جريمة تمزيق الوطن


بقلم   د. محمد حبيب    ١٤/ ٤/ ٢٠١٣

عند وقوع أى جريمة، يقولون: ابحث عن المستفيد. وهو مبدأ صحيح، حيث يتم الكشف عن أسرار الكثير من الجرائم والوصول إلى مرتكبيها. يتتبع رجال البحث الجنائى كل مَن له صلة بالجريمة، سواء كان فرداً أو مجموعة من الأفراد. والبداية حين يتمكن هؤلاء الرجال من الإمساك بالخيط الذى يقودهم إلى المجرم الحقيقى.

ويتفاوت مرتكبو الجرائم فى مهاراتهم وحرفيتهم وخبرتهم ومدى قدرتهم على إخفاء الأدلة «كبيرها وصغيرها». ولأنه لا توجد جريمة كاملة، فإن الجانى عادة ما يترك دليلاً ولو بسيطاً يمكن أن يستدل به عليه. وهنا يكمن ذكاء ومهارة رجال البحث الجنائى. الكارثة حين يستطيع المجرم أن يعقد صفقة مع رجل المباحث. والأكثر كارثية حين يكون الأخير هو نفسه الجانى. يعنى كما يقال فى أمثالنا حين يكون «حاميها حراميها».

معظم الجرائم التى ارتكبت فى مذابح: الأيام الأولى للثورة، ماسبيرو، محمد محمود «١»، مجلس الوزراء، استاد بورسعيد، محمد محمود «٢»، العباسية، قصر الاتحادية، بورسعيد، ووسط القاهرة، أقول هذه الجرائم نسبت إلى ما أطلق عليه «الطرف الثالث» أو «اللهو الخفى». هذا اللهو الخفى استطاع أن يرتكب جرائم راح ضحيتها آلاف الشهداء، وعشرات الآلاف من الجرحى والمصابين. قيل إن هناك تحقيقات أجريت، لكن لا أحد يعلم عنها شيئا. وحتى الآن لم يتم التوصل إلى القتلة مرتكبى الجرائم الحقيقيين. والسؤال: هل نحن أمام قتلة محترفين عجز رجال البحث الجنائى أو الأجهزة المعنية عن الوصول إليهم، أم أننا أمام قتلة عقدوا صفقات مع تلك الأجهزة أو بعضها، فقامت بالتستر عليهم أو إخفاء أدلة إدانتهم، أم أننا أمام قتلة تابعين للأجهزة الأمنية ذاتها؟!

فى كل المذابح التى وقعت، لوحظ وجود مدنيين فى وسط قوات الأمن!. هؤلاء كانوا يحملون سلاحا. والسؤال: من هؤلاء: هل هم مدنيون فعلاً، أم رجال أمن يرتدون زياً مدنياً؟! هل يعملون بمفردهم؟ وإذا كانوا تابعين لجهة ما، فما هى تلك الجهة؟ وهل عجزت الأجهزة المعنية عن تحديدها والوصول إليها؟!

أمام قصر الاتحادية فى يوم ٥ ديسمبر ٢٠١٢، استشهد عدد من الشباب، بعضهم من الإخوان، والبعض الآخر من المتظاهرين. الغريب أننا لم نر «بلطجياً» سقط قتيلاً!، فمن الذى أطلق الخرطوش والرصاص الحى؟! فى بورسعيد، من أطلق الرصاص الحى على مشيعى جنازة جثامين الشهداء، فقتل أكثر من ٤٠ شهيداً؟!

لوحظ أن الشباب الذين يطلق عليهم «بلطجية» والذين يشتبكون مع الأمن على هامش التظاهرات فى وسط القاهرة وغيرها لا يتغيرون. الوجوه نفسها تقريبا. ثم إن الأمن لا يقبض عليهم!. الأمن يحمى مقر مكتب الإرشاد، وهذا مفهوم. لكنه لا يحمى مشيخة الأزهر، ولا المقر البابوى. لماذا؟!

فى جريمة الهجوم على الكاتدرائية فى ٧ إبريل ٢٠١٣، لوحظ أيضاً وجود شباب يرتدون الزى المدنى يقفون وسط وإلى جوار رجال الأمن. هؤلاء كانوا يطلقون الخرطوش وقنابل المولوتوف والحجارة على الكاتدرائية. حادثة لم تقع منذ إنشاء الكاتدرائية. لم يتخذ رجال الأمن أى إجراء حيال هؤلاء الشباب. تركوهم يفعلون ما يشاؤون. لم يقبضوا عليهم. لم يمنعوهم. رغم ذلك، عند مجىء وزير الداخلية إلى الكاتدرائية، انضبط كل شىء. توقف الهجوم. أصبح كل شىء تحت السيطرة. إذن كانت قوات الأمن قادرة على حسم الأمور، فلِمَ لمْ تفعل؟ ما الذى جعلها لم تلق القبض على المهاجمين؟! فهل كان المهاجمون جزءا منها؟!

إذا كان كل ما جرى، ويجرى يتم بعلم وإذن رئيس الدولة، فنحن أمام كارثة توجب المساءلة، بل المحاكمة. وإذا كان لا يعلم، فنحن أمام كارثة من نوع آخر. تصرف الرئاسة حوله أكثر من علامة استفهام. عدم اتخاذ موقف حازم إزاء اقتحام مشيخة الأزهر والهجوم على المقر البابوى. عدم الذهاب إلى الكاتدرائية لتقديم واجب العزاء فى الضحايا. عدم إدراك حجم الجريمة والآثار التى يمكن أن تترتب عليها. نحن أمام وطن يتمزق أو يتصدع. أمام نار مشتعلة فى بيت الوطن، وألسنة النيران تلتهم أجزاء ثمينة منه، وربما تمتد أطرافها لتلتهم الباقى. ثم يصدر خطاب من أحد مساعدى الرئيس، فيزيد الأمر اشتعالا، وهو ما اضطرت معه الرئاسة إلى القول بأن الخطاب لا يعبر إلا عن وجهة نظر شخصية. ما هذا العبث؟!