الرئيس يركب القارب “توبوتشكا” مرة ثانية يعبر به البحر إلى “بولا”. إلى المطار.
وكان معه “كارديليه”، “بوبوفيتش”.
وكانت الطائرة الجبارة رابضة كالنسر وسط الظلام فى المطار حتى لا يراها أحد.
وصعد الرئيس.
وأقبل قائد الطائرة يحييه ويسأله:
– إلى القاهرة يا سيدى؟
وقال الرئيس ضاحكاً:
– لا.
ثم استطرد:
– إلى موسكو!
وقال قائد الطائرة:
– هل قلت موسكو يا سيدى؟!
وهز الرئيس رأسه إيجاباً وقال:
– أجل. قلت موسكو!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=84

بصراحة بقلم محمد حسنين عيكل : (8) ماذا جرى فى سوريا؟ حكاية عبدالحميد السراج

(8) ماذا جرى فى سوريا؟ حكاية عبدالحميد السراج
لمسات الضوء فى صورته ولمسات الظل!
ولقد وصلت الآن إلى حكاية عبدالحميد السراج فى تجربة الوحدة.
وصلت إلى الحكاية على طريق الشوك.
والشوك على طريق هذه الحكاية بالذات أسبابه كثيرة.
– سبب منها، شخصى بحت، أعترف به فى مقدمة هذا الحديث، مع تسليمى الكامل، بأن مثل هذا السبب ليس عنصراً له أهميته حين التصدى لمحاولة تحليل الظروف فى حدث كبير من أحداث التاريخ.
هذا السبب هو أننى أحب عبدالحميد السراج – ومازلت – برغم أخطائه التى لا أغمض عينى عنها – أشعر أنه شاب عربى قومى مخلص.
وسبب منها، أن حكاية عبدالحميد السراج نزل عليها ستار من الظلام الكثيف عقب الانقلاب على الوحدة فى سوريا، ولست أعرف خلال هذا الظلام الكثيف، أو بمعنى أدق لست أرى – أين يقف عبدالحميد السراج الآن، وما هو رأيه فيما حدث؟ كل ما أعرفه أن عبدالحميد السراج معتقل، وأن صاحب الجلالة الملك سعود – بالذات – يطالب برأسه لكى يحمل إليه – حيث يكون – على طبق من ذهب!
– وسبب منها – ثالث وأخير – هو أن القراء الذين يتابعون هذه السلسلة من المقالات باهتمام – كرماً منهم وحسن ظن – لم يتركونى حتى أنتهى من كتابة حكاية عبدالحميد السراج، وإنما سبقونى إليها بمجرد أن أشرت فى الأسبوع الماضى إلى أن دور عبدالحميد السراج قد جاء فى تجربة الوحدة.
ما كادت هذه الإشارة تظهر فى ختام مقال الأسبوع الماضى، حتى وجدت سيلاً من الخطابات يقتحم مكتبى.
وكان واضحاً من هذا السيل أن هناك تيارين يتنازعان الرأى العام فيما يتعلق بعبدالحميد السراج.
تيار عبّر عن نفسه بعبارة فى أحد الخطابات التى تلقيتها تقول:
“لا تقل بالله كلمة تسئ إلى عبدالحميد السراج، لقد عمل من أجل الوحدة ما لم يعمله غيره، بل لقد جرب الذين قاموا بالانقلاب على الوحدة فى دمشق أن يجروه إلى التعاون معهم، ولكنه رفض، فى حين أن الذين كانوا يناصبونه العداء، هرولوا إلى الخضوع للانقلاب ووضع توقيعاتهم بالخط الكبير على بيانات رسمية بتأييده وبالسمع والطاعة له”.
وتيار آخر عبّر عن نفسه بعبارة مختلفة فى خطاب آخر مما تلقيته من خطابات. جاء فيها:
“ربما دفعتك محنة عبدالحميد السراج الحالية ووجوده فى سجن المزة إلى الدفاع عنه. إن الشعب العربى فى سوريا ممكن أن يغفر كل شىء إلا الدفاع عن السراج فهو المسئول الأول عن هذه النكسة، يكفى أنه وهو، يزعم السيطرة على كل شىء فى سوريا، لم يعرف هذا الانقلاب الذى يدبر منذ سنوات ضد الوحدة، أما إذا كان يعرف، ولم يفعل شيئاً فالمصيبة أدهى!”
طريق الشوك إذن طريقى إلى حكاية عبدالحميد السراج.
من عاطفتى الخاصة له.
من الغموض الذى يحيط به، ويحيط بمصيره.
من موقف الرأى العام نحوه، وبروز تيارين فيه يتصارعان معاً ولا يلتقيان أبداً.
ولكن الذى يسهل الأمور علىّ إلى حد بعيد هو اقتناعى الكامل، بأننى هنا لا أكتب تاريخاً، فإن الشرط الأساسى لكتابة التاريخ بصدق وأمانة، هو أن تكون حوادثه قد ابتعدت طويلاً مع السنين، وهدأت فيها حرارة العواطف مهما كان اتجاهها، وتجردت الوقائع كلها من أى أثر للانفعال.
وحكاية عبدالحميد السراج، مازالت حية.
ولست أدعى لنفسى التجرد، وكل ما أتمنى أن أدعيه لنفسى لو استطعت، هو أن أكون صادقاً مع نفسى فى رواية الحوادث بقدر ما أراه بالفعل منها، وليس هذا تجرداً، فإن كل إنسان يحكمه تكوينه الفكرى فى نظرته إلى الحوادث، مهما طلب الصدق وألح فى طلبه، وأنا واحد من الذين يقولون بأنه لا شىء يمكن أن يوجد فى فراغ، حتى الحقيقة ذاتها، ومعنى ذلك أن الحقيقة فى تصورى، كالهواء الذى يملأ غرفة مكتبى، تحدده جدران الحائط وزواياه وارتفاعاته.
ولكنى أكاد أستطرد إلى بحث فلسفى، يبعد بى عن حكاية عبدالحميد السراج!
وإذن أعود إلى وقائعها!
من أين تبدأ حكاية عبدالحميد السراج؟
والرد على هذا السؤال:
– إنها تبدأ من قبل الوحدة بكثير، بل إن دراسة هذه الحكاية فى بدايتها من قبل الوحدة، أكثر ضرورة لمتابعة استمرار هذه الحكاية – طبيعياً – بعد الوحدة.
لمسات الضوء فى صورة عبدالحميد السراج لمعت قبل الوحدة.
ولمسات الظل فى صورة عبدالحميد السراج لفها الغموض من قبل الوحدة.
ولمسات الضوء فى صورة عبدالحميد السراج، فى رأيى ثلاث:
1- كان عبدالحميد السراج فى الفترة الحرجة، من سنة 1954 إلى سنة 1958 أيام ضغط حلف بغداد على سوريا، وأيام محاولة الحزب الشيوعى للسيطرة على سوريا، واحداً من مجموعة الشباب الوطنى فى الجيش السورى، الذين قدروا على حماية استقلال سوريا، وصمدوا لمختلف أنواع المؤامرات، سواء منها التآمر بالإغراء أو التآمر بالإرهاب، أى التآمر بسلاح المال أو التآمر بسلاح القتل، كان عبدالحميد السراج واحداً من هذه المجموعة من الشباب الوطنى. بل كان بحكم عمله فى رئاسة المكتب الثانى – المخابرات – أظهر أفراد هذه المجموعة فإن منصبه يعرضه ويفرض عليه بدوره أن يتعرض، لمواجهة هذه المؤامرات، بكشفها وتحطيمها.
2- كان عبدالحميد السراج، فى اليوم الأول من شهر نوفمبر 1956، هو الذى أخذ على عاتقه عملية نسف أنابيب البترول القادمة من العراق عبر سوريا إلى البحر.
وكان نسف أنابيب البترول، وتوقف تدفقه من العراق عبر سوريا إلى البحر، خصوصاً بعد إغلاق قناة السويس بحكم العمليات العسكرية الهائلة التى دارت خلال معارك العدوان الثلاثى على مصر فى تلك الفترة، عاملاً هاماً من عوامل النصر الذى أحرزته قوى القومية العربية ضد قوى الاستعمار وأدواته التى أرادت فى ذلك الوقت توجيه الضربة الساحقة إلى قاعدة التحرر العربى فى مصر سنة 1956.
ولقد ثارت عليه بسبب ذلك ثائرة الوزارة القائمة بالحكم فى سوريا وقتها واتهمته بتعريض سلامة سوريا للخطر.
ولكن ما حدث. كان قد حدث فعلاً. ولم تصل ثورة الوزارة إلى نتيجة، بحكم الأمر الواقع. وبحكم العجز أيضاً!
3- كان عبدالحميد السراج هو بطل قصة ملايين الملك سعود الشهيرة التى أرادت أن تتآمر على الوحدة فى يومها الأول.
وصحيح أن وسطاء الملك سعود حاولوا الاتصال بمجموعة الضباط الوطنيين فى الجيش السورى فى ذلك الوقت كلهم، وصحيح أن هؤلاء جميعاً حولوا الموضوع بأكمله إلى عبدالحميد السراج بوصفه رئيس المكتب الثانى ليتولى تسجيل المؤامرة وكشفها ولكن عبدالحميد السراج، تلقى باسمه مليوناً وسبعمائة وخمسين ألف جنيه إسترلينى، ولم يستطع هذا المبلغ الطائل الذى تتحطم أمامه مقاومة كثيرين، أن يكون بالنسبة لعبدالحميد السراج، إلا دليلاً فى قضية. لا أكثر ولا أقل.
لم يفكر عبدالحميد السراج لحظة فى قيمة شيكات الملك سعود كأموال.
وإنما كان فكره فيها طول الوقت أنها مجرد وثائق تدين الملك وتثبت عليه التآمر وتكشف الرجعية العربية أمام الرأى العام العربى.
هذه لمسات الضوء فى الصورة، وفيها دون جدال ومضات باهرة ثم أنتقل إلى لمسات الظل!
لمسات الظل ثلاث أيضاً!
1- القوة، فى تقديرى هى لمسة الظل الأولى فى شخصية عبدالحميد السراج وأعنى بالقوة هنا. تجميعها والإمساك بها ولَمّ خيوطها جميعاً فى قبضة يد واحدة.
كان عبدالحميد السراج – ولقد أكون مخطئاً – يحب القوة، وحب القوة يحمل فى طياته الرغبة فى الانفراد بها، فإن الذى يحب القوة يعتقد أن توزيعها على الأيدى الكثيرة ينتقص من إحساسه بها فى يده.
من هنا، لم يكن عبدالحميد السراج، وسط الكتل المتصارعة فى الجيش السورى قبل الوحدة يمثل كتلة أو يقود مجموعة، كان بعيداً عن كل الكتل والمجموعات، وكان فى نفس الوقت على اتصال بها جميعاً، وإن كان سنده الرئيسى هو كتلة الضباط الوطنيين فى الجيش.
وحين صدرت سنة 1957 حركة تنقلات فى الجيش – صدرت بتحريض الملك سعود وضغطه على شكرى القوتلى وبمساندة أمين النفورى الذى كان رئيس الشعبة الأولى فى الجيش وقتها – وتضمنت هذه الحركة نقل عبدالحميد السراج من منصب رئيس المكتب الثانى – أى المخابرات – كانت كتلة الضباط الوطنيين هى التى هددت بإجراء انقلاب إذا لم يبق عبدالحميد السراج فى مكانه. وبقى.
وليست القوة ظلاً، ولكن الظل يلحق بها إذا كانت القوة غاية ولم تكن وسيلة.
القوة مطلب للثائر لأنها أداة تغيير ثورى والسلطة طاقة دافعة تستطيع أن تفرض الفكرة المثالية على التجربة وتمنحها فرصة الحياة.
وليست القوة غاية فى حد ذاتها وليست السلطة رغبة شخصية وإلا أصبحت مقدمة ضاعت منها نتيجتها وإلا خطوة تعلقت فى الهواء دون مقصد أو هدف!
2- وتقودنى هذه النقطة إلى لمسة الظل الثانية فى عبدالحميد السراج.
هذه اللمسة هى أن عبدالحميد السراج لم يكن بطبيعته، أو بحكم ما أحاط به من ظروف، ثورياً اجتماعياً.
من هنا فإن القوة فى يده وصلت إلى طريق مسدود.
لقد جمع فى يده من السلطات قبل الوحدة، ما لم يتجمع فى يد فرد.
فى درج مكتبه كل المفاتيح، وأصابعه على كل الأزرار.
ولكن ماذا بعد ذلك؟
لم تكن القوة فى يده إلا صراعاً على القمة، من أجل مزيد من السلطة، ولكن القوة لم تواصل سيرها من يده لتنزل إلى الجماهير السورية لتكون أداة مؤثرة وقوة دافعة لنضال الشعب وإن كنت هنا لا أقلل من قيمة الدور الذى لعبته القوة التى ركزها عبدالحميد السراج فى يده فى حماية الاستقلال السورى قبل الوحدة.
3- من هذه النقطة أيضا جاءت لمسة الظل الثالثة فى شخصية عبدالحميد السراج، وتلك هى إيمانه بالوسائل البوليسية.
كان يريد أن يعرف كل شىء عن كل الناس، لا تفوته حركة، ولا تفلت سمعه همسة.
وفى الدعايات التى توجه ضد الجمهورية العربية الآن، ما يقال من أن عبدالحميد السراج كان يراقب جميع تليفونات خصومه، ولكن الذى لم يقله أحد – وإن كان حقيقة – هو ما تبين من أن عبدالحميد السراج كان يضع تليفونات زملائه فى الوزارة أنفسهم تحت الرقابة!
ونتيجة لهذا فإن جهاز البوليس تحت إشرافه توغل واستشرى.
هنا أيضاً لم يعد جهاز البوليس وسيلة تحمى المجتمع وتخدم القانون.
وإنما فى بعض الأحيان فلت جهاز البوليس فأصبح فوق المجتمع وفوق القانون وكانت هذه بالذات. أعقد المشاكل فى سوريا.
ولقد كنت أسمع كثيراً عن جهاز عبدالحميد السراج البوليسى ولم أكن أصدق.
حتى جربته بنفسى. ورأيته بعينى وجهاً لوجه.
فى ليلة من ليالى أكتوبر سنة 1959، كنت فى دمشق، وكان المشير عبدالحكيم عامر قد وصل إليها منذ أيام فى مهمة رسمية.
فى تلك الليلة، قابلت فى فندق أمية الجديد، الصحفى الأمريكى المشهور هارى إيليس، وكان قد جاء من بيروت بناء على موعد مع المشير عبدالحكيم عامر حدده المكتب الصحفى لسفارة الجمهورية العربية المتحدة فى بيروت.
وقال لى هارى إيليس:
– لقد عدت الآن فوراً من موعد مع المشير عبدالحكيم عامر.
وجلست مع هارى إيليس فى بهو فندق أمية نتحدث معاً فى قصص وذكريات وتجارب واجهناها معاً أيام كنا مراسلين حربيين فى كوريا قبل ما يقرب من عشر سنوات.
وتركت هارى إيليس وصعدت إلى غرفتى فى الفندق لأنام.
ولم تمضِ إلا بضع دقائق حتى سمعت طرقة على الباب، وفتحت وإذا شاب يقدم لى نفسه باعتباره من المكتب الثانى. ودهشت.
وقال الشاب فى رقة وأدب شديدين:
– سيدى. ألم تكن الآن مع هذا الصحفى الأمريكى. “إيليس”؟
قلت له: نعم!
قال: عرفنا أنه قابل المشير الليلة.
قلت: هكذا سمعت منه!
قال: ألم يقل لك ماذا سمع من المشير؟
وتحولت دهشتى إلى ذهول، وقلت له:
– هل تسمح لى أن أسألك. لماذا تريد أن تعرف؟
قال ببساطة:
– لأكتبه فى التقرير!
قلت:
– تقرير. لمَن سوف تكتب التقرير؟
قال:
– لوزير الداخلية.
قلت:
– لا أظن أن وزير الداخلية – السيد عبدالحميد السراج – يحتاج إلى تقرير فى هذا الأمر، إن حديث إيليس دار مع المشير، ويستطيع وزير الداخلية أن يسأل فيه المشير رأساً.
قال الشاب بحزم:
– سيدى. ظننتك تستطيع مساعدتى بدل أن أسأل الرجل الأجنبى نفسه.
وأحسست بقلق، لقد تصورت ما يمكن أن يحدث لو ذهب هذا الضابط الشاب من المكتب الثانى إلى هارى إيليس وسأله عن حديثه مع المشير عبدالحكيم عامر.
ما الذى يمكن أن يفهمه هارى إيليس من هذا الوضع؟
أغلب الظن أنه كصحفى مجرب وقديم، سوف يفهم منه الكثير.
وقررت على الفور أن لا أترك الأمر.
سكتّ لحظة ثم قلت لضابط المكتب الثانى الشاب:
– اسمع. ما رأيك لو انتظرت إلى الصباح وأنا أعطيك كل ما سمعته من هارى إيليس عما دار بينه وبين المشير.
قال الضابط الشاب:
– ألا تستطيع أن تفعل ذلك الآن؟
قلت:
– نحن الآن فى الواحدة من الصباح، ولقد كنت على وشك أن أنام كما ترى، والمسألة كلها بضع ساعات.
قال الضابط الشاب:
– فى الصباح الباكر. حتى أكتب تقريرى قبل أن تفتح الدوائر الحكومية.
قلت: فى السابعة صباحاً سوف أكون تحت أمرك.
وأقفلت الباب وأنا أفكر كيف أتصرف فى الأمر بهدوء، كان همى كله أن لا تبدو الجمهورية العربية المتحدة أمام صحفى أجنبى غريب فى صورة تثير فضوله، ومن يدرى ماذا يمكن أن تثيره بعد الفضول! ثم وصلت إلى حل، ورفعت سماعة التليفون وطلبت هارى إيليس وكان ينزل فى نفس الفندق قلت له:
– هارى. يبدو أن صحفياً آخر حصل على حديث من المشير. وفى رأيى أن لا تنتظر للغد حتى تبرق بحديثك معه ويسبقك الصحفى الآخر.
إنك لن تجد مكتب البرق مفتوحاً فى دمشق الآن، لهذا فإنى أقترح عليك أن تركب سيارتك فوراً إلى بيروت وتبرق بحديثك مع المشير قبل الفجر وتسبق به غيرك!
واعتبرها الصديق الطيب جميلاً أسديته إليه تطوعاً ووفاء.
وظللت بعدها أشعر بوخز الضمير. ولكن المهم أن هارى إيليس خرج من دمشق ووصل إلى بيروت قبل الصباح.
ودق جرس التليفون بجوار سريرى فى الساعة السابعة صباحاً.
وكان المتحدث هو ضابط المكتب الثانى الشاب يذكرنى بموعده معى.
وقلت له:
– متأسف. هل تتركنى لأنام.
قال:
– ولو. أما وعدتنى أن تحكى لى ما قاله لك إيليس من حديث المشير معه.
قلت له ببساطة:
– لم يقل لى شيئاً فى هذا الموضوع.
قال بحدة:
– شو هَا الحَكِى.
قلت بهدوء:
– هذا ما حدث!
وأقفل التليفون غاضباً، ولكن الصمت فى الحجرة بعد بضع دقائق تمزق وتبدد من طرقات عنيفة على الباب، وقمت لأفتح، وكان هو بنفسه ضابط المكتب الثانى الشاب. جاء ثائراً غاضباً بعد أن عرف أن هارى إيليس نفسه غادر الفندق فى الفجر وانطلق على طريق بيروت!
ولقد أطلت فى هذه الحكاية عن عمد. فهى فى رأيى ترسم صورة عشتها بنفسى ورأيتها.
وهذه أول مرة أسمح لنفسى أن أرويها، وإن كانت قد أثارت فى عديد من المناسبات أسئلة كثيرة فى خاطرى.
مثلاً. هل يعرف عبدالحميد السراج بما كان يفعله ضابطه الشاب؟
مثلاً. هل يمكن أن تصل الأمور إلى هذا المدى بغير علمه؟
مثلاً. إذا كان هذا يمكن أن يحدث معى- وأنا صحفى – يملك أن يكتب وأن يتكلم، فما الذى يمكن أن يحدث مع غيرى ممن لا يملك وسيلة للكتابة أو للكلام؟
ومثلاً. وهذا هو الأهم. إننى أجىء إلى دمشق زائراً ثلاث مرات أو أربعاً فى السنة. فما الذى يحدث للذين يعيشون فيها طول السنة؟
ولست أريد أن أقسو على عبدالحميد السراج، فلقد يكون فيما جرى، لغيرى ولى، كثير لا يعلمه. ولكن المشكلة أن الأجهزة البوليسية إذا تركت من غير حدود تقف عندها فإنها تكتسب طبيعة سرطانية، قاسية ومدمرة!
كانت هذه لمسات الضوء ولمسات الظل فى صورة عبدالحميد السراج قبل الوحدة.
وفى عهد الوحدة كبر عبدالحميد السراج.
لم يعد رئيس المكتب الثانى. وإنما وصل حتى أصبح نائباً لرئيس الجمهورية.
وكانت لمسات الضوء فيه من قبل الوحدة نقطة انطلاقة إلى مكانته البارزة فى النظام الجديد.
كان ديدبان الحراسة ضد المؤامرات فى الفترة الحرجة.
كان منظم عملية نسف خط أنابيب البترول.
كان ممثل دور البطل فى الدراما العنيفة التى ظهر فيها الملك سعود فى دور قوى الشر الرجعية التى حاولت بالمال وبالغواية أن تفسد وأن تحطم.
ومن هذه الانطلاقة أصبح لعبدالحميد السراج وضع خاص فى تجربة الوحدة.
وكانت لهذا الوضع الخاص احتمالاته. وأخطاره.
أولاً – أصبح عبدالحميد السراج بالنسبة لكل الذين يكرهون الوحدة هدفاً يسهل التركيز عليه.
إن ظروف الحوادث نفسها وضعته موضع البطل فى مواجهة قوى الشر.
ولما بدأت قوى الشر تضرب انتقاماً لنفسها كان محتماً أن تكون بعض ضرباتها موجهة له.
هكذا أخذته الرياض، وعمان، وبغداد تحت الحكم الهاشمى – وبعده لسوء الحظ – هدفاً مكشوفاً لحملاتها وأخذته قوى الاستعمار أيضاً وراء هؤلاء، وفى ذيل الجميع بطبيعة منطق الحوادث. أخذته أيضاً إسرائيل.
ثانياً – أصبح عبدالحميد السراج بالنسبة لعدد كبير من ساسة سوريا القدامى، حتى أولئك الذين انساقوا منهم فى صدر تيار الوحدة – خطراً داهماً، بحكم ما يعرفه عنهم. وقد كان عبدالحميد السراج يعرف عنهم الكثير ويبقيه تحت يده، ومن هنا فإنى لا أتصور أن حكومة الانقلاب فى دمشق سوف تحاكم عبدالحميد السراج. فلو أعطيت له فرصة للمحاكمة وتكلم لاستطاع وهو فى قفص الاتهام أن يضع الحبل حول رءوس الذين يدعون عليه بالاتهام ولَتمكن منهم قبل أن يتمكنوا منه.
وطوال سنين الوحدة. كان عبدالحميد السراج هدفاً لحملات الكراهية المنظمة والهمس المسموم.
ثالثاً: زاد على ذلك كله، وضع آخر، يختلف فى طبيعته.
ذلك هو علاقة عبدالحميد السراج بغيره من كتلة الضباط الوطنيين فى الجيش. هؤلاء الذين كانوا يسندونه فيما مضى، ثم وجدوه فجأة يكبر عليهم ويتقدمهم فى الشوط بكثير.
هنا مشكلة إنسانية بحتة، سمعت واحداً من الضباط الوطنيين يعبر عنها مرة فى صدق وطيبة بقوله:
– لقد كانت لعبدالحميد فى حمل الجمل قشة، ولكنه بالقشة أخذ الجمل بما حمل!
ولقد كان يمكن أن يتحسن الموقف لو أن لمسات الظل فى شخصية عبدالحميد السراج توارت أمام لمسات الضوء، وخبت بعد انطلاقة عبدالحميد السراج الكبرى بعد الوحدة إلى آفاق النجوم!
لكن لمسات الظل، حتى فى آفاق النجوم، بقيت فى مكانها.
– القوة. حب القوة.
– القوة كغاية. وليست كوسيلة لتغيير ثورى.
– الفكرة البوليسية.
ومن القوة، من حب القوة، كانت المشاكل التى تعرض لها عبدالحميد السراج، وعرض لها الجمهورية العربية المتحدة كلها، لكى تكون كلمته فى النهاية هى الكلمة فى سوريا.
وكان عبدالحميد السراج، قبل إقامة الحكومة الموحدة للجمهورية العربية المتحدة، فى شهر يوليو الماضى، من أكثر المتحمسين لتوحيد الحكومة وإلغاء المجالس التنفيذية.
ولكن الواضح اليوم أنه كان يتصور وقتها، أن طبيعة الظروف سوف تتركه نائباً لرئيس الجمهورية فى دمشق.
وفى الظروف السائدة فى سوريا أيامها كان ذلك أمراً يصعب قبوله.
ولربما كانت من هنا حساسية عبدالحميد السراج بعد أن عرف أن منصبه يقتضيه العمل فى القاهرة.
كذلك من هنا المشكلة التى ثارت بينه وبين المشير عبدالحكيم عامر الذى كلف بالسفر إلى دمشق والبقاء فيها فترة توحيد الحكومة. وفترة تطبيق الإجراءات الاشتراكية الثورية. قوانين يوليو سنة 1961.
ولو كانت القوة فى تصور عبدالحميد السراج وسيلة فى يد الثائر لدفع التغيير الثورى – وليست غاية فى حد ذاتها – لاختلف تصرفه فى المشكلة التى أثارها بسبب مهمة المشير عبدالحكيم عامر فى دمشق.
فى تلك الفترة الحساسة، فى أعقاب صدور القوانين الاشتراكية، وبدء تنفيذها، عاد عبدالحميد السراج فجأة من القاهرة إلى دمشق، يجمع أوراقه من مكتبه فى وزارة الداخلية.
ويقول: إنه لا يريد أن يعمل.
ثم ترك بعض ضباطه المقربين إليه دورهم كحراس للأمن وراحوا يتصلون ببعض العناصر لكى تثير الشغب وتحرك القلاقل ليكون الضغط الذى يبقى بعده – عبدالحميد السراج – وحده فى سوريا.
وكان بعض هؤلاء الضباط فى علاقاتهم بالناس قد تركوا أثراً، رؤى معه ضرورة ابتعادهم عن دمشق، وفوتح عبدالحميد السراج فى ذلك من قبلها، وطلب إليه أن ينتدبهم معه للعمل فى القاهرة، وقبل، ولكنهم فجأة تلكئوا فى القدوم إلى القاهرة وانساقوا فى نشاطهم العصبى بحماقة لا يبررها أى قدر من افتراض حسن النية!
ثم جاء ضياع أعصاب عبدالحميد السراج، هذا الضياع الذى حمله على الاستقالة. جاء بذلك القرار الذى أصدره المشير عبدالحكيم عامر بتاريخ 18 سبتمبر 1961 والذى نص فيه على ما يلى:
“يمنع توقيف – اعتقال – أى شخص إلا بمذكرة من النيابة العامة. أى أنه لا يجوز لأية سلطة من سلطات الأمن توقيف أى مواطن إلا إذا كان هذا التوقيف عن طريق السلطة القضائية. أى النيابة العامة”.
وفى نفس اليوم أصدر المشير عبدالحكيم عامر قراراً بتعيين مدير جديد للأمن العام بدلا من العقيد مروان السباعى.
وكان العقيد مروان السباعى مشرفاً على ما كانوا يسمونه بالمكاتب الخاصة، وكانت هذه المكاتب الخاصة التابعة لوزارة الداخلية تعطى نفسها سلطة اعتقال أى مواطن والتصرف معه كما تشاء بحجة دواعى الأمن.
ومع أن إنهاء الجو البوليسى كان رغبة شعبية فى سوريا، ومع أن بعض الذين كانوا يعملون فى البوليس فى خدمة الأمن بدءوا فجأة يعملون ضد الأمن بالتحريض على الإثارة وتحريك القلاقل حتى فى أوساط العمال وفى داخل الاتحاد القومى ذاته.
مع ذلك كله، فإن عبدالحميد السراج اعتبر القرار الذى صدر بمنع اعتقال أى مواطن عن غير طريق السلطة القضائية، وبتغيير مدير الأمن العام، اعتبره على حد قوله “شرشحة” له.
ومن ثم أصبح الموقف فى دمشق بالغ الدقة.
وصدر أمر من القاهرة بأن يركب المشير عبدالحكيم عامر، ومعه السيد عبدالحميد السراج طائرة واحدة ويجيئان معاً إليها لمقابلة رئيس الجمهورية.
واجتمع الرئيس جمال عبدالناصر بكل منهما فى القاهرة، ثم اجتمع بهما معاً، ثم توالت اجتماعاته مع عبدالحميد السراج يحاول إقناعه بمنطق العقل أن لا ينساق وراء غضبه.
وكان فى المشكلة جانبها العاطفى، وهو أن جمال عبدالناصر يحب عبدالحميد السراج كشاب عربى وطنى مخلص، ولكنه بالتأكيد يحب شعب سوريا أكثر منه.
كان يحبه وهو يرى الضوء فى شخصيته ويرى الظل.
وكان أمله أن يتمكن الضوء يوماً من الغلبة على الظلال كلها وتبديدها!
وفعل جمال عبدالناصر مع عبدالحميد السراج ما لم يفعله مع غيره قابله خمس مرات، استغرقت ما يقرب من عشرين ساعة، حاول فيها أن يجعله يرى الحقيقة كما هى.
كان بين ما قاله جمال عبدالناصر:
– إننى لا أستطيع أن أفهم تصرفاتك وتصرفات رجالك فى دمشق.
لقد قابلتكم جميعاً – أنت وعدد من الوزراء السوريين – فى الإسكندرية فى شهر يوليو الماضى وتحدثت إليكم عن نيتى فى توجيه حكومة الجمهورية العربية المتحدة.
بل ويومها تحدثت إليكم بصراحة ليس بعدها صراحة.
قلت لكم يومها إننى لا أستطيع أن أترك الأحوال فى الإقليم السورى تمضى كما كانت تمضى.
لقد كانت لكل منكم فى الإقليم جماعته ومعنى هذه الجماعات المتفرقة أن يتمزق الوطن الواحد.
قلت لكم إنكم، وأنتم دعاة الوحدة وأنصارها، قد سببتم لى من المتاعب ما لم يسببه أعداء الوحدة وخصومها وإنه لولا إيمانى بالجماهير السورية نفسها، ولولا ثقتى فيها، لكنت طلبت من شكرى القوتلى أن يتسلم رياسة الجمهورية فى سوريا ويعفينى منها، ولكنى فى سبيل الجماهير السورية وحدها أتحمل ما أتحمله.
ولقد اخترتك نائباً لرئيس الجمهورية وأعطيتك أوسع الاختصاصات وطلبت منك قبل سفرى إلى بلجراد لحضور مؤتمر الدول غير المنحازة أن تتحمل مسئوليتك الكبيرة على مستوى الجمهورية كلها، ولكنى فوجئت بما فعلته بعد ذلك فى دمشق، ثم بالذى فعله بعض رجالك واتضح لى أن كل الذى تريده هو أن تبقى حاكماً لسوريا.
وأنا أريدك مسئولاً فى الجمهورية العربية المتحدة كلها.
ثم من ناحية أخرى أنت تعرف رأيى فى كثير من إجراءات البوليس فى دمشق، ولقد قلت لك إنها فى كثير من الأحيان تضر بسمعة الجمهورية أكثر مما تخدم أمنها.
وأنا أُقدّر حسن نيتك فيما تفعله وأفهم أن الإخلاص للجمهورية هو الذى يدفعك إليه ولكن الأمور لا تحتاج الوصول إلى هذا المدى الذى يصل إليه بعض رجالك فى بعض الأحيان.
ولم تستطع لمسات الضوء أن تقهر لمسات الظل.
واستقال عبدالحميد السراج.
وهو الآن فى سجن المزة فى دمشق، وبالرغم من كل شىء، فإنى أشعر أن جزءاً من عواطفى معه وأسال نفسى:
– ترى ماذا سيكون من أثر المحنة عليه؟
وفى مناى أن يكون الضوء فى شخصيته قد انتصر على الظلال، وصهرها وأذابها.
لا من أجل شىء، ولكن من أجله هو كشاب عربى وطنى مخلص تحمل فى التاريخ المعاصر للأمة العربية كثيراً من المسئوليات، ولعب يوماً من الأيام دور البطل أمام قوى الشر الرجعية، وارتفع مرة من المرات إلى آفاق النجوم!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=159