خالد منتصر / الواعظ والسلطان والتوأم الملتصق (2)

«النجاح أحياناً يكون بمثابة القبر الذى يدفن فيه المبدأ»، عبارة مهمة كتبها على الوردى فى كتابه الرائع «وعاظ السلاطين» يجيب بها عن سؤال: لماذا أحياناً بعد
نجاح الثورات تنحرف البوصلة ويموت المبدأ الذى قامت من أجله، عدسة علم الاجتماع عندما تسلط على التاريخ وتقرأ الأحداث بنظارة عالم اجتماع جسور، مثل «الوردى»
تكتسب هذه الأحداث نكهة مختلفة، ولكنها صادمة، خاصة لعقول تربت فى حضن التسليم والإذعان والعنعنة والسمع والطاعة وتأليه الحاكم، منطق الوعاظ من وجهة نظر «الوردى»
فاشل، لأنه يتعامل مع الإنسان على أنه مشروع ملاك، وبمنطق ثبات الأشياء وسكونها ويتجاهل التغيير والتناقض وطبيعة البشر. طرح «الوردى» عدة أسئلة صادمة بقراءة
جديدة للتاريخ الإسلامى، من ضمن الأحجار التى ألقاها «الوردى» فى بحيرة الإجابات الجاهزة الراكدة شخصية «أبى ذر»، الذى تم تهميشه ونفيه ومطاردته حياً وميتاً
ومنع تشييعه ووداعه لصالح الأغنياء، لأنه لم يعترف بأن الزكاة كافية فقط للعدالة الاجتماعية، وأنه يجب على الأغنياء أن يعطوا الفقراء الأموال التى يكنزونها
زائدة على الحاجة، بالطبع أربك هذا الرأى حسابات الأرستقراطية القرشية، فبدأت الدسائس ضد هذه الشخصية الأسطورية، ضد هذا البدوى الوحيد، الذى دخل الإسلام قبل
الهجرة وأسلم قبل أن يقابل النبى، وبالطبع خرجت تفسيرات لمعنى الكنز تناقض كلامه، ومنها تفسير «القرطبى»، الذى قال إن الكنز بالفعل كان محرماً فى بدء الدعوة،
أما بعد استغناء المسلمين، فالكنز فى نظر «القرطبى» جائز!، صدمة أخرى عن الوهم الذى عشنا فيه كل هذه القرون والمسمى بـ«ابن سبأ»!! برغم أن «مروان» فى الفتنة
الكبرى بتصرفاته كان سبئياً حتى النخاع!، كل الرذائل والخطايا التى أصيب بها المسلمون محركها من وجهة نظر التاريخ الإسلامى هو عبدالله بن سبأ، لدرجة أننى تخيلت
أنهم سيتهمونه فى وباء إنفلونزا الطيور!، يقول طه حسين: «عبدالله بن سبأ وهم من الأوهام»، ويقول «الوردى» إنه اختراع، ويختتم الفصل الخاص به بقوله «ابن سبأ
موجود فى كل زمان ومكان، فكل ثورة يكمن وراءها ابن سبأ، فإن هى نجحت اختفى اسم ابن سبأ من تاريخها وأصبحت حركة فضلى، أما إذا فشلت، فالبلاء نازل على رأس ابن
سبأ»!. صدمة أخرى فى قراءة «الوردى» المبتكرة لشخصية «أبى جهل» لا بد أن تثير حفيظة من تعود على تقديس القديم بلا نقاش، كتب «الوردى»: «الفرق بين أبى جهل وغيره
من نبلاء قريش فى الشخصية لم يكن كبيراً فمعظمهم كان من الطبقة المرابية المستغلة المتعالية، ومن سوء حظ أبى جهل أنه قُتل فى معركة بدر فى صف المشركين، فنال
لعنة الأبد، ولو أن الصدفة ساعدته كما ساعدت غيره، فنجا من تلك المعركة، ثم بقى إلى يوم الفتح فأسلم لصار من كبار القواد الذين رفعوا راية الإسلام!! إنها مسألة
صدفة، وإذا كان أبوذر رافع راية المساواة الاقتصادية، فإن عمار بن ياسر رافع راية المساواة الاجتماعية»، وكان يتساءل كما قال «الوردى» فى كتابه: هل استسلمت
الأرستقراطية القرشية أم أسلمت؟، والغريب أنه بعد الإسلام الذى نزل لمساواة البشر كأسنان المشط كان بعض القرشيين يطلقون عليه العبد، مثل «مروان وابن العاص وخالد»..
إلخ! كتاب «وعاظ السلاطين» عصف ذهنى مستمر فى كل صفحة من صفحاته، ولا بد لكل مهتم من قراءته، والأهم من القراءة الفهم والنقاش والتحليل.

 

الأربعاء 22-03-2017 | PM 09:55 الأربعاء 22-03-2017 | PM 09:55

 

المصدر :