فى دعم المصالحة بقلم خالد داوود

أتمنى لو يقرأ قادة الإخوان الكتابة الواضحة الضخمة على الحوائط، ويفرقون بين أعدائهم وأصدقائهم، ويعرفون من وقف بجانبهم منذ سنوات يدافع عن حقهم فى النشاط السياسى كما أى جماعة سياسية مصرية أخرى، ومن كان يدعو إلى سجنهم وسحلهم وسحقهم منذ البداية.

وأتمنى أيضا لو يستمعون وبتمعن إلى ما قاله الرجل الفاضل المحترم الدكتور كمال الهلباوى الإخوانى السابق ووجه الإسلام السمح، عن أنه فى ميدان التحرير يتجمع «كل المصريين» بينما فى ميادين رابعة والنهضة يتجمع «الإخوان المسلمون فقط». فالديمقراطية قوامها أنك تفوز بالصندوق لكى تخدم بعد ذلك كل أبناء شعبك، ممن انتخبوك ولم ينتخبوك، وليس لإصدار قوانين تجافى الديمقراطية وتسعى لوأدها وتمكين الجماعة أو الحزب الذى تنتمى إليه فقط.

أتابع طبعا محاولات الإخوان المستمرة والمستميتة لكى يستضيفوا سيدة غير محجبة أو رجلا حليق اللحية يقسم بأغلظ الإيمان أنه «مش إخوان مسلمين» من على منصة رابعة، ربما مرة أو اثنين فى اليوم، لكى يزعموا أن معارضى ما يسمونه بـ«انقلاب 30 يونيو» هم من «كل المصريين»، كما يقومون الاستعانة بمواطنة مسيحية مصرية تعانى انعداما كاملا للضمير، أو لوثة ما عقلها واضطرابات نفسية تدفعها إلى أن تقول بلا خجل إن المسيحيين المصريين «يشعرون بالاطمئنان فى ظل حكم الإخوان»، وكأنها لم تسمع قادة الإخوان قبل ذلك بدقائق يعتدون بفحش القول على قداسة البابا تواضروس الثانى، أو الزعم بأن الملايين التى خرجت فى كل ميادين مصر هم أساسا من المسيحيين بجانب الفلول، فى محاولة واضحة لإشعال فتنة طائفية تذر الأخضر واليابس.

والمشكلة أن هذا هو ما يعتقدونه بصدق، بدليل أن نائب المرشد العام خيرت الشاطر كان أول من ردد هذه المزاعم فى أعقاب التظاهرات أمام قصر الاتحادية فى ديسمبر الماضى، قائلا إن سبعين فى المئة من المتظاهرين فى ذلك الوقت «كانوا مسيحيين»، هذا عدا العشرات من المقابلات التى تجريها قناة «الإخوان مباشر مصر» (الجزيرة مباشر سابقا)، والتى يقولون فيها صراحة «حنولع فى كل النصارى. حنحرقهم هما والبابا تواضروس بتاعهم».

كعاملين فى مهنة الصحافة، يصلنا بشكل منتظم من مركز إعلام رابعة الإخوانى بيانات ممهورة بتوقيع مجموعة لم نسمع عنها من قبل هى «ضباط ضد التسييس»، وفيها يزعمون حدوث انشقاقات منتظمة واحتجاجات داخل القوات المسلحة اعتراضا على تورط الجيش فى السياسة. وبعد أن زادت الضغوط بشكل واضح من قبل الحكومة ووزارة الداخلية، محذرين من قرب فض اعتصام رابعة بعد أن تحولت حياة أهالى المنطقة إلى جحيم لا يطاق ومهانة، خرج علينا المرشد نفسه فى رسالته الأسبوعية أمس ليطالب جنود مصر الأبرار بأن لا يطيعوا أوامر قادتهم وأن لا يوجهوا بنادقهم إلى صدور الإخوان الأبرار، حيث «لا طاعة لمخلوق فى معصية خالق»، أليس مجرد الدعوة لمثل هذ الانشقاق، والحرب الأهلية بالضرورة بعد ذلك، تحريضا مباشرا على العنف يعاقب عليه القانون فى أى دولة فى العالم؟

الاستمرار فى هذا النهج يزيد جدا من صعوبة موقف كل من يدعون إلى للمصالحة بسبب تمسكهم بمبادئهم فى الأساس، والتى تقوم على عدم إمكانية عدم إقصاء أى جماعة سياسية، وكذلك الرفض المطلق للاستخدام المفرط للقوة فى مواجهة الإخوان، لأنهم فى الأساس مصريون لهم حقوق وعليهم واجبات. ولو كنا نجحنا باستخدام قوة الدولة المفرطة فقط فى مواجهة الجماعات الإسلامية فى حقبة التسعينيات الدموية من القرن الماضى، لكان من الممكن تقبل ولو على مضض باستخدام القوة لفض هذه الاعتصامات العنيفة وغير الشرعية فى رابعة والنهضة.

ولكن لأن الهم الأول هو الحفاظ على المصريين وأرواحهم، لأنه من دون المصريين لن تكون هناك مصر، فسيبقى دعاة المصالحة متسمكين بموقفهم حتى النهاية، مؤكدين أنهم سيكونون فى مقدمة معارضى أى استخدام للعنف لفض الاعتصامات أو الاعتقالات غير القانونية، وكذلك إقصاء أى جماعة سياسية. مصر ستمضى قدما بمشاركة كل أبنائها وبناتها، وهذا هو واقعنا الذى لا بد من التعامل معه. وحتى إذا كان قادة الإخوان لم يدعوا وسيلة لم يستخدموها لتكفير معارضيهم والدعاء عليهم بالخلود فى جهنم، فهذا شأنهم، وسيعرفون يوما ما أن الاستمرار فى هذا النهج سيكون أكبر خطأ ارتكبوه على مدى تاريخهم، خطأ يهدد وجود الجماعة نفسها فى مصر والعالم العربى.