قبلة اليد وانحناءة الظهر بقلم حسن حنفي

الجسد لغة. وهناك فن بأكمله هو فن البانتومايم يتم فيه التعبير عن العواطف الإنسانية بحركات الجسد. وهناك مشية المارش العسكرى والمشية الجنائزية، وهناك مشية رجال الصاعقة النطاطة. وهناك قبلة اليد للاحترام والتقديس وانحناءة الظهر لمزيد من الاحترام والتقديس والتعظيم للرئيس، ثم يعطى الرئيس البركة على رأس من قبل واضعا يده على ظهر من ينحنى. والجو العام هو جو الطاعة والولاء من المجموع لشخص الرئيس وهو الذى يقول فى كل مناسبة إن نظامه مدنيا يتساوى فيه الجميع، رئيساً ومرؤوساً. وقد أعاب الناس فى النظام السابق قبل الثورة تقبيل السيد ليد السيدة زوجة الرئيس أو تقبيل الناس ليد المرشد العام أو تقبيل الرأس. كما استغربوا تقبيل الإيرانيين يد المرشد الأعلى دليلا على الخضوع والإيمان، فهل الرئيس مقدس إلى هذا الحد؟ هل تم اختياره من الله كالنبى أم تم اختياره من الناس؟ أليس المقصود من هذه القبلة لليد والانحناءة مصالح قريبة أو بعيدة، كجزء من سلوك رجال الأعمال؟ هل هى قبلة المسيح أم قبلة يهوذا؟ ويوحى الرئيس بهذه الصورة أنه ليس كما تقول المعارضة ضده.

لقد وصف القرآن والحديث وأقوال الصحابة شخص الرسول بأوصاف إنسانية خالصة «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ»، ويرد القرآن على من يريد للرسول صفات إلهية مثل «وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الأَسْوَاقِ». وفى الحديث «ما أنا إلا ابن امرأة كانت تأكل القديد». ومن أقوال أبى بكر «من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت». وإذا كان هكذا يتم التعامل مع الرئيس حيا فكيف وهو ميت؟ هل تكون زيارة مقبرته واجبا مقدسا؟ وهل يوضع بجوار عبدالناصر والسادات وبجوار الجندى المجهول أمام المنصة؟ ألا يعلم الكل أنه أتى بديلاً عن آخر، أفضل منه كلاماً، وأذكى منه قراراً، وأقدر منه على التعامل مع الخصوم السياسيين.

أما الانحناء فهو مزيد من الطاعة وربما النفاق. ويشتد الانحناء متى تطول شفتا المنحنى ليد الرئيس. ومهما يبلغ قدر المحكوم من الاحترام والتعظيم للحاكم فإنه لا يبلغ درجة الانحناء الذى يعنى الطاعة والولاء بل العبودية. هكذا يفعل الخدم لأسيادهم والسفرجية للزبائن والراكع للمعبود. فالانحناء للرئيس لا يصح فى السياسة ولا فى الدين. فالناس كلهم سواء فى السياسة بل فى الدين كذلك باستثناء الإمام والمأموم كنظام فى الصلاة مثل أى نظام رياضى.

وقد كان الشعار فى بداية ثورة ١٩٥٢ والتى تعتبر ثورة يناير ٢٠١١ امتدادا لها «ارفع رأسك يا أخى فقد مضى عهد الاستعباد». ومازال هذا الشعار يعبر عن كنه الوطنية المصرية وروح القرآن الكريم «وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ». وماذا لو أخذ الرئيس فى الأصفاد مثلاً فأين القداسة والعظمة والجلالة؟ وماذا لو ظهر بعد التحقيق معه وكثرة البلاغات ضده؟ وماذا لو ظهر فاسدا حاميا للفساد، والشرع قادر على تبرير كل شىء؟ وماذا بعد أن اعتقل النشطاء وتسبب فى قتل المئات كما فعل النظام السابق وكان الرئيس نفسه من المعتقلين وخرج من السجن إلى القصر؟ وماذا لو ظهر أن الرئيس كان يصدر قراراته بتوجيه من جماعته بعد أن انفصل عنها وأصبح معبرا عن حزب سياسى فقط، حزب الحرية والعدالة؟ فإن حدث يكون قد فقد استقلاله وأصبح تابعا لغيره حتى لو كان مرشده العام. ومن يفقد استقلاله داخل بيته لا يستطيع أن يدافع عنه أمام القوى الأجنبية وشبكاتها الدولية.

قد يكون الرئيس الذى تنحنى له الجباه وتلصق على يده الشفاه مركز شبكة رئيسية من رجال الأعمال. يستمد أرباحه وعمولاته منها. ويسرب ملياراته، ويشترى قصوره وقراه وسواحله، هو وعائلته المقربة بل وأحفاده. ويأخذ الدين ستارا بحضور صلوات الجمعة والأعياد والمناسبات الدينية والوطنية. فهو رئيس الدين ورئيس الدولة. ويصادق السعودية كعبة الإسلام والمسلمين. ونسى ما كان يُروى لنا صغارا من دخول الفارس على حصانه وهو يغرز رمحه فى بلاط كسرى فى فارس بعد فتحها. وكسرى يعجب من هذا المحارب غير المتحضر الذى لا يعرف قيمة السجاد الذى يسير عليه حصانه ويغرز فيه رمحه. والفارس العربى يعجب من هذا الملك أو القيصر الذى يظن أن هذا القصر وهذا السجاد يحميانه من نور التوحيد الذى يحمله هذا العربى، وهو ما حدث لبيتهوفن عندما كان يسير بجوار جوته والناس تحييهما، وجوته ينحنى يمينا ويسارا، وبيتهوفن مرفوع الرأس قائلا لعل هذا الصياح استقبالا لى. فالغنى لا ينحنى. وانحناءة الظهر سلوك رجال أعمال وليس سلوك رجال دولة.

ويتراكم الغباء السياسى قبل ٣٠ يونيو وكأنه لا يوجد وقت نهائى للرئاسة والرئيس من هذا النوع. مع أن الأذكى هو أن تصبح الرئاسة قطب جذب وليس قطب نفور. وقد استمر الغباء السياسى بتعيين المحافظين وجزء كبير منهم من تيار الحزب الحاكم. فازداد نفور الشعب ليس فقط فى المدن الكبرى وميادينها بل أيضا فى المحافظات بعد يقظة الفلاحين والعمال وكما حدث أثناء ثورة ١٩١٩ بخلع قضبان السكك الحديدية.

ومن يقبل يد الرئيس يكون أقرب إلى الأنوثة منه إلى الذكورة. ومن ينحنى أمامه يكون أقرب إلى الحمار الذى يمكن ركوبه. وفى الغرب تقبيل اليد لا يكون إلا للنساء دون انحناء بل برفع اليد إلى مستوى الفم. وإذا كان الرئيس هو المثل الأعلى فى السلوك فإن عليه رفض تقبيل يده، وانحناءة الظهر أمامه. والسفراء الأجانب فى تقديم أوراق اعتمادهم يكونون واقفين ويدهم ممدودة بالأوراق. فلا مجال للتقبيل أو للانحناء. وعار علينا نحن أبناء الوطن أن نكون فى سلوكنا أقل مثالية من سلوك الأجانب.