رؤية بالغة الغرابة عند العميان

نمط خاص من الرؤية لدى بعض المصابين بالعمى الناجم عن أذية دماغية يسمى رؤية العميان(1) : وهي إمكانية استثنائية
للتفاعل مع المشاعر العاطفية الظاهرة على الوجوه, بل حتى القدرةعلى التجوال وسط العوائق دون أن يدركوا أنهم يستطيعون رؤية أيّ شيء.

<B.دي جيلدر>

مفاهيم مفتاحية

    يبدي بعض المصابين بالعمى الناجم عن أذية دماغية نمطا خاصا من الرؤية يطلق عليها رؤية العميان, وتتميز بإمكانية الاستجابة للأشياء والصور التي لا يستطيعون رؤيتها بشكل واع.

رؤية العميان تمكّن الأعمى من استبانة الكثير من الميّزات البصرية، من ضمنها الألوان والحركة والأشكال البسيطة والمشاعر العاطفية التي يعبّر عنها الشخص بوجهه أو بوضعيته.

يقوم الباحثون بوضع خريطة لمناطق الدماغ القديم (تطوريا) المسؤولة عن رؤية العميان، وباستكشاف حدود هذه القدرة البارزة وغير العادية.

محررو ساينتفيك أمريكان

لقد تمكنتُ مع زملائي من تصوير فيلم فيديو مذهل, يظهر فيه رجل أعمى يتمكن من شقّ طريقه عبر ممر طويل تتبعثر فيه صناديق وكراسٍيّ وأدوات مكتبية أخرى. وهذا الرجل – المعروف في الأوساط الطبية بـ(TN) – ليست عنده أية فكرة عن وجود هذه العوائق هناك, ومع ذلك فهو يتجنبها جميعها، إذ يميل جانبيا هنا ليمرّ بدقّة بين سلة مهملات وبين الحائط, ويدور هناك حول الحامل الثلاثي القوائم لكاميرا تصوير, وهذا كلّه يجري دون أن يدرك أنه قد قام بأية مناورات خاصة. إن الرجلّ TN يمكن أن يكون أعمى، ولكنه يتمتّع برؤية العميان أي القدرة البارزة وغير العادية على الاستجابة لما يمكن أن تتبيَّنه عيناه دون أن يدرك أنّ بإمكانه أن يرى أيّ شيء على الإطلاق. [لرؤية الفيلم موضوع الاختبار قم بزيارة الموقع:www.ScientificAmerican.com/may2010/blindsight].

إنّ العمى عند الرجل TN هو من نوع نادر جدا, وقد حدث بسبب الإصابة بسكتة دماغية مرتين في عام 2003، حيث أدّى ذلك إلى أذية في منطقة من الناحية الخلفية لدماغه تسمى القشر البصري الأولي(2)، وكانت هذه في نصف الكرة الدماغية الأيسر أولا، ثم تلتها إصابة في النصف الأيمن بعد خمسة أسابيع. بقيت العينان سليمتين تماما, ولكن نظرا لتوقّف القشر البصري عن تلقّي الإشارات الواردة صار الرجل TN أعمى بشكل كامل.

ومن المحتمل أن تكون الدراسة المذكورة أعلاه عن عبور الرجل TN للرواق هي الإثبات الأكثر إثارة بين جميع التقارير المتعلّقة برؤية العميان حتى الآن. وقد قدّم مرضى آخرون فقدوا البصر بسبب إصابة القشر البصري الأولي حالات لهذه الظاهرة ماثلتها في الغموض, وإن كانت أقل إدهاشا، حيث استجابوا لأشياء لا يستطيعون رؤيتها بشكل واع، بدءا من الأشكال الهندسية البسيطة إلى الصورة المعقّدة لوجه شخص يعبّر عن مشاعره. وقد تمكَّن العلماء أيضا من إحداث نتائج مشابهة عند أشخاص أصحاء بالتعطيل المؤقت للقشر البصري الخاص بهم أو بالتحايل عليه بطرق أخرى.

حاليا تسعى الأبحاث المتعلقة برؤية العميان إلى فهم مدى قدرات الإدراك الحسي التي يُحتمَل أن يحتفظ بها المصاب بالعمى القشري, وإلى تحديد أيّ من أجزاء الدماغ والسبل العصبونية هي المسؤولة عن ذلك. والمعلومات التي تمَّ الحصول عليها ذات قيمة إلى حدّ ما بالنسبة إلينا جميعا، إذ إنه حتى ولو لم نُصـَب بأذية مريعـة كإصابة الرجل TN، فإنّ وظائف الدماغ اللاواعية نفسها التي بدت عنده كقدرة مدهشة على الرؤية دون إدراك، تُشكِّل بالتأكيد جزءا ثابتا خفيا من ممارسات حياتنا اليومية.

تاريخ حافل بالخلاف والجدل(**)

منذ عهد بعيد يعود إلى عام 1917 أبلغ الأطباء عن حالات مشابهة لرؤية العميان، أسموها آنذاك الرؤية المتبقّية، وكانت عند جنود أصيبوا خلال الحرب العالمية الأولى. ولكنّ الأمر احتاج إلى مرور نصف قرن من الزمن قبل أن تبدأ أبحاث أكثر تنظيما وموضوعية بأخذ دورها. في البــدايــة قــام <L.وايسكرانتز> وتلميذه <K.N.همفري> في عــــام 1967 – وكـــانــا في ذلــك الوقت في جـــامعـــــــة كـــامبريــــدج – بـــدراســــة قـــرود عُدِّلــت جراحيــا.

[أساسيات]
ما هي «رؤية العميان؟»(***)

   تعتمد الرؤية الواعية عند الإنسان على ناحية من الدماغ تُسمّى القشر البصري الأولي (الصورة في الأسفل). ويؤدّي تخربه إلى حدوث عمى في المناطق المقابلة من الساحة البصرية. وتحصل رؤية العميان عندما يستجيب المرضى بطريقة ما لعنصر موجود في المنطقة العمياء, بينما لا يستطيعون رؤيته بشكل واع. وفي عرض مثير لهذه الظاهرة قام مريض يدعى TN بعبور مسار مليء بالعوائق مع أنه أعمى تماما (الصورة في الأسفل).

السبل البصرية

   تذهب الإشارات الآتية من الشبكية إلى القشر البصري الأولي عن طريق النواة الركبية الوحشية في الدماغ المتوسط, وتصل في نهاية الأمر إلى مناطق أعلى من أجل معالجة المعلومات بشكل شعوري. وترسل الأعصاب أيضا معلومات بصرية إلى مناطق مثل النواة الوسادية(3) (وسادة المهاد) والأكيمة العلوية(4) في الدماغ المتوسط. وهذه المناطق لا يبدو أنها تسهم في الرؤية الواعية, ولكنّ لا بد أن يكون لبعضها دور في عملية رؤية العميان.

 الأعمى المتجوِّل

   نظرا للشكّ في أنّ المريض TN يمكن أن يُبدي ظاهرة رؤية العميان، طلب الباحثون بمن فيهم  <L.وايسكرانتز> (الظاهر مع المريض TN في الصورة أعلاه) إلى المريض السير في ممر مليء بأغراض مبعثرة، وأعلموه أنه ممر فارغ. قام الرجل TN بتجنّب جميع العوائق في الممر، مع أنه بقي جاهلا وجودها وغير مدرك لمشيه بمسار متعرج. يمكن الاطلاع على الڤيديو الذي يعرض هذه التجربة بزيارة الموقع:(www.ScientificAmerican.com/may2010/blindsight).

وتَـــلاهُمـــا في عـــام 1973<E.بوبيل> و<R.هيلد> و<D.فروست> [من المعهدMIT (5)]، حيث قاموا بقياس حركات العين عند مريض, فوجدوا أنّ لديه ميلا طفيفا إلى النظر باتجاه منبّهات لا يستطيع أن يراها بشكل واع.

حثَّت هذه الاكتشافات على القيام باستقصاءات أكثر منهجية أجريت على حيوانات أزيل منها القشر البصري الأولي (الذي يُدعى أيضا V1)، وقد أشرف على معظمها <وايسكرانتز>ومعاونوه. وأثبت عدد من هذه الدراسات أنّ الحيوانات المذكورة تحتفظ بقدرات بصرية معتبرة بعد إزالة القشر البصري عندها (منها مثلا ملاحظة الحركة وتمييز الأشكال).

شرع <وايسكرانتز> ومعاونوه أيضا عام 1973 بدراسات على شخص يُعرَف بـ (DB) كان قد فَقَدَ منذ فترة قريبة جزءا من القشر البصري لديه نتيجة استئصال جراحي لورم دماغي. ولكنّ غالبية الباحثين استقبلت في البداية التقارير والنتائج المتعلقة برؤية العميان عند البشر بقدر كبير من التشكيك والارتياب.

لم يكُن عدم تصديق ظاهرة رؤية العميان بالأمر المفاجئ, لأنّ هذه الظاهرة تبدو منافية للمنطق, إن لم تكُن برمتها مناقضة لذاتها. فكيف يمكن للمرء أن يرى دون أن يدرك أنه يقوم بذلك؟ فمثلما أنه ليس من المنطقي أن يقول المرء لست أدري إن كنت متألما، يبدو الأمر هو نفسه بالنسبة إلى الاقتراح بأنّ أحدهم يستطيع أن يرى شيئا ما بينما يصرّ على أنه أعمى.

ومع ذلك، فإننا لا ندرك في جميع الأحيان إن كنّا نستطيع الرؤية أم إننا عاجزون عن ذلك, فالعلاقة بين الرؤية والإدراك هي أمر أكثر تعقيدا من افتراضاتنا الاعتيادية. مثلا لدى كل شخص سليم ما يسمى البقعة العمياء blind spot في ساحته البصرية, ومع ذلك فهو في الحالة الاعتيادية لا يعرف بوجود هذه الفجوة في مجال رؤيته، كما أنّ هذا الأمر لا يسبّب له أية إعاقة.

ما هي الأشياء التي يمكن تمييزها؟(****)

   تكون رؤية العميان أقوى ما يمكن عندما تكون التفاصيل المنظورة مقاربة في الحجم لما تبدو عليه قطعة نقدية بقيمة ربع دولار عندما توضع على بُعد 5 إلى 15 قدما. وتستطيع هذه الرؤية أن تلتقط تشكيلة من الخصائص البصرية الأساسية، من ضمنها:

الأشكال البسيطة
منظومات من الخطوط
أشياء تظهر وتختفي
الحركة
اللون
اتجاه الخطوط

 

يمكن لرؤية العميان أيضا أن تميّز العواطف التي يعبّر عنها الشخص، ولكنها تعجز عن تحديد مَن هو هذا الشخص أو إلى أيّ من الجنسين ينتمي.

وهناك سبب آخر لعدم التصديق هو قلة الأدلّة البشرية: فالأشخاص المصابون بالعمى القشري والقابلون للدراسة نادرون عدديا. إنّ القشر البصري الأولي لا يتجاوز عرضه سنتيمترات عدة لا غير عند البالغين، ويصعب أن تنحصر الأذية الدماغية بهذه المنطقة فقط، بحيث تصيب رؤية المريض وتترك في الوقت نفسه وظائف الدماغ الأخرى سليمة إلى حدّ يكفي لإجراء دراسة ذات مغزى على ما بقي الدماغ قادرا على إدراكه حسيا. ومع ذلك، من الواضح الآن أنّ عددَ مَن لديه رؤية العميان بين المرضى المصابين بأذية في القشر البصري الأولي هو أكبر بكثير من العدد الذي واجهه العلماء في السابق، وأنّ التشكيك في شأنها قد تضاءل وانحسر.

ولا يزال معظم هؤلاء المرضى يحتفظون بجزء من وظيفة القشر البصري الأولي, ولدى الكثير منهم إصابة محصورة في قطاع صغير من القشر البصري الأولي تؤدي إلى بقعة عمياء صغيرة في ساحتهم البصرية؛ بينما لدى بعضهم فقدان كامل للنصف الأيمن أو الأيسر من القشر البصري الأولي ينجم عنه عمى في نصف الساحة البصرية المعاكس لجهة الإصابة. فرؤية العميان في هذه الحالات تتضمن تمييز الأشياء أو الصور الموجودة في البقعة العمياء, بينما يعجز المريض عن رؤيتها بشكل واع.

وتعتمد الطرق التقليدية لدراسة الرؤية عند الإنسان على إجابة الشخص الناظر عمّا يشعر بأنه يراه، ومن ثَمّ سيجيب الأشخاص المفحوصون بهذه الطريقة بأنهم لا يرون أيّ شيء في البقع العمياء من ساحاتهم البصرية. ولكنّ الطرق التي تعتمد أساليب لا مباشرة، يمكنها أن تكشف أنّ تلك المنبّهات البصرية غير المرئية لها تأثير فعلي في كيفية استجابة المريض.

وفي بعض التجارب يبدي المرضى تبدلات فيزيولوجية واضحة – مثل تقبّض الحدقة – كعلامات على الرؤية اللاشعورية. كما يمكن أن يرتكس المرضى للمرئيات الموجودة في ساحة بصرهم السليمة بشكل يختلف حسب ما هو موجود في الوقت نفسه في الجزء الأعمى من الساحة. وعندما كان يُطلَب إلى المريض أن يخمِّن – من ضمن خيارات عديدة – أيّا من الأشياء هي الموجودة في المنطقة العمياء من الساحة, فإنّ الإجابات كانت صحيحة في جميع المرات تقريبا.

وهناك طريقة تجريبية مهمة أخرى وهي التصوير العصبي الذي يستطيع أن يقدِّم دليلا مباشرا على مناطق الدماغ المعنية برؤية العميان وعلى السبل العصبية التي تنقل المعلومات البصرية. وفي الواقع كان تصوير الدماغ هو الوسيلة التي بدَّدت آخر الشكوك في أنّ الاحتفاظ ببعض الأجزاء القشرية سليمة يمكن أن يفسِّر ظاهرة الرؤية المتبقّية.

وبصورة إجمالية كشفت هذه الأنماط المختلفة من التجارب أنّ الإنسان يمكنه أن يميِّز بشكل غير واع مجالا واسعا من الصفات المميزة البصرية، من ضمنها الألوان والأشكال البسيطة مثل (X و O) والحركة البسيطة واتجاهات الخطوط وشبكات القضبان. وفي المقابل، يبدو أنه من الصعب تمييز الأشكال الكبيرة وكذلك التفاصيل الدقيقة جدا.

لقد كانت تجربة تجوال الرجل TN التي قام بها الباحثان <وايسكرانتز>  و<همفري> في سبعينات القرن الماضي ملهمة لنا كي نحاول إجراءها: فجعلنا قردا لا يملك قشرا بصريا أوليا يتحرّك بحرية في غرفة مليئة بالأغراض بشكل عشوائي دون أن يصطدم بأيّ منها. ومع ذلك, دُهشنا عندما شقّ الرجل TN طريقه في الممر دون أن يصطدم بشيء على الإطلاق، ولم تبيّن الفحوصاتُ الفيزيائية النفسية المُشخصَنة(6) لتقييم الرؤية الواعية لديه وجودَ أية وظيفة بصرية عنده، بما في ذلك ملاحظة أهداف كبيرة.

إنّ سلوك الرجل TN خلال سيره عبر الرواق يُذكِّرنا بحالة السير أثناء النوم, وهي ظاهرة أخرى نجد فيها الشخص يبدي قدرة على إنجاز الأمور بطريقة ما دون أن يعي على الإطلاق ما يفعله. وفي الواقع عندما سُئل الرجل TN فيما بعد, أصرّ على أنه سار ببساطة عبر الممر، فهو لم يكن غيرَ مدرك لرؤيته أيّ شيء فحسب, بل كان أيضا غافلا تماما عن كيفية مناورته حول الأشياء غير المرئية وتفاديه إياها. لقد كان عاجزا عن تفسير سلوكه أو حتى عن وصفه.

وضع خريطة للسبل العصبية(*****).

   يستعمل الباحثون تقنيات تصوير متطورة في محاولاتهم تتبّع السبل العصبية التي تمر عبرها المعلومات البصرية في الدماغ كي تتحقّق رؤية العميان.

وإحدى هذه الطرق هي نوع من التصوير بالرنين المغنطيسي يعتمد على انتشار الماء على طول العصبونات بسرعة أكبر من انتشاره عبرها.

هذه التقنية الخاصة من الرنين المغنطيسي استطاعت أن تضع خريطة لحزم من العصبوناتneurons قد تكون مسؤولة عن رؤية العميان للمشاعر العاطفية. وهذه السبل تصل وسادة المهاد والأكيمة العلوية باللوزةamygdalaالتي تؤدي دورا مفتاحيا في معالجة المشاعر العاطفية.

رؤية العميان بالنسبة

إلى المشاعر العاطفية(******)

إنّ التجوال والطواف هما من أهمّ الفروض الأساسية التي يواجهها الحيوان, لذا يجب ألاّ يكون من المستغرب أن يجد الدماغ طرقا للمحافظة على القدرة على التجوال حتى في حالة تعطيل القشر البصري الأولي والرؤية الواعية. وباعتبار الإنسان كائنا اجتماعيا، فهو كذلك يعتمد في بقائه على التواصل الناجح مع الآخرين. لذا عليه أن يميّز بقية الأشخاص، وأن ينتبه إلى الإيماءات والعلامات التي تدلّ عمّا يفكرون به. وانطلاقا من هذه الأفكار بدأتُ مع مساعديّ في أواخر تسعينات القرن الماضي بالتساؤل عمّا إذا كان الأشخاص المصابون بأذية قشرية يمكنهم تمييز أشياء مرئية من أمثال المشاعر العاطفية التي تظهرها تعابير الوجه أو المعاني التي توحي بها وضعية الجسم عندما تكون في أقسام من ساحتهم البصرية لا تُتاح لهم رؤيتها في الحالة الاعتيادية.

وفي عام 1999 بدأنا بإجراء مجموعة تجارب باستخدام أفلام عن الوجوه، ومع أنّ الباحثين في البصريات يعتبرون الوجوه عموما مرئيات معقّدة وصعبة القراءة – أصعب بكثير في معالجتها من شبكات القضبان وغيرها من الأشكال البسيطة – فإنّ الوجه هو شكل طبيعي للغاية بالنسبة إلى ما يُفترَض بالدماغ البشري أن يتعامل معه. كان مريضنا (GY) قد فَقَدَ منذ طفولته كاملَ القشر البصري الأولي في الجهة اليسرى, ومن ثَمَّ صار أعمى في الجانب الأيمن من ساحته البصرية. وقد وجدناه يستطيع أن يحزر بطريقة جديرة بالثقة التعابيرَ الظاهرة على الوجوه دون أن يدركها ويشعر بها بشكل واع، لكنه بدا أعمى بشكل حقيقي فيما يتعلَّق بالعديد من الخصائص الوجهية والتي لا صلة لها بالعواطف مثل الهوية الشخصية أو الجنس.

للتعمّق في دراسة إمكانية رؤية التعبيرات عن المشاعر العاطفية من قبل العميان, استفدنا عام 2009 من ظاهرة تُدعى عدوى العواطف(7), وهي ميل الشخص إلى مجاراة مَن يراهم من الأشخاص الآخرين من ناحية تعابير وجهه الذاتية. ويقوم الباحثون بدراسة هذه الظاهرة بالاعتماد على واسطة تُدعى التخطيط العضلي الكهربائي للوجه(8), حيث تُسجِّل المساري الكهربائية الموضوعة على وجه المفحوص الإشارات العصبية الصادرة إلى العضلات المسؤولة عن الابتسام أو العبوس. وقد لجأنا إلى هذه التقنية عند كل من الرجلين GY وDBأثناء عَرْضنا عليهما صورا ثابتة لوجوه وأجسام كاملة تبدي تعابير عن الفرح أو الخوف.

أطلقت جميع المنبّهات ردود أفعال عاطفية استنادا إلى تسجيلات التخطيط العضلي الكهربائي، بغضّ النظر عن كون الصورة المنبّهة موجودة في جهة الرؤية السليمة أم في الجهة العمياء. وفي واقع الأمر – وبشكل يثير الاستغراب – أدّت الصور غير المرئية إلى استجابة أسرع من تلك المرئية بشكل واع. لقد راقبنا أيضا توسّع الحدقة الذي يعتبر مقياسا للتيقّظ الفيزيولوجي، ووجدنا أنّ الصور المخيفة غير المرئية سبَّبت الاستجابة الأقوى، ممّا يوحي أنه كلما كنا واعين شعوريا لإشارة عاطفية، كان ردّ فعلنا عليها أبطأ وأضعف.

[تجارب]

تقصّي رؤية العميان(*******)

   بسبب ندرة عدد المصابين بالعمى القشري التام مثل المريض TN, فإنّ الدراسات على رؤية العميان لجأت غالبا إلى مرضى مصابين بالعمى في جهة واحدة من ساحتهم البصرية. يُحدِّق المريض في نقطة ثابتة في حين تُعرَض الصور في كلّ من الجهتين. يمكن أن يُطلَب إلى المفحوص أن «يحزر» ما هو الموجود في الجهة العمياء أو أن يضغط على أحد الأزرار في حال رؤيته لعناصر في الجهة المرئية من الساحة. يمكن أن تقوم الأجهزة بمراقبة الفعالية الدماغية، ويمكن أن تقيس الاستجابات اللاإرادية مثل الحركات الضئيلة في الوجه وتوسّع الحدقة.

 هل تُميّز رؤية العميان المشاعر العاطفية؟

   عندما تُعرَض على المرضى في ساحتهم العمياء صور لأشخاص يعبّرون عن مشاعر عاطفية، نجدهم يخمّنون نوع هذه المشاعر بشكل صحيح في أغلب الأوقات. فالعضلات الوجهية المُستخدَمة في الابتسام والعبوس ترتكس بطرق تجاري فيها نوع المشاعر العاطفية في الصور غير المرئية (الصورة في الأسفل، بشكل مضخَّم)، ومن ثَمّ، فإنّ تلك المشاعر يتمّ تمييزها دون تدخّل الرؤية الواعية. وهذا الأثر يظهر مع صور الأجسام المحجوبة وجوهها مثلما يظهر مع صور الوجوه, ممّا يعني أنّ المرضى كانوا يميّزون المشاعر العاطفية، ولم يكونوا يقومون بمجرَّد محاكاة لتعبيرات الوجه بشكل لاشعوري.

ما هي مناطق الدماغ التي تَستَعملها رؤية العميان؟

   عرض الباحثون على المرضى مربعات ملوَّنة باللون الأرجواني والرمادي, مع معرفتهم بأنّ ناحية الأُكيمة العلوية(9) في الدماغ المتوسط لا تتلقّى أية إشارات آتية من الشبكية تتعلّق بالأشياء ذات اللون الأرجواني. وقد أثارت المربعات الرمادية دون الأرجوانية مؤشّرات تدلّ على وجود رؤية العميان، مثل حدوث تقلّصات أكبر في الحدقة. وهذه النتائج – إضافة إلى التصوير العصبي للمريض أثناء التجربة – تشير إلى أنّ الأُكيمة العلوية تؤدي دورا أساسيا في حدوث رؤية العميان .

وثمة مدرسة فكرية ترى أنّ سبب عدوى العواطف هو قيام الناس بالتقليد اللاشعوري للتعابير التي يرونها، دون أن يميّزوا بالضرورة الشعور العاطفي بحدّ ذاته. ولكن نظرا لكون مرضانا قد تفاعلوا ليس مع الوجوه فحسب, بل أيضا مع الأجسام (التي كانت لها وجوه ضبابية غير واضحة), لذا استنتجنا أنهم يحسون بالانفعال ويستجيبون له.

رؤية العميان للجميع(********)

بسبب القلّة الشديدة لعدد المرضى المناسبين لإجراء الدراسات المتعلّقة برؤية العميان, فإنّ إحداث هذه الظاهرة بشكل مؤقت عند أشخاص سليمي الأدمغة تماما هو وسيلة قيّمة من أجل إجراء تجارب محكومة(10). وإحدى التقنيات المُستعمَلة تستخدم «حجب» الرؤية(11) أو ما يُعرَف باستخدام الصور تحت العتبة subliminal: حيث يلتمع منبّه بصري أمام الشخص المفحوص بسرعة خاطفة، ويتلوه مباشرة قالب نمطي يظهر في المكان نفسه. وبذلك يتدخَّل القالب النمطي في عملية المعالجة الواعية للصورة تحت العتبة التي عبرت بسرعة، تاركا الشخص المفحوص دون إدراك شعوري لرؤيته إياها، ولكنّ التجارب تستطيع تقديم دليل موضوعي على أنه رآها. وتقوم تجارب أخرى بالتعطيل المؤقت للقشر البصري بواسطة تطبيق حقول مغنطيسية على القسم الخلفي من الرأس، وتُدعى هذه التقنية باسم التنبيه المغنطيسي عبر القحف(12).

لقد أظهرت دراسات عديدة أنّ الأشخاص الأصحّاء يستطيعون أن «يحزروا» بطريقة جديرة بالثقة طبيعةَ المنبّه حتى عندما يُعرَض عليهم بسرعة خاطفة تتجاوز قدرتهم على إدراكه بشكل واع, أو عندما يتمّ تعطيل القشر البصري عندهم بواسطة التنبيه المغنطيسي عبر القحف. وأُجريت أيضا أبحاث أخرى كثيرة لاستقصاء كيفية تفاعل الملاحظين السليمي الرؤية مع المنبّهات العاطفية التي لا يستطيعون رؤيتها بشكل واع. وحتى قبل أن تبدأ مثل هذه التجارب عن رؤية العميان، اقترحت الدراسات على الحيوانات والبشر أنّ بُنى ما تحت القشر (وهي مناطق من الدماغ أكثر عمقا في الموقع وأقدم من الناحية التطوّرية من القشر) يمكنها أن تشرع في استجابات مناسبة قبل أن تقوم مناطق أخرى كالقشر البصري بتحليل المنبّه المثير بشكل مفصَّل. ويبدو أنّ هذا الجهاز اللاشعوري يعمل بموازاة المسالك الطبيعية للمعالجة (المسالك التي يسيطر عليها القشر). وهذه المناطق تحت القشرية التي تُثار بالمنبّهات العاطفية تحت العتبة هي المُشتبَه فيها الأولى كمسؤول عن معالجة المشاعر العاطفية التي يميّزها المرضى المصابون بالعمى الدائم بفضل رؤية العميان.

وفي الوقت الراهن لا يزال العلماء يتجادلون فيما إذا كانت هذه الأنماط المؤقّتة من العمى الُمحدَث عند الأشخاص السليمي البصر هي المعادل الوظيفي الصحيح لرؤية العميان عند المرضى المصابين بأذية قشرية دائمة. وعلى وجه الخصوص، تسمح تقنيات حجب الرؤية -كاستخدام الصور تحت العتبة – للقشر البصري بمعالجة المعلومات بالطريقة المعتادة، ولكنها تتدخّل في مجرى معالجة واعية لاحقة. ومن ثَمَّ، فإنّ «رؤية العميان» للصور تحت العتبة يمكن أن تكون ظاهرة متميّزة تماما عن رؤية العميان عند المرضى، مع تعلّقها بمجموعة معيّنة من مناطق الدماغ خاصة بها وحدها. أمّا التنبيه المغنطيسي عبر القحف، فيُفترَض أنه يقلِّد الإصابة القشرية إلى درجة كبيرة, ولكن كي نعرف ما إذا كانت رؤية العميان الناجمة عنه تستخدم فعليا السبل العصبونية ذاتها, فإنّ ذلك يتطلَّب تجارب تشارك هذه التقنية مع التصوير العصبي.

وفي المقابل, يمكن أن يبدأ الدماغ بعد إصابته بأذية ما (حتى عند البالغين) بإعادة وصل أجزائه لتعويض خسائره. ومثل هذه التكيّفية العصبية من المُحتمَل جدا أن تكوّن سبلا جديدة خاصة برؤية العميان غير موجودة عند سليمي الرؤية الذين تمَّت دراستهم باستخدام التنبيه المغنطيسي عبر القحف وحجب الرؤية. وإلى أن يتمّ فهم هذه القضايا بشكل أفضل, فإنّ دراسة المرضى المصابين بأذيات حقيقية سوف تبقى ذات أهمية حاسمة من أجل سبر أغوار الكيفية التي تولِّد بها المناطقُ غير القشرية الرؤيةَ المتبقّية.

سبل عصبية(*********)

حتى الآن لم تحسم الأبحاث بشكل كامل أمرَ تحديد البنى العصبية المسؤولة عن رؤية العميان في حالة العمى القشري, ولكنّ المرشَّح الأكثر احتمالا لتأدية الدور الرئيسي هو ناحية من الدماغ تُدعى الأُكيمة العلوية (SC) (13)، وهي تقع في قسم من تحت القشر يُسمَّى الدماغ المتوسط. وفي بعض الحيوانات غير الثديية مثل الطيور والأسماك، تُعتبَر الأكيمة العلوية هي البنية الدماغية الأساسية التي تستقبل المعلومات الواردة من العينين. أمّا عند الثدييات، فإنّ القشر البصري يحجب دورها، ولكن يبقى لها عمل في ضبط حركات العين، ضمن الوظائف البصرية الأخرى. وفي رؤية العميان يتمّ استغلال المعلومات المارّة من الشبكية إلى الناحيةSC دون أن تذهب أولا عبر القشر البصري الأولي.

وفي العام المنصرم، بيَّنتُ مع زملائي أنّ منطقة الدماغ المتوسط هذه لها دور أساسي في ترجمة الإشارات البصرية التي لا يمكن إدراكها بشكل واع لتصير حَدَثا. وعلى وجه الخصوص، طلبنا إلى مريض أن يضغط على زر في كل مرة نريه فيها مربعا في جهته المرئية، وقمنا في بعض الأحيان بعرض مربع في جهته العمياء في ذات الوقت، وكنّا نستعمل مربعات رمادية حينا ومربعات أرجوانية حينا آخر. وقد اخترنا درجة من اللون الأرجواني لا يميّزها إلاّ نوع واحد فقط من الخلايا المخروطية اللاقطة للضوء في الشبكية. ونظرا لمعرفتنا بأنّ الناحيةSC لا تتلقَّى أية إشارة من هذا النوع، استطعنا أن نعتبرها عمياء بالنسبة إلى هذا اللون الأرجواني.

لقد أدّى عرض مربع رمادي في الجهة العمياء لمريضنا إلى تسريع الاستجابة عنده، وإلى جعل حدقتيه تتقبَّضان بشكل أشدّ (وهذه علامة على حدوث تأثير للمنبّه البصري), بينما غاب كلا الأثرين في حالة عرض المربعات الأرجوانية. وبتعبير آخر، فإنّ المريض أبدى وجود ظاهرة رؤية العميان من أجل المنبّهات الرمادية، بينما غاب ذلك من أجل الأرجوانية. وقد أظهرت صور الدماغ أنّ الناحية SC عنده كانت في قمة التحريض فقط مع استخدام المنبّهات الرمادية في الجهة العمياء لديه. وهناك بعض المناطق الأخرى في الدماغ المتوسط يُشتبَه في أن يكون لها دور في رؤية العميان بدلا من الناحية SC، ولكن في تجربتنا بدا أنّ نشاط هذه المناطق غير مرتبط بحدوث رؤية العميان.

إنّ هذه الاكتشافات تـظــهـــر أنّ الناحية SC تعمل في دماغ الإنسان كصلة وصل بين المعالجة الحسية (الرؤية) والمعالجة الحركية (التي تؤدي إلى قيام المريض بأفعاله), وبذلك تسهم في السلوك الموجَّه بالبصر بطريق منفصل بوضوح عن السبُل التي تتعلق بالقشر، ويكون هذا خارج الخبرة البصرية الواعية تماما. ورؤية العميان الخاصّة بالمشاعر العاطفية التي يظهرها الناس تتعلَّق أيضا بالناحية SC، إضافة إلى مناطق أخرى في الدماغ المتوسط مثل اللوزة amygdala.

لقد لفتت رؤية العميان انتباه العديد من الفلاسفة الذين شدّتهم الفكرة التناقضية القائلة بالرؤية دون أن يُدرك الشخص أنه يرى. وهذه الفكرة لا تكون بالطبع تناقضية إلاّ إذا اعتبرنا «الرؤية» تعني دائما «الرؤية بشكل واع». ومثل هذه الخلفية الذهنية شكَّلت حجر عثرة أمام قبول العلماء فكرة رؤية العميان، مما أدّى إلى تأخير التقدّم في فهم دور الرؤية اللاشعورية في الاستعراف عند الإنسان.

ويمكن أن يكون الأمر السابق حجر عثرة أيضا بالنسبة إلى المرضى المصابين بفقدان الرؤية ذي المنشأ القشري, حيث يعيقهم عن إطلاق المهارات الكامنة في رؤيتهم المتبقّية لاستغلالها في حياتهم اليومية. فمثلا يعتبر TN نفسه رجلا أعمى، وسيظل يعتمد بشكل كامل على عكازه الأبيض إلى أن يتمّ إقناعه بأنه يستطيع أن يرى دون أن يدرك ذلك. وهنا قد يفيد التدريب أيضا، إذ إنه بعد ثلاثة أشهر من التدريب اليومي بالمحرِّضات المناسبة، أبدى المصابون بالعمى القشري تحسنا ملحوظا في اكتشاف الأهداف في ساحتهم العمياء. ويبقى أمر معرفة ما إذا كان التدريب المستمر في الظروف الواقعية سوف يؤدي إلى تحسين مهارات التجوال سؤالا قائما (مثله مثل العديد من المظاهر الأخرى لرؤية العميان) مطروحا للبحث في المستقبل.


المؤلفة

  Beatrice de Gelder

 أستاذة العلوم العصبية الاستعرافية ومديرة مختبر العلوم العصبية للاستعراف والوجدان في جامعة تيلبورگ بهولندا. وهي أيضا عضو في هيئة التدريس بالمركز <A.A.مارتينوس> للتصوير الطبي الحيوي في مدينة تشارلز تاون بولاية ماساتشوستس. تستقصي <دو گيلدر> العلوم العصبية التي تعتمد عليها معالجة الوجوه والمشاعر العاطفية، والطرق التي يتفاعل فيها الاستعراف مع العاطفة لدى كل من الأدمغة السليمة والمصابة بأذية.


 مراجع للاستزادة

Unseen Facial and Bodily Expres­sions Trigger Fast Emotional Reac­tions. Marco Tamietto et al. in Pro­ceedings of the National Academy of Sciences USA, Vol. 106. No. 42. pages 17661-17666; October 20,2009.

Collicular Vision Guides Noncon- scious Behavior. Marco Tamietto et al. in Journal of Cognitive Neurosci- ence, Vol. 22. No. 5. pages 888-902; May 2010.

Affective Blindsight. Beatrice de Gelder and Marco Tamietto in Scholarpedia, Vol. 2, No. 10, page 3555; 2007. Available at www. scholarpedia.org/article/ Affective _ blindsight

Helen, a Blind Monkey Who Sees Everything. Video from 1971. Avail­able at bit.ly/blindsightmonkey


(*)UNCANNY SIGHT IN THE BLIND

(**)A Controversial History

(***)What Is Blindsight?

(****)WHAT CAN BE DETECTED?

(*****)MAPPING NEURAL PATHWAYS

(******)Blindsight for Emotions

(*******) Investigating Blindsight

(********) Blindsight for All

(*********) Neural Pathways


(1) blindsight

(2)the primary visual cortex

(3)pulvinar nucleus

(4)superior colliculus

(5)Massachusetts Institute of Technology

(6) Personalized psychophysical tests

(7) emotional contagion

(8)facial electromyography

(9)the superior colliculus region

(10)controlled experiments

(11)visual masking”

(12)transcranial magnetic stimulation

(13)superior colliculus