فى المؤتمر الشعبى بالمنيا ١٣/١١/١٩٥٨

أيها الإخوة المواطنون:

ها نحن نلتقى مرة أخرى من هذا المكان وأنا أراكم أشد عزماً وأقوى إيماناً، وفى الحقيقية – أيها الإخوة – إن هذا اللقاء الذى يجمعنى معكم له أثر كبير، إن هذا اللقاء إنما يمثل العزم والقوة والإيمان، هذا اللقاء بين أبناء الشعب الذين آمنوا بفكرة، بين أبناء الشعب الذين آمنوا بعقيدة راسخة، هذا اللقاء كل ما يتكرر، كل ما تتجدد القوة وكل ما يشتد العزم والتصميم والإيمان، هذا اللقاء بين أبناء الشعب على فكرة واحدة وعلى عقيدة واحدة إنما يدفع فى القلوب نبضات الأمل ويقوى فيها نبضات الحياة.

هذا اللقاء الذى يجمع أبناء الشعب العربى الذين تجمعوا من كل مكان إنما له معنى كبير، فها نحن نلتقى – أيها الإخوة – بعد أحداث كبار وبعد أحداث جسام. لقد تكلمت آخر مرة منذ ثلاث شهور إلى أبناء الجمهورية العربية المتحدة، وإلى العرب جميعاً فى كل بلد عربى، تكلمت أولاً من دمشق، ثم تكلمت من القاهرة، وكنت اتكلم وكانت بلادنا وأمتنا ترزح تحت نير التهديد، كانت القوات الأجنبية تحتل بعض أجزاء من بلادنا العربية، وتهدد الجمهورية العربية، وتهدد ثورة العراق التى انتصرت على الظلم، وانتصرت على السيطرة، وانتصرت على الاستبداد.

من ٣ شهور كنا بنقابل أزمة جديدة فى هذه المنطقة من العالم، وكنا نشعر بتهديد جديد، وكنا نشعر بخطر جديد، ماكانش دا جديد علينا؛ لأننا من وقت ما صممنا على أن نستقل، ومن وقت ما صممنا على أن نحقق للأمة العربية كلها استقلال كامل وحرية حقيقية وتضامن كامل، كنا نجابه الخطر وكنا نجابه العدوان، وكنا نعلم أن سلاحنا فى مجابهة الخطر وسلاحنا فى مجابهة العدوان هو وحدتنا، وإيماننا بنفسنا، وإيماننا بإخوتنا العرب فى كل بلد عربى، وصممنا على أن نقاوم وانتصرنا. ولما جابهنا الخطر منذ ٣ شهور، وصممنا على أن نقف مع شعب العراق جنباً إلى جنب فى معركته من أجل الحرية ومعركته من أجل الاستقلال، كنا نؤمن بقوتنا ونؤمن بعقيدتنا، وكنا نعتمد على الله، ونعتمد على الإيمان ضد القوة الغاشمة؛ ضد الطائرات، وضد الأساطيل، وضد إنزال الجيوش.

واليوم – أيها الإخوة – ونحن هنا نلتقى وأنا الآن أتكلم إلى شعب الجمهورية العربية، نشعر بعد ثلاث شهور أن هذا الخطر وهذه الأزمة المفتعلة قد انحسرت إلى غير رجعة، وأننا فى نفس الوقت ننتظر أزمات أخرى وأزمات، ولكنا سنقابل هذه الأزمات بنفس القوة وبنفس الإيمان، بنفس العزم وبنفس التصميم؛ لأن كل فرد منا يؤمن فى نفسه ويؤمن فى أخيه، ولأننا نؤمن بالقومية العربية الحقة ونؤمن بالوطن العربى.

هذا – أيها الإخوة – هو السلاح الذى حاربنا به المعارك الطويلة وانتصرنا، وهذا – أيها الإخوة – هو السلاح الذى نتسلح به اليوم فى معركتنا ضد الاستعمار وضد أساليب الاستعمار وضد ألاعيب الاستعمار، هدفنا واحد، وعقيدتنا ثابتة راسخة، وإننا نسير نحو هذا الهدف بتصميم وعزم، ونسير نحو هذه العقيدة بإيمان. وإننا بهذه الثقة وبهذا التصميم وبهذا العزم لابد أن ننتصر ما دام الله معنا، ومادامت الأمة العربية قد فطنت إلى ألاعيب الاستعمار، ووحدت جهودها، وآلت على نفسها أن تعيد مجدها التالد وأن تعيد الأيام الغابرة.

هذه – أيها الإخوة – هى الأحداث التى نمر بها؛ من ٣ شهور كانت فيه أزمة، من ٦ شهور كانت فيه أزمة، من سنة كانت فيه أزمة، من سنتين كان فيه أزمات، من ٣ سنين كانت فيه أزمات، ولكنا حينما اتحدنا.. حينما اتحد الشعب العربى وصمم على أن ينتصر فانتصر، وحينما اتحد الشعب العربى وصمم على أن يسير فى طريقه ليحقق أمانيه ويحقق أهدافه، حقق هذه الأمانى وحقق هذه الأهداف. وإننا اليوم ونحن نجتمع فى هذا المكان نشعر بالأمانى.. الأمانى العظام، ونشعر بالأهداف الكبرى التى نتجه إليها، إن هذه الأمانى العظام وإن هذه الأهداف الكبرى التى نتجه إليها تحتاج منا أن نجاهد وأن نعمل.

لقد تسلحنا دائماً بالروح المعنوية، لقد تسلحنا دائماً بالإيمان، وانتصرت الروح المعنوية وانتصر الإيمان. فى الحقيقية فى الماضى كانت القوة الغاشمة تستطيع أن تكبت.. تكبت الشعور وتكبت الروح التى تتجه نحو الحرية، ولكن هذا الكبت كان لأمد قصير، وكانت الأمة العربية تستعيد قوتها وتستعيد عزمها.

إذا نظرنا إلى التاريخ الماضى وإلى التاريخ القديم حينما نادت الأمة العربية بالقومية العربية وصممت على تحقيقها، وحينما واجهت العدوان.. العدوان المسلح.. العدوان القوى، وحينما حاربت، وحينما صممت على أن تنتصر فانتصرت. حينما أتى “نابليون” إلى هذه المنطقة – إلى مصر – وتقدم بأساطيله وقواته، وكان “نابليون” فى هذا الوقت هزم أوروبا كلها وكل دولة من دول أوروبا، وتقدم من القاهرة إلى الصعيد ليخضع الصعيد ويهزم الصعيد، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ هزم أكبر قواد “نابليون” هنا فى المنيا وفى أسيوط وفى قنا وفى كل مكان، ولم تكن هناك أساطيل، ولم تكن هناك مدافع. وإن حملة “نابليون” على مصر فى هذا الوقت التى اتجهت لإخضاعنا، واستطاعت أن تصل إلى القاهرة، وجندت القوات، وجندت الأساطيل، وجندت المدافع، جابهت العزم والتصميم والإيمان والاتحاد فهزمت.. هزمت فى كل بلد من بلاد الصعيد، وانسحب جيش “نابليون” من الصعيد بدون أن يخضع من بلاد الصعيد بلدة واحدة. ثم بعد هذا انسحب “نابليون” بعد ثلاث سنوات من أرض مصر كلها؛ لأنه لم يستطع أن يهزم مصر، ولكن هزمته قوة العزيمة، وهزمته قوة الإيمان، وهزمته قوة الإرادة.

واليوم – أيها الإخوة – نحارب بنفس الأسلحة ونحارب بنفس الإيمان.. نحارب بنفس القوة، ونحارب بنفس العزم، ونحارب بنفس التصميم، وسننتصر بإذن الله. حارب إخوانكم فى سوريا فى هذا الوقت.. حاربوا الغزو وحاربوا العدوان بالتصميم، بالإيمان، واتحد شعب مصر واتحد شعب سوريا ضد العدو المشترك، واتحدت الشعوب العربية ضد العدو المشترك على مر الزمن وعلى مر التاريخ، فهزم العدوان وانتصر الحق.

واليوم – أيها الإخوة – ينتصر الحق فى كل مكان وفى كل بلد من بلاد الوطن العربى؛ لقد انتصر الحق فى القاهرة، وانتصر الحق فى دمشق، وانتصر الحق فى بغداد، وسينتصر الحق – بإذن الله – فى كل بلد عربى، ولكن هذه المعركة التى نجابهها.. هذه المعركة التى نسير فيها ليست بالمعركة الهينة.. ليست بالمعركة السهلة، ولكنها معركة كبيرة.. معركة عزيمة لها نتائج تؤثر على الوطن العربى فى كل مكان، وتؤثر على مستقبل الوطن العربى، وتؤثر على مستقبلنا، وتؤثر على مستقبل أبنائنا. وأنا قد قلت لكم دائماً أيها الإخوة: إننا جيل على موعد مع القدر. قد يقول البعض: إننا نقابل الصعاب ونقابل المتاعب، وقد يقول البعض: إننا ندخل المعارك تلو المعارك، ولكنا لابد أن ندافع عن ما حققناه، لابد أن نحقق الاستقلال ولابد أن ندافع عن الاستقلال، لابد أن نحقق الحرية ولابد أن ندافع عن الحرية، لابد أن نبعث القومية العربية ثم ندافع عن القومية العربية، لابد أن نعلى راية الوحدة والاتحاد ثم ندافع عن راية الوحدة وندافع عن راية الاتحاد. واليوم وقد اتحدت سوريا مع مصر وكونت الجمهورية العربية المتحدة، أول وحدة عربية من التاريخ الحديث، علينا أن ندافع عن هذه الوحدة، وعلينا أن ندافع عن مثل هذه الوحدة العليا، وعلينا أن ندافع عن القومية العربية التى حققتها.

حينما قامت هذه الثورة كانت لها المثل العليا وكانت لها أهداف كبار؛ كنا نريد أن نتحرر من السيطرة المعتدية من الخارج، وكنا نريد أن نتحرر من الاستغلال، وأعلنا أننا نؤمن أن سلامتنا فى انتصار القومية العربية، وسرنا جميعاً بعد أن اتحدنا من أجل تحقيق هذه الأهداف، وكنت أقول لكم فى كل وقت: إن هذه المعارك ليست بالمعارك السهلة ولكنها ستكون معارك كبار، وسرنا وحققنا الاستقلال وعملنا على أن نحمى هذا الاستقلال، ثم سرنا لنحقق الوحدة ونعلى راية القومية العربية، سرنا بعزم وتصميم وإيمان وكنا فى هذا الطريق نقابل أزمات ونقابل المعارك، كان الاستعمار يريد أن يؤثر فى ثقتنا بأنفسنا، وكان الاستعمار أيضاً يريد أن يؤثر فى عزمنا وفى تصميمنا، وكان الاستعمار أيضاً – أيها الإخوة – يريد أن يعوق تقدمنا واتجاهنا نحو القوة ونحو العمل ونحو التصنيع.

كنا نحارب بالإيمان وكنا نحارب بالقوى الروحية، ولكنا فى نفس الوقت كنا نسعى إلى أن ندعم هذا الوطن وإلى أن نقيم بين أرجائه العمل الصحيح.. العمل القوى؛ الصناعة الثقيلة والصناعة الخفيفة، الزراعة المنظمة حتى تلتقى القوى المعنوية مع الإنتاج ومع التنمية الاقتصادية ومع القوى المادية، ولكنا جابهنا.. جابهنا معاكسات ومعاكسات، وجابهنا من الاستعمار فى هذا الوقت كل الوسائل التى تعيق هذا التقدم.

وحينما صممنا وصمم الشعب على أن يبنى السد العالى ليحصل على المياه ليزيد رقعته الزراعية، اعتقد الاستعمار أنه إذا قبض يده عنا فلن نستطيع أن نبنى هذا السد، ورفض أن يمد لنا يد المعونة بطريقة مهينة، فأممنا القنال حتى يشعر الاستعمار اننا وإن كنا دولة صغيرة، واننا وإن كنا دولة لا تملك القنابل الذرية ولا الطائرات الكثيرة، ولكننا نحافظ على استقلالنا ونحافظ أيضاً على كرامتنا.. أممنا القناة حتى نرفض اللطمة التى أرادوا أن يوجهوها إلى عزتنا وإلى تصميمنا وإلى إيماننا.. أممنا القناة حتى نبنى هذا السد بأموالنا الذى رفضوا أن يعاونونا بأموالهم لنبنيه.. أممنا القناة ونحن نعتقد أننا بهذا نشعرهم أن هذا الوطن لا يرضى الإهانة ولا يرضى الهوان.. أممنا القناة حتى نستعيد ما سلبوه من أموالنا، وحتى تعود الأموال التى يستغلوها ويمتصوها من أرضنا إلينا لنبنى بها من أجل تقدمنا، ومن أجل رفعة هذا الشعب، ومن أجل التصنيع، ومن أجل زيادة الرقعة الزراعية، فقامت قيامة الاستعمار وهدد وتوعد، ولكن الشعب العربى فى كل بلد عربى وقف إلى جانبنا وآثر أن يقاتل إلى جانبنا على أن يرى هذه البقعة العربية وهذا الوطن العربى وقد فقد حريته، وقد فقد استقلاله، وقد سقط مرة أخرى تحت سيطرة الاحتلال وتحت سيطرة الاستعمار.

ولم تكن المعركة التى حاربناها محددة فى هذه الأرض من العالم العربى، ولكن المعركة انتشرت فى جميع أجزاء العالم العربى؛ قام إخوتكم فى سوريا وقام إخوتكم فى العراق وقام إخوتكم فى الأردن وفى كل بلد عربى، وقام إخوتكم فى السودان ووضعوا جميعاً.. وضعوا جميعاً الحجر الرئيسى والحجر الأساسى للقومية العربية.. وضعوا بأيديهم وبسواعدهم وبعرقهم وبدمائهم هذا الحجر الأساسى، وأثبتوا للعالم أجمع أن القومية العربية ليست كلمة تقال، وليست من الأمانى وليست من الأحلام، ولكنها حقيقة واقعة؛ لأنها تجمع أبناء الوطن العربى فى كل بلد عربى؛ تجمع بينهم فى المشاعر وفى الآلام، تجمع بينهم فى الآمال وفى الأحلام، تجمع بينهم فى المعارك وفى القتال.

وسارت الأمة العربية جميعاً تساند شعب مصر الذى قاتل العدوان وقاتل الغزو، وانتصرت الأمة العربية، ولم يكن الانتصار فى هذا الوقت لشعب مصر وحده ولكن كان الانتصار للأمة العربية. وكان هذا اليوم – أيها الإخوة – هو اليوم الذى رفعت فيه راية القومية العربية، لم ترفع راية القومية العربية بفعل فرد أو بفعل أفراد، ولكن راية القومية العربية رفعها الشعب العربى حينما قاتل وحينما صمم على أن يتكاتف مع إخوته فى مصر الذين آثروا أن يدافعوا عن بلدهم، وعن حريتهم، وعن استقلالهم.

هذه هى – أيها الإخوة – القومية العربية الحقيقية.. هذه هى القومية العربية التى تنبعث من ضمير كل فرد عربى.. هذه هى القومية العربية التى تمثل معنى التآخى والتضامن العربى.. هذه هى القومية العربية التى كنا نحلم بها وكنا نراها بعيدة المنال.. هذه هى القومية العربية التى انتصرت فى الماضى وأصر الاستغلال والاستعمار على أن يحاربها ليهزمها، وقد اعتقد أنه قد هزمها وقد اعتقد أنه قد انتصر عليها.. هذه هى القومية العربية التى أراد الاستعمار أن يثبت بين أرجائها القومية الصهيونية، وهو يشعر أنه بذلك قد فتتها وقد انتصر عليها.. عادت فجأة إلى الوجود، عادت فجأة إلى الظهور، عادت فجأة لتحتل مكانها فى العالم فى هذا المكان، عادت فجأة لتثبت وجودها وتثبت قوتها وتثبت أن الشعب العربى قد آمن بها، هذه القومية العربية ليست من فعل فرد وليست من فعل أفراد.. هذه القومية العربية هى خالدة أبد الدهر مادام الشعب العربى يؤمن بها ويعمل من أجلها.. هذه القومية العربية سيرتفع علمها.. لم يرفعه جمال عبد الناصر وحده، إن جمال عبد الناصر هو جندى للقومية العربية، ولكن سيرفعها الشعب العربى فى كل بلد عربى.

هذه القومية العربية – أيها الإخوة – لا تعنى مطلقاً ولا تعنى بأى حال رئاسة فرد أو رئاسة أفراد، ولكنها تعنى سيادة الأمة العربية وتعنى سيادة الشعب العربى.. هذه القومية العربية إذا كنا رفعنا لواءها وإذا كنا تسلمنا قيادها؛ فإن قيادها سيستمر من يد إلى يد على مر الزمن وعلى مر الأيام بين كل أفراد هذه الأمة العربية وبين كل أفراد هذا الشعب العربى.. هذه القومية العربية لا يمكن أبداً أن تكون لواءً لفرد أو أن يرفع لواؤها لجمال عبد الناصر؛ لأن القومية العربية هى أنتم.. هى مشاعركم.. هى آلامكم.. هى كفاحكم.. هى قتالكم.. هى دماء شهدائكم وآبائكم وأجدادكم.

هذه هى القومية العربية التى أفهمها والتى أنادى من أجلها.. هذه القومية العربية التى نعمل من أجلها هى أن يستقل البلد العربى وأن يستقل الوطن العربى، وأن تنبع سياسة الأمة العربية من بين أرجاء الوطن العربى ومن ضمير الوطن العربى، ولا تكون نابعة من مستعمر أو مستبد أو محتل. إن القومية العربية كما نادينا بها فى سنة ٥٣ هى أن يتحرر الوطن العربى ويرفع عن أكتافه ذل الاحتلال وذل الاستعمار، هى أن يقاتل الوطن العربى ليتقدم ويرفع مستواه الاجتماعى، هى أن يقاتل الوطن العربى ليحقق لنفسه النهضة التى حرم منها والتى سبقتنا فيها بلاد أخرى فى جميع أنحاء العالم.

هذه – أيها الإخوة – هى القومية العربية التى أفهمها، ليست القومية العربية هى قيادة جمال عبد الناصر أو قيادة فرد أو أفراد، وإذا قلنا: إن القيادة تتوحد، فإنما نعنى قيادة المخلصين، قيادة الذين يعملون من أجل وطنهم ومن أجل بلدهم. إن جمال عبد الناصر حينما يتواجد فى هذا الوقت ليحمل هذه الرسالة باسمكم.. باسم هذا الشعب، إنما آلى على نفسه أن يسلمها إلى هذا الشعب قوية راسخة، عزيزة المبادئ، عزيزة الأهداف.

هذه – أيها الإخوة – هى القومية العربية التى يعمل الاستعمار الآن على أن يهاجمها ويفتتها؛ لأنه يشعر أنها لكم عزة واستقلال، وأنها له نهاية الاحتلال ونهاية الاستغلال.. إنها لكم كرامة وبناء، وإنها له نهاية لعهد العملاء.. إنها لكم الوحدة والقوة والمنعة، وإنها له نهاية مناطق النفوذ.

هذه – أيها الإخوة – هى القومية العربية التى نفهمها والتى ننادى بها، إذا أراد الاستعمار اليوم، بعد أن شعر بقوتكم وبعد أن شعر بقوة القومية العربية، أن يدس بين أبناء الوطن العربى ويفرق بين أبناء الوطن العربى، فإننا نقول له: إن هذا العمل ليس عملاً جديداً علينا، إننا قد مارسناه أباً عن جد، إننا مارسناه على طول الزمن وعلى طول السنين. إن دسائس الاستعمار لن تفرق بين أبناء الوطن الواحد، وإن دسائس الاستعمار لن تفرق بين أبناء الأمة العربية، إن الاستعمار الذى كان يحاول أن يخضع البلد الواحد ويحاول أن يفرق أبناءه، يحاول اليوم بكل وسيلة من الوسائل أن يفرق بين أبناء الأمة العربية، وكان الاستعمار – أيها الإخوة أبناء الأمة العربية – وكان الاستعمار – أيها الإخوة – فى الماضى يحاول أن يخضعنا بالسلاح ويحاول أن يخضعنا بالقوة الغاشمة، ولكنه جرب أن السلاح والقوة الغاشمة لن تمكنه من الانتصار، لقد انتصرتم على السلاح وانتصرتم على الأساطيل وانتصرتم على الطائرات، وعاد الاستعمار يجر أذيال الخيبة وأذيال الفشل، وإنه اليوم يحاول أن يجرب وسيلة أخرى، وسيلة التفرقة، وسيلة المال، وسيلة الدس، وسيلة الخديعة، ثم يجرب أيضاً سلاحه الأبدى: أعوان الاستعمار.

لقد قلت فى الماضى – أيها الإخوة – إن الاستعمار.. فليحمل الاستعمار عصاه على كتفيه ويرحل أو يقاتل حتى الموت دفاعاً عن وجوده، ولكنى أرى اليوم ان الاستعمار قاتل حتى الموت، قاتل هنا فى منطقة القنال ثم قاتل أيضاً فى بورسعيد، قاتل حتى الموت دفاعاً عن وجوده ولم يتمكن أن يتواجد بين أراضيكم، ثم رأيت الاستعمار مرة أخرى يقاتل حتى موت آخر أعوانه فى هذه المنطقة ليتواجد بينكم مرة أخرى.

إن سلاح الاستعمار اليوم هو أعوان الاستعمار، وقد كشفتم – أيها الإخوة المواطنون – أعوان الاستعمار، إن الاستعمار لا يستطيع أن ينفذ بيننا ولا يستطيع أن يتمكن فينا إلا إذا اعتمد على أعوانه، ولم تعد لقوة الاستعمار السطوة التى كانت لها، ولم يعد لأعوانه الأسطورة التى كانوا يخدعونكم بها، إن الأمة العربية فى كل بلد عربى قد استطاعت أن تكشف الاستعمار وتكشف أعوان الاستعمار. إننا نرى اليوم الاستعمار الذى انهزم فى بورسعيد، والذى انهزم حينما أراد أن يخضع هذه البلاد العربية لتنضم إلى حلف بغداد، وحينما انهزم.. حينما هدد وتوعد نراه اليوم يخلق الأعوان، يقوى الأعوان القدام ويخلق الأعوان الجداد، ولكن هل سينتصر أعوان الاستعمار أم ستنتصر الكرامة العربية والعزة العربية؟ لقد انتصرت الكرامة العربية وانتصرت القومية العربية حتى اليوم، وهزم الاستعمار وهزم أعوان الاستعمار، بل قتل أعوان الاستعمار، وستنتصر أيضاً القومية العربية.. ستنتصر أيضاً، وسيهزم أعوان الاستعمار.

إنهم – أيها الإخوة – يريدون أن يقسموا أبناء الوطن الواحد ويريدون أن يدسوا بين أبناء الوطن العربى؛ لا لسبب إلا أنهم يشعرون أن القومية العربية إذا تحققت وأن راية الوحدة أو الاتحاد أو التضامن إذا انتصرت، فإن الاستعمار لن يجد بين أراضيكم وبين أرجاء هذه المنطقة من العالم مناطق نفوذ. إننا نعنى بالقومية العربية أن نكون مستقلين وأن يكون هذا الاستقلال ينبع من ضمير أبنائنا، أن نعمل بسياسة مستقلة تنبع من ضمير أبناءنا، ألا نكون ذنباً لبلد، أو ألا نكون ذنباً للاستعمار، أو ألا نكون داخل مناطق النفوذ.

هذه هى القومية العربية.. القومية العربية وحدة، القومية العربية اتحاد، القومية العربية تضامن، ولكن يجب أن يكون كل ذلك مبنى على الحق، ومبنى على مصلحة العرب لا على مصلحة الاستعمار، ولا على مصلحة مناطق النفوذ.

هذه – أيها الإخوة – هى القومية العربية التى نحس بها والتى يحس بها الشعب العربى فى كل بلد عربى. وقد يتوهم الاستعمار أنه يستطيع أن يكسب جولة أو جولات معتمداً على أعوان الاستعمار، ولكنا نقول له: إن الشعب العربى فى كل بلد عربى على حذر، متيقظ للاستعمار ومتيقظ لأساليب الاستعمار، إننا نعرف جميعاً من هم أعوان الاستعمار.. نعرف جميعاً من هم أعوان الاستعمار.. جميع الناس تعرف مين هم أعوان الاستعمار، لو تسأل فى الشارع أى فرد فى أى بلد عربى عن أعوان الاستعمار فى جميع البلاد العربية، يكرهم واحد ورا واحد من الشرق إلى الغرب.

وقد تطول المعارك بعض الوقت ولكن النصر دائماً للحق وللعقيدة، النصر دائماً لمن يتعظوا بالتجارب.. النصر دائماً لمن يتعظوا من دروس الماضى، ونحن فى هذا اللقاء نتعظ من دروس الماضى ونتذكر المعارك ونتجه إلى المستقبل بأمل كبير. إن الاستعمار وأعداء الأمة العربية لن يفرقوا بين أبناء الأمة العربية، ولكن الأمة العربية التى اتحدت يوم بورسعيد ستتحد فى المستقبل وستتضامن، وستتجه لتحقيق الأهداف.

هذه هى القومية العربية التى شن الاستعمار عليها الحرب اليوم، الحرب العوان.. الحرب التى جند لها جميع الإمكانيات، حرب الإذاعات، الحرب النفسية، حرب الدسائس، حرب التشهير، حرب التخويف، حرب الاقتصاد، حرب الإشاعات. ليه الاستعمار بيجند كل قوته ضد أهداف القومية العربية؟ لأنه يشعر أن تحقق القومية العربية وانتصارها يعنى أنه ستقوم بين أرجاء هذه المنطقة أمة عظمى لن تقبل أن تخضع لمناطق النفوذ، ولن تقبل أن تكون فى داخل الأحلاف، ولن تقبل سياسة الانحياز، ولكنها ستصمم على أن تكون ذات سياسة مستقلة تنبع فيها وتنبع لها، لمصلحتها، ولا تكون ذيلاً كما أرادوا أن يجعلونا فى الماضى.

لماذا يحارب الاستعمار القومية العربية؟ لأنه يشعر أنه إذا فتت هذه الأمة سيستطيع أن يتغلب عليها، إذا فتت هذه الأمة سيكون لكل منا دوره وسيكون الآخرون فى انتظار دورهم، إذا فتت أى بلد فى هذه المنطقة، وإذا فتت هذه البلاد فإنه سيستطيع أن يعيد التاريخ.

وإذا نظرنا إلى الماضى – أيها الإخوة – نرى أنه على الدوام كان النصر لهذه الأمة حينما تضامنت وحينما اتحدت، وحينما تفرقت كلمة هذه الأمة استطاع الاستعمار أن يسيطر عليها وأن يخضعها. حينما ننظر إلى الماضى – أيها الإخوة – نرى أن هذه الأمة.. الأمة العربية كانت دائماً تشعر بالقوة والمنعة حينما تضامنت واتحدت، ولكنها كانت دائماً تسقط تحت الذل وتحت الاحتلال حينما تتفرق وحينما تتفرق كلمتها.

هذا – أيها الإخوة – هو الذى دعانا لنعلن من أول يوم من أيام هذه الثورة، أننا نرى فى القومية العربية الأمان الوحيد لكل بلد عربى، ونادينا من أول يوم من أيام هذه الثورة أن الدفاع عن هذه الأمة العربية يجب أن ينبثق من بين أرجاء الأمة العربية لا من الأحلاف التى تسيطر عليها دولة كبرى، وأن سياستنا يجب أن تكون سياسة الحياد وعدم الانحياز، وكنا نشعر ونحن نقول ذلك اننا بهذا نحقق السيادة لأنفسنا ولبلادنا.

ليست القومية العربية هى قيادة فرد، ليست القومية العربية هى ضم بلد عربى، وليست القومية العربية هى توحيد بلد عربى بدون رغبة أبناء هذا البلد، ولكن القومية العربية هى اقتناع، هى تضامن، هى قيادة موحدة، ثم هى إجماع من الشعب العربى فى أى بلد عربى.

وحينما اجتمعت كلمة الشعب العربى فى سوريا مع كلمة الشعب العربى فى مصر على الوحدة قامت الوحدة وثبتت أقدامها، حينما اجتمعت إرادة الشعب العربى فى سوريا وفى مصر على أن تحقق الوحدة حققت الوحدة، لم يحقق هذه الوحدة جمال عبد الناصر، ولم يحققها أى فرد آخر، ولكن حققتها إرادة هذا الشعب الذى آمن وصمم وعمل وانتصر.

هذه – أيها الإخوة – هى القومية العربية التى يجند الاستعمار ضدها اليوم كل قواته.. هذه – أيها الإخوة – هى مبادئ القومية العربية التى يحاول الاستعمار اليوم أن يشوهها.. هذه – أيها الإخوة – هى القومية العربية التى تعنى الحرية فى تحقيقها.. حرية كل شعب فى أن يعلن عن إرادته، والتى تعنى أيضاً القيادة للشعب العربى لا لفرد أو أفراد؛ لأن هذه القيادة ستكون قيادة مستمرة دائمة، أما الفرد فهو زائل.. هذه – أيها الإخوة – هى القومية العربية التى تمسكنا بها فانتصرنا فى بورسعيد، والتى تمسكنا بها أيضاً فانتصرنا فى بغداد حينما قامت ثورة العراق وجند الاستعمار أسلحته، وشعرنا من قلوبنا أن علينا واجباً نحو إخوتنا فى العراق هو واجب القومية العربية لنتضامن معهم فى معركتهم فانتصرت بغداد، وكان انتصار بغداد هو انتصار لكم جميعاً، وانتصار لكل عربى فى كل بلد عربى.

أيها الإخوة:

إننا كما قلت لكم على موعد مع القدر، إننا – أيها الإخوة – قد حملنا الكثير لنحققه ونعمله، إننا – أيها الإخوة – حينما نشعر أن جيلنا يتلقى التبعات والمسئوليات الكبرى ويعمل ويكد، يجب أن نشعر بالسعادة والارتياح؛ لقد استشهد الآباء واستشهد الأجداد ليحققوا ما تعملوه اليوم، قاتلوا وكافحوا ليحصلوا على السيادة التى تمكنهم من العمل فى سبيل قوميتهم وفى سبيل إعلاء شأن وطنهم، ونحن – أيها الإخوة – كنا سعداء الحظ؛ حققنا السيادة حينما خرج الاستعمار والاحتلال من بلادنا، وحققنا الوحدة حينما التقت دمشق مع القاهرة، ورفعنا راية القومية العربية حينما هزم الاستعمار وهو يهجم علينا فى بورسعيد، وحينما تضامن معنا العرب فى كل بلد عربى.

إننا نشعر بالسعادة ونشعر بالارتياح لأننا حينما حصلنا على السيادة وحينما تخلصنا من الاستعمار ومن الاحتلال ومن السيطرة الأجنبية وعادت أمورنا إلينا، وجدنا فى أنفسنا القدرة على أن نعمل لنحقق الأهداف والآمال، وفى قلوبنا العزم والتصميم على أن نضع عقيدتنا التى ورثناها عن آباءنا الذين قاتلوا وعن الأجداد الذين قاتلوا موضع العمل وموضع التنفيذ.

ومن اليوم الأول – أيها الإخوة – وضعنا هذه الآمال موضع التنفيذ فى كل ميدان؛ فى ميدان القومية العربية، وفى ميدان الاستقلال، وفى ميدان الحرية، وفى ميدان العمل، وفى ميدان الاتحاد.. اتحد هذا الشعب الذى فرقته السيطرة المستغلة الخارجية والسيطرة المستبدة الداخلية.. اتحد وآلى على نفسه أن يحقق الاستقلال فحقق الاستقلال، وآلى على نفسه أن يحمى هذا الاستقلال فحمى هذا الاستقلال، حماه هنا فى القاهرة وحماه هناك فى دمشق، وآلى على نفسه أيضاً أن يحقق الوحدة فحقق الوحدة، وآلى على نفسه – أيها الإخوة – أن يعمل عملاً مستمراً حتى تجتمع القوة المعنوية مع القوة المادية، وسار يعمل بعزم وتصميم.

إننا اليوم نعمل عملاً متواصلاً فى كل ميدان كما عملنا من أجل الاستقلال، وكما عملنا من أجل تثبيت الاستقلال، وكما عملنا من أجل حماية الاستقلال، وكما عملنا من أجل الوحدة، وكما عملنا من أجل رفع راية القومية العربية. كنا نشعر أيضاً أننا لابد أن نعمل حتى نرفع بين أرجاء هذا الوطن القوة الصناعية الحقيقية والقوة الزراعية الحقيقية، وكانت أمامنا – أيها الإخوة – تركة طويلة؛ تأخر فى العمل، بل إهمال فى العمل، وكان الاستعمار يعمل دائماً على ألا نعمل، وكان الاستعمار يعمل دائماً على أن نرزح تحت الفقر وتحت الحاجة، وكان الاستعمار يعمل دائماً على ألا نستخدم مواردنا الطبيعية وعلى ألا نستخدم أراضينا، وكان الاستعمار يعمل دائماً على أن نحتاج إليه فى السلاح ونحتاج إليه فى الذخيرة ونحتاج إليه فى الآلات، وكنا فى كل وقت ونحن أطفال صغار نأمل ونرجو أن نرى اليوم الذى تحقق فيه هذه البلاد صناعة خفيفة وصناعة ثقيلة، كنا نتمنى اليوم الذى نرى فيه هذه البلاد وهى تنتج السلاح وتنتج الذخيرة.

واليوم – أيها الإخوة – وبعد أن حققنا الاستقلال ودافعنا عن هذا الاستقلال نرى بين أرجاء هذا الوطن الصناعة الثقيلة، والصناعة الخفيفة، وصناعة السلاح الثقيلة، وصناعة الذخيرة، نرى الآمال التى كنا نراها مستحيلة وقد تحققت، ونرى الأحلام التى كنا نتمناها وقد أصبحت حقيقة واقعة.

اليوم – أيها الإخوة – وبعد أن عادت مقاديرنا إلينا وبعد أن عادت بلادنا إلينا صممنا على أن نعمل، ولا نعمل فقط ولكن نعوض ما فات، أن نعمل عملاً متواصلاً فى كل ميدان، وإننا نشعر أن لابد أن نجاهد، وأن لابد أن نبذل العمل المضاعف. إننا نشعر أن عدد السكان يتزايد، وكانوا دائماً يقولون: لماذا يتزايد عدد السكان؟ يجب أن نحدد النسل ويجب أن نحدد هذه الزيادة فى السكان، ولكنا جميعاً اليوم لا نقول ما كانوا يقولونه فى الماضى، ولكنا نقول: إن زيادة السكان يقابلها العمل فى كل مكان وفى كل ميدان.

لقد كنا – أيها الإخوة – نستخدم هنا فى هذا الإقليم فى مصر ٤% فقط من أرض هذا الوطن، واليوم – أيها الإخوة – إننا نصمم على أن نستخدم هنا فى مصر ١٠٠% من أرض هذا الوطن؛ المواد الطبيعية، والأرض الزراعية، والمياه الجوفية، والبترول، والصناعة. إننا اليوم – أيها الإخوة – نعمل وبدأنا فى العمل وعلى مر الأيام سيتضاعف العمل، وبدأنا فى مشروع الخمس سنوات وهو يتكلف أكثر من ٢٠٠ مليون جنيه للتصنيع. وكان الاستثمار هنا فى مصر.. رأس المال للاستثمار الصناعى فى سنة ٥٢ (٢) مليون جنيه، فى سنة ٥٧ (٤٤) مليون جنيه، ٢٢ مرة قد ما كان فى سنة ٥٢.

هذا – أيها الإخوة – هو نتيجة عملكم، وهذا – أيها الإخوة – هو نتيجة تعبكم ونتيجة عرقكم، فإذا قلت لكم: إننا اليوم يحق لنا أن نشعر بالسعادة ونشعر بارتياح رغم التعب ورغم العرق، فيجب علينا فعلاً أن نشعر بالسعادة وأن نشعر بالارتياح. كان هنا إقطاع وصفى الإقطاع، كان هنا فرقة بين الطبقات وقربت الفوارق بين الطبقات، وحينما توحدت سوريا مع مصر وقامت الجمهورية العربية المتحدة سرنا على نفس المنوال، وكان الشعب فى سوريا يأمل دائماً فى أن يحقق هذه الآمال، ولكن الاستعمار لم يترك له الفرصة أبداً ليحقق ما يريد ويحقق هذه الآمال.

كان الشعب فى سوريا منذ الاستقلال دائماً فى أزمات، وكان الاستعمار دائماً فى سوريا يحيط به من كل جانب ويوجه له التهديد تلو التهديد. وإننا نرى فى السنوات القليلة كيف قابل شعب سوريا بتصميم وشجاعة مؤامرات الاستعمار وتهديد الاستعمار، وآثر على أن يحمى الاستقلال، واستطاع أن يحمى الاستقلال، واستطاع أن يحقق الوحدة.

واليوم – أيها الإخوة – كان فى سوريا إقطاع وانتهى الإقطاع، وكانت فى سوريا فوارق كبيرة بين الطبقات، واليوم نعمل – أيها الإخوة – لنقرب الفوارق بين الطبقات. اليوم – أيها الإخوة – أيضاً فى سوريا نبدأ التصنيع، هناك برنامج لخمس سنوات يتكلف ٥٦٠ مليون ليرة؛ صناعة ثقيلة، وصناعة صغيرة، وصناعة للبترول، وعمل فى كل مكان، ولكنى أقول: إن هذا يحتاج منا الصبر والجهد والإيمان، الصبر والعمل والتعب والعرق، فلا يمكن أن تخلق الأوطان، ولا يمكن أن تحمى الأوطان بالتهاون أو بالتخاذل أو بالتكاسل. إننا – أيها الإخوة – على موعد مع القدر لنقيم بين أرجاء هذه الجمهورية.. الجمهورية العربية المتحدة أمة قوية تشعر بقوتها، أمة مستقلة يشعر كل فرد فيها أنه يعمل من أجل نفسه ومن أجل إخوانه ومن أجل أبنائه، لا من أجل الأجنبى ولا من أجل المستعمر ولا من أجل المستغل، ولا من أجل مناطق النفوذ، لا من أجل السيطرة المعتدية من الخارج ولا من أجل السيطرة المستغلة من الداخل، ولكن من أجل الشعب بجميع أبناءه برجاله ونسائه.

هذه – أيها الإخوة – هى رسالتكم، وهذه – أيها الإخوة – هى عقيدتكم.. هذه هى عقيدتنا التى نعمل من أجلها ونصمم عليها، فإذا شعرنا فى يوم من الأيام ببعض التعب أو كثير من العرق، لابد أن نذكر أن علينا رسالة نعمل من أجلها، وأن علينا أن نعوض ما فات هذه السنين الطويلة التى حرمنا الاستعمار من أن نستثمر بلادنا فيها. كنا نستطيع فى هذا البلد أن نستثمر الحديد منذ عشرات السنين، ولكن أبى الاستعمار علينا أن تقوم بين أراضينا صناعة للحديد، واليوم – أيها الإخوة – يحق لنا أن نشعر بالراحة بعد العرق والراحة بعد التعب؛ لأن هناك صناعة ثقيلة تنتج الحديد وتنتج الصلب.

أردنا أن نقيم بين أرجاء هذا الوطن صناعة للقوة المحركة.. للكهرباء من خزان أسوان الحالى، وقيلت هذه الوعود فى خطب العرش، ولكن كان السفير البريطانى الذى كان يحكم هذا البلد وراء الحكومات ووراء أعوان الاستعمار يأمر وكان أمره مطاع، فلم تقم بين أرجاء هذه الأمة صناعة القوة المحركة، ولم نستطع أن نستولد الكهرباء من خزان أسوان.

واليوم – أيها الإخوة – منذ ثلاث سنوات ونحن نعمل؛ لأن العمل بإرادتنا، ولأن بلادنا أصبحت لنا، نعمل وفى العام القادم بإذن الله – فى شهر أغسطس – سيبدأ العمل فى كهربة خزان أسوان، سيبدأ الإنتاج وسيبدأ استخراج الكهرباء من كهربة خزان أسوان، سينتج – أيها الإخوة – هذا الخزان كهربا قد الكهربا اللى موجودة الآن فى الإقليم المصرى، وقد الكهربا اللى كانت موجودة أول الثورة ٣ مرات. إن هذه القوى التى حرمنا منها الاستعمار هى قوى طبيعية، ولكن الاستعمار كان يتعمد ذلك ليضعفنا ويذلنا ويستعبدنا ويسيطر على بلادنا، وحتى تكون هذه البلاد مزرعة لمصانع النسيج فى “لانكشاير”، أو تكون هذه البلاد مزرعة يستغلها لرفع مستوى أبنائه ولرفع مستوى مواطنيه.

إننا اليوم وقد عادت بلادنا إلينا، إننا اليوم ونحن نشعر أن لإرادتنا الكلمة العليا نستطيع أن نبنى ونبنى، وحينما أممت القنال وخرجت بعد تأميم القنال وكان الشعب يهتف فى كل مكان: سنبنى السد.. سنبنى السد، كنت أقول معكم من قلبى: إننا لابد أن نبنى هذا السد بأموالنا وبسواعدنا، وإننا لابد أن نعتمد على أنفسنا فى بناء هذا السد لأن إرادتنا لابد أن تنتصر.

واليوم – أيها الإخوة – انتصرت هذه الإرادة وأعلنا أننا سنعتمد على سواعدنا، انتصرت هذه الإرادة وكان هذا الانتصار مفاجأة كبرى للاستعمار ومفاجأة كبرى لأعوان الاستعمار. وحينما ذهب عبد الحكيم عامر إلى الاتحاد السوفيتى ليتكلم فى هذا الموضوع كانت هذه هى المرة الأولى التى تكلمنا فيها  فى هذا الموضوع، لقد كان الاستعمار يؤلف الأساطير ويؤلف الروايات ثم يصدق أكاذيبه وأساطيره، كانوا يقولون: إن مصر طلبت من الاتحاد السوفيتى قرضاً للسد العالى ولكن الاتحاد السوفيتى رفض القرض، وإن مصر لن تبنى السد العالى، وكنا نقول: إننا سنبنى السد العالى معتمدين على عوائد القنال ومعتمدين على دخل القنال ومعتمدين على سواعدنا.

ولكنا لما صممنا على أن نبنى هذا السد لنجابه مؤامرات الاستعمار، ولنقى هذا الوطن، ولنعمل من أجل المستقبل وزيادة الدخل القومى، وطلبنا أن نتباحث مع الاتحاد السوفيتى فى هذا الشأن، بدأ هذا التباحث فى أغسطس الماضى، وفى أكتوبر كان هذا اتفاق على أن يعاوننا الاتحاد السوفيتى فى توريد الآلات وفى توريد ما يطلبه هذا العمل. وبهذا تحققت إرادتكم، وبهذا تحققت الهتافات التى سمعتها يوم أممت القنال؛ هتافات الشعب فى كل مكان.. إننا سنبنى هذا السد.. سنبنيه بدمائنا وسنبنيه بسواعدنا.

هذه – أيها الإخوة – هى الانتصارات الحلوة التى تعوض العرق والتى تعوض التعب والتى تعوض الكفاح، هذه – أيها الإخوة – هى الانتصارات الحلوة التى تعوض العمل، والتى تجعل العمل المضنى الشاق عملاً جميلاً حلواً مريحاً.

اليوم – أيها الإخوة – أيضاً فى سوريا لأول مرة بعد سنين طويلة وبعد كفاح طويل نبنى أيضاً سدوداً على جميع الأنهار، نبنى السدود وننظم المياه ونقيم القنوات، ونشق الطرق، ونقيم الصناعة من أجل رفع دخل الإقليم السورى. وإن الإقليم السورى يشترك معنا أيضاً فى أنه فاتته فرص كثيرة فى الماضى وعليه أن يعمل عملاً متضاعفاً. على كل فرد من أبناء هذا الوطن أن يعمل ويعرق، وبعد هذا على كل فرد أن يستريح ويشعر بلذة النصر وحلاوة العمل وحلاوة الإنتاج. إننا لابد أن نعمل اليوم.. هذا الجيل؛ حتى نبنى بين أرجاء هذه الأمة الأساس لما نرجوه ولما كنا نأمله فى الماضى.

إننا اليوم – أيها الإخوة – فى هذا الإقليم – فى الإقليم المصرى – حينما أراد الاستعمار أن يضغط علينا اقتصادياً وجمد أموالنا، وحينما أراد الاستعمار أن يشعرنا بأن معركتنا فى سبيل الحرية ومعركتنا فى سبيل الاستقلال سنذوق منها الويل ونذوق منها العذاب صبرنا وكافحنا.

واليوم – أيها الإخوة – إن جميع أسواقنا تحفل بالمنتجات التى صنعت محلياً.. لا يوجد فى أسواق القاهرة ولا فى أى سوق من هذا الإقليم منسوجات أجنبية.. كل المنسوجات المعمولة هنا منسوجات مصرية.. كل البضائع المعمولة بضايع مصرية.. كل البضايع بضايع محلية، هذا نصر حلو. كل واحد أما بيشوف هذا النصر اللى تحقق بيشعر إنه عمل شىء وإنه ساهم فى هذا العمل، إنه ساهم يمكن بعرق عرق يوم أو عرق أيام، إنه ساهم بتعب يوم أو تعب أيام، إنه ساهم لأنه آثر أن لا ينقاد لضغط الاستعمار ولا ينقاد للضغط الاقتصادى.

ماذا كانت نتيجة معركة الضغط الاقتصادى علينا؟ لقد استطاعوا أن يتصوروا أن هذا الضغط الاقتصادى سيجوعنا وسيجعلنا نستجديهم المعونات ولكنا صبرنا، كان عندنا ٦٠ مليون جنيه احتياطى دهب لم نصرف منهم جنيه واحد، ومع هذا استطعنا أن ننفذ من هذه المعركة، واستطعنا فى العام الماضى – ٥٧ – أن نستثمر فى الصناعة ٤٤ مليون جنيه، أن نستثمر فى البناء ٤٥ مليون جنيه، أن نستثمر فى التجارة ٣ مليون جنيه، أن نستثمر أيضاً فى الزراعة وفى كل الميادين، واستطعنا أن نملأ الأسواق بالمنتجات المحلية ومنعنا المنتجات الأجنبية.

واليوم – أيها الإخوة – نشعر فعلاً أن لنا الحق أن نفخر ببلادنا، وأن نفخر بعملنا، وأن نفخر بمجهودنا، وأن نفخر بقدرتنا على الصبر وقدرتنا على الاحتمال، وأن نفخر بأننا ضربنا المثل للأمم كلها كيف تنتصر.. كيف تهزم الجيوش وكيف تهزم الأساطيل.. كيف تهزم المعارك الاقتصادية وكيف تهزم رفض المساعدات.. بل أيضا كيف تهزم تجميد أموالها فى البنوك الأجنبية.

إننا بدأنا هذه المعركة فى سنة ٥٦ ومعنا فقط – أيها الإخوة – أربعة ملايين من الجنيهات لأول مرحلة فى تاريخنا.. لأول مرة فى تاريخنا ٤ مليون جنيه من النقد الصعب.. ٤ مليون جنيه من النقد الأجنبى: ١١٠ مليون جنيه مجمدين فى إنجلترا، ٥٠ مليون دولار مجمدين فى أمريكا، واحنا بنشترى كنا من الخارج كل سنة بـ ١٨٠ مليون جنيه احتياجات، واستطعنا رغم هذا بالأربعة مليون جنيه ان احنا نمشى ونعمل ونبنى ونصنع وننتج ونوفر فلوس زيادة كمان، ونزود الأربعة ملايين جنيه إلى أكثر من هذا.

دا هو لذة الانتصار.. دا – أيها الإخوة – هو لذة الكفاح.. هو لذة العمل.. هو لذة التعب، النهارده بلدكم بقت لكم.. النهارده القرش اللى بتدفعه بيروح لأخوك اللى بيعمل الصناعة الوطنية اللى أنت بتستخدمها، أو أنت بتطلبها علشان تلبسها بدل ما يروح لعمال فى البلاد الثانية، وبدل ما يروح للدول الرأسمالية أو الدول الاستعمارية اللى كانت بتسيطر علينا.

النهارده أما تشترى بدلة من الصوف المحلى الفلوس اللى بتدفعها بتروح لأخوك، وبترفع مستوى المعيشة بين أرجاء هذا الوطن. مستوى المعيشة هنا فى هذه المنطقة حينما بدأت هذه الثورة كان ٣٠ جنيه فى السنة (٢.٥ جنيه للفرد فى الشهر)، وفى أوروبا ٣٠٠ جنيه للفرد فى السنة، فى أمريكا ٧٠٠ جنيه للفرد فى السنة، طبعاً هناك فارق كبير.. ليه؟ لأن عصر النهضة.. عصر التصنيع.. عصر الإنتاج.. عصر التنمية.. عصر الكهربا.. عصر البخار فاتنا، ما اشتغلناش فيه، كنا مقيدين لنزرع ونعمل فى الزراعة.

النهارده علينا ان احنا نحول الـ ٣٠ جنيه إلى ٤٠ و٥٠ و٦٠ و١٠٠ جنيه، النهارده علينا ان احنا نبص للدول اللى تقدمت والدول اللى سبقتنا، وكل واحد فينا بينه وبين نفسه يصمم على أن يعمل بعمل مضاعف؛ علشان نحقق لزيادة السكان وعلشان نعوض ما فات، وبهذا نستطيع أن نبنى هذا الوطن، بهذا نستطيع أن نقيم بين أرجاء هذه الجمهورية أمة تعتمد على نفسها، أمة تستطيع أيضاً أن تدافع عن الاستقلال اللى حققته، أمة تستطيع أن تحط أموالها فى أرضها ولأبنائها حتى تتضاعف هذه الأموال.

بهذا – أيها الإخوة – نتجه إلى المستقبل هنا فى هذا الإقليم وفى الإقليم الشمالى، لهذا – أيها الإخوة – تتجه الآمال؛ عمل مضاعف وعرق مضاعف، واتحاد بين أبناء الأمة ضد الاستعمار وضد أساليب الاستعمار وضد دسائس الاستعمار؛ حتى نقيم بين أرجاء هذه الأمة دولة ترفرف عليها الرفاهية، وحتى نحقق لأبنائنا من بعدنا الأساس للنهضة الشاملة، الأساس للمستوى العالى من المعيشة، وحتى نكون للأمة العربية كلها مركز المنعة، مركز التصنيع؛ حتى نعاون إخوتنا الذين يحاربون من أجل استقلالهم ومن أجل حريتهم. إننا بهذا نتجه إلى المستقبل، ونعتمد على الله وعلى سواعدنا، وبعون الله سننتصر. والله الموفق.

والسلام عليكم ورحمة الله.

http://nasser.bibalex.org/Speeches/browser.aspx?SID=684&lang=ar