قداستكم فى قلب مصر

قداستكم فى قلب مصر

بقلم   د. يحيى الجمل    ١٥/ ٤/ ٢٠١٣

أتوجه بهذا الخطاب إلى قداسة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية لأقول لقداسته يا قداسة البابا أنتم فى قلب مصر ووجدانها ومشاعر كل أبنائها مهما أرجف بعض المرجفين وردد بعض الحمقى ممن لا يعرفون حقيقة الدين وجوهره. الدين فى جوهره محبة لأن الله فى عليائه محبة. ومازلت أذكر كلمة قداستكم الرائعة يوم تنصيبكم: نحن فى عالم جائع للمحبة.

أذكر لقداستكم أن الذين ارتكبوا العدوان على بعض الكنائس سواء فى الماضى القريب أو فى الأيام الأخيرة والذين اعتدوا على مقر البابوية لا يبغون ولا يستهدفون إلا خراب مصر والعياذ بالله لأنهم يدركون جيداً – كما قلت ورددت أكثر من مرة – أنه لا يكسر مصر إلا الفتنة الطائفية وإلا الوقيعة بين أبناء مصر مسيحيين ومسلمين.

أذكر لقداستكم أن الاعتداء على المقر البابوى وما حدث فى قرية الخصوص لا يقوم به إلا مختل عقلياً وفى نفس الوقت بعيد عن روح الدين ومعناه بعد السماء عن الأرض.

إن مصر يا قداسة البابا – كما قال سلفكم العظيم قداسة البابا شنوده قدّس الله روحه وطيب ثراه – إن مصر ليست وطناً نعيش فيه ولكن مصر وطن يعيش فينا. هل هناك أكثر روعة وعمقاً وتعبيراً عن الانتماء أكثر من هذه العبارة الخالدة فى التاريخ المصرى الحديث!!.

وقد كنت ومازلت أعتز بعلاقتى العميقة بقداسته حتى آخر يوم فى حياته يوم حضرت مشاهد وداعه إلى مقره الأخير. وقد أكون آخر من هاتفه فى اليوم السابق على انتقاله وسمعته يقول لى بصوت خافت وإن كان عميقاً «لك محبتى» وأذكر لقداستكم ياقداسة البابا تواضروس الثانى أن هاتين الكلمتين الرائعتين مازالتا ترنان فى أذنى وتدفئان وجدانى «لك محبتى» والصديق العزيز الأنبا أرميا – سكرتير قداسته آنذاك – شاهد على هذا الذى أقوله إذا كنت محتاجاً إلى شاهد.

لا أحد يستطيع أن يقول لقداستكم لا تغضب لما حدث ولا تأسف عليه ولا تترك المقر البابوى وتعتذر عن «موعظة الأربعاء» وتعتكف بعيداً عن القاهرة. هذا يا سيدى غضب مشروع. وعندما يغضب أقباط مصر لما حدث فإنهم أصحاب حق فى غضبهم. إن بعض الكلمات المعسولة التى تصدر عن الرئاسة لا تكفى لإطفاء نار الغضب طالما أن هذه الكلمات الرقيقة لم يعقبها إجراء حاسم لمطاردة الجناة وعقابهم على فعلتهم الشنعاء. وبدلاً من ذلك يخرج متحدث باسم الرئاسة يحمل الإخوة الأقباط مسؤولية ما حدث.

فى أى تفكير عاقل حريص على هذا البلد فإن مسؤولية الأغلبية أن تحتضن الأقلية وأن تشعرها بالدفء والأمان. يا قداسة البابا المعظم تواضروس الثانى إن الرجل الذى يوجه هذا الخطاب إلى سيادتكم – الذى هو أنا – رجل مسلم يعتقد أنه يحب دينه ويفهمه. رجل حفظ القرآن قبل أن يبلغ الحلم وأدى شعائر دينه من حج وعمرة أكثر من مرة. وفى كل ركن من أركان منزله نسخة من القرآن الكريم. ولكنه يا قداسة البابا يفهم الإسلام كما فهمه الإمام محمد عبده وكما يفهمه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب. ويفهم الإسلام كما فهمه شيخ المتصوفة الإمام محيى الدين بن عربى الذى يقول فى بعض شعره منذ قرابة عشرة قرون:

أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب دينى وإيمانى

لقد صار قلبى قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وكعبة طائف وبيت لأوثان

وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب دينى وإيمانى

هل هناك سماحة فى الدين واتساع أفق أعمق أو أصدق من ذلك؟

هذا كلام قاله إمام المتصوفين من عدة قرون مضت فهل هناك مقارنة بين ما قاله هذا الإمام العظيم وما يقوله بعض المتخلفين اليوم. وكما فهمه ذلك الإمام الذى أبعد عن مسجده فذهب لصلاة الجمعة الماضية فى أحد الكنائس.

هل يدرك كثير من الناس أن كلمة « قبطى» فى أصل معناها تحمل معنى الجنسية ولا تحمل معنى الديانة.

قبطى هى أصل كلمة «إيجيبتى» أو فى بعض اللغات الأوربية «إخيبتى» أى مصرى فكل مصرى هو قبطى على نحو من الأنحاء.

الذين يشعلون نار الفتنة الطائفية يعرفون ما يفعلون. إنهم يريدون أن يكسروا مصر، وكسر مصر لن يكون إلا لمصلحة الصهيونية العالمية فهل هذا هو ما يريده هؤلاء الحمقى والبغاة.

يا سيدى قداسة البابا تواضروس الثانى من حقك أن تغضب ومن حق الإخوة المسيحيين أن يغضبوا ولكن تأكد يا سيدى البابا أنك وكل المسيحيين فى مصر بكل كنائسهم فى قلب القلب من مصر الأصيلة العظيمة.

عد يا سيدى إلى مقر الكنيسة المرقسية والله يرعاك والشعب المصرى كله يرعاك وجيش مصر الباسل لن يسمح بهذا العبث.والله غالب على أمره وسيحفظ مصر بإذن الله.

والله المستعان.