بعض الظن إثم

بعض الظن إثم.. جمال فهمي

نشر: 12/4/2013 3:32 ص – تحديث 12/4/2013 9:50 ص

■ ■ من نافلة القول إن بمصر الآن فيضا هائلا من المضحكات التى ضحكُها ألعنُ وأمرُّ من البكاء (كما قال ذات يوم عمنا أبو الطيب المتنبى)، ولعل من أكثر المساخر الحالية شهرة وأعمقها غوصا فى أوحال الكوميديا السوداء، تلك الغنيوة الهابطة المسماة «غزوة الصندوق»، الذى هو بدوره ليس صندوقا واحدا، إنما صندوقان اثنان، أحدهما للورق (بعضه مزور)، والثانى مخصص لنقل جثث الشهداء يوميا، لكن الست جماعة الشر السرية القاعدة على أنفاس أهالينا حاليا، وبينما هى تبدو وكأن مسًّا من جنان الشياطين أصابها، وأن عفريت «الصندوق» الأول ركبها خلاص، إذ كلما فتحت بقها فلا حديث ولا حجة عندها إلا هذا «الصندوق» البائس المزور، فإن الصندوق الثانى الحامل لمواكب الشهداء من ضحايا إجرامها لا كلام عنه ولا حس أو خبر.

ومع ذلك فصندوق الورق هذا الذى حولته الست الشريرة وأتباعها وماسحو بلاط مغارتها إلى شىء أشبه بإله وثنى، وأدخلت فى روعنا أنها ربما تقدسه، وتخلص فى عبادته من دون الله تعالى، ظهر مؤخرا بوضوح أنها تتعامل معه باعتباره مجرد «صنم» صنعته (كما كان يفعل الجاهليون القدماء) من عجوة أو حلاوة طحينية، لهذا فلا مشكلة عندها أن تمارس فى محرابه كل طقوس العبادات الوثنية، ثم إذا جاعت وصوصوت عصافير بطنها تأكله فورا.. بمنتهى البساطة والوقاحة، وكل عام أنتم بخير!

هل تريد حضرتك دليلا على هذا الكلام؟ حسنا.. إليك الدليل:

أول من أمس كان موعد حلقة جديدة من حلقات مسلسل الصناديق الانتخابية التى زارت مؤخرا نقابات واتحادات عديدة، وقد شهدت نتائجها جميعا بحقيقة أن المجتمع بات الآن يلفظ ويتقيأ جماعة الشر.. وفى هذا السياق انعقد مؤتمر اتحاد طلاب الجمهورية لانتخاب رئيس وهيئة مكتب الاتحاد، فلما اشتغلت الصناديق وانتهى فرز الأصوات، وتبين أن النتيجة فى غير صالح مرشح الإخوان، أصاب واحدا من هؤلاء هياج شديد جدا، غير أن ما لفت نظر العبد لله ليس أن هياج هذا الطالب الإخوانى أخذ صورة البلطجة وقلة الأدب، بل إن هيجانه وجنانه من النتيجة دفعه للإقدام على تحطيم وتكسير واحد من صنايق الاقتراع وتمزيق محتوياته، فى إشارة بليغة إلى أن ديانة عبادة الصناديق التى يروجون لها وصدعوا رؤوسنا بها آناء الليل وأطراف النهار، محض نصب فى نصب.. والله المستعان!

■ ■ لم أفهم (أو بالأحرى أنا فاهم لكنى مكسوف أفصح وأقول صراحة) معنى ومغزى وهدف ذلك التصريح الغريب، العجيب الذى أدلى به صديقى العزيز (القديم) المهندس أبو العلا ماضى رئيس حزب الوسط فى ثنايا حوار لطيف جدا نشر أمس فى صحيفة «الشروق»، فقد قال الصديق أبو العلا نصًّا فى أحد المواضع: «إذا أرادوا أن يُسقطوا الرئيس بعد 6 أشهر، فلو جاء رئيس آخر وفتحنا هذا الباب، فأقوى تنظيم وهو الإخوان (يستطيع) إسقاط الرئيس الجديد بعد 6 أيام وليس 6 أشهر»!

إذن، وما دام الحرج والكسوف من صديقى القديم يمنعاننى من الإفصاح علنا عما فى رأسى، فليس أمامى إلا المعنى الوحيد الظاهر من نص تصريحه آنفا، وخلاصته أننا مضطرون إلى قبول البضاعة الرئاسية الإخوانية، ولو كانت معطوبة، وسوف تذهب بنا فى ستين داهية (إن لم نكن قد ذهبنا فعلا)، لأننا إذا لم نرضخ ونستسلم فإن «التنطيم الإخوانى»، لأنه (قوى ومفترى وبلطجى) وليس عنده ذرة من ضمير أو رحمة، سيدمرنا تمامًا، وسيُسقط أى رئيس يأتى فى 6 أيام فقط!

على فكرة.. لماذا 6 أيام بالذات؟ هل لأن المهندس أبو العلا يظن أن الست «الجماعة» -التى طالما سمعتُه يشكو من شرورها وغباوتها!- تملك قَبَسًا من قوة المولى تعالى، الذى تجلت قدرته فخلق الكون كله فى 6 أيام؟! يا أخى الكريم، اسمحلى أذكِّرك بأن «بعض الظن إثم».