بصراحة ربقلم محمد حسنين هيكل: عودة إلى أحاديث المعركة

عودة إلى أحاديث المعركة
لقد تدفقت مياه كثيرة تحت جسور النيل منذ آخر مرة تعرضت فيها هنا لأحاديث المعركة.
وذهبت المياه المتدفقة إلي البحر تهدر نفسها فيه، أو ابتلعتها تربة مصر السمراء وامتصتها في جوفها.
موجات مياه كثيرة تجيء وتذهب، وموجات مياه كثيرة سوف تجيء وتذهب، والنيل العظيم يغسل وجه مصر دائما ويمسح عنه غبار الصحراء ويعيد النضرة والشباب للأرض الخضراء المنبسطة في جلال وكبرياء تحت شمس مصر الساطعة.
ومنطقة الشرق الأوسط – ومصر في قلبها – مقبلة فيما يبدو الآن علي أحداث خطيرة.
وليس في وسع أحد أن يتنبأ متى وفي أي ساعة أو لحظة، تعود مدافع السويس الساكتة منذ قرابة عشرة شهور إلي الانطلاق – ولكن الإحساس عام وشامل بأن السكون المشحون بالقلق لم يعد في وسعه أن يستمر طويلاً.
لقد انتهت الآن فترة، وتوشك فترة أخري مختلفة أن تقتحم طريقها إلي مسرح الأحداث.
وأبسط ما يمكن أن يقال – ولا يختلف فيه مراقب متابع للتطورات – هو:
أن مرحلة متغيرة توشك أن تبدأ من أزمة الشرق الأوسط كما اصطلح علي تسميتها دولياً.
بدأت – أو توشك أن تبدأ الآن – مرحلة متغيرة من الأزمة لأن فترة “اختبار النوايا” التي طلبتها الولايات المتحدة الأمريكية قد استوفت حظها من التجربة ووصلت في النهاية إلي طريق مسدود.
طال الحوار حول اختبار النوايا سنة كاملة وأكثر:
في أبريل 1970 طرح جوزيف سيسكو مساعد وزير الخارجية الأمريكية رجاء “اختبار النوايا” علي جمال عبدالناصر عندما التقي به في القاهرة وهو يطوف المنطقة في مهمة للبحث عن الحقائق كما وصفت في ذلك الوقت.
في مايو 1970، وفي خطابه بمناسبة عيد العمال قبل جمال عبدالناصر رجاء “اختبار النوايا” ووجه إلي ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة طلبين:
أن تنسحب إسرائيل من كل الأراضي المحتلة في يونيو سنة 1967 وذلك وفق قرار مجلس الأمن في نوفمبر 1967.
أن تكف الولايات المتحدة عن مساعدة إسرائيل عسكرياً ومادياً مادامت تواصل احتلالها للأرض العربية تحدياً لقرار مجلس الأمن المعبر عن النظام الدولي القائم كله وبالتالي عن إرادة المجتمع العالمي.
في يونيو 1970 ردت الولايات المتحدة بمشروع روجرز.
وفي يوليو 1970 أجابت مصر بقبول مشروع روجرز.
وفي 4 نوفمبر 1970 و4 فبراير 1971 و7 مارس 1971 استجابت مصر لنداءات دولية بمد وقف إطلاق النار، أو الامتناع عن إطلاق النار، أو الانتظار قبل إطلاق النار – وذلك كله لإتاحة فرصة أمام الباحثين عن حل للأزمة سواء في الأمم المتحدة، أو بين الدول الأربع الكبرى المسئولة عن السلام العالمي بحكم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، أو من أطراف دولية متعددة.
أكثر من ذلك ففي مارس سنة 1971 ردت مصر بالإيجاب علي قبولها لتعهدات السلام الواردة في قرار مجلس الأمن وبالنص الذي طلبه منها السفير جونار يارنج ممثل السكرتير العام للأمم المتحدة المكلف بتنفيذ القرار – في حين أن إسرائيل رفضت مجرد أن ترد عليه.
ثم زادت مصر فوق هذا كله، في مارس – أيضاً – سنة 1971، مبادرة خاصة قصدت بها تسهيل البدء في تنفيذ الحل وذلك باقتراحها أن تتم المرحلة الأولي من الانسحاب في مقابل فتح قناة السويس للملاحة العالمية، علي أن يمتد وقف إطلاق النار بعدها لفترة محددة بستة شهور يتمكن خلالها السفير جونار يارنج من التوصل إلي كل عناصر الحل الكامل للأزمة.
وأخيراً – فإنه في مايو سنة 1971، استقبلت مصر ويليام روجرز وزير الخارجية الأمريكية وعرضت أمامه وجهة نظرها كاملة وكان تعليقه:
– ليس هناك ما أستطيع أن أطلبه من مصر فوق ما قدمته، وسوف تكون طلباتي كلها من الجانب الآخر.
وغادر روجرز القاهرة. متوجهاً بالطائرة إلي تل أبيب.
ومن يومها مضت ستة أسابيع بلا حس ولا خبر يؤثر إيجابياً في الأزمة أو يساعد علي تصحيح مسارها في اتجاه الحل.
هكذا بدأت – أو توشك أن تبدأ – مرحلة متغيرة من الأزمة، لأنه أصبح محتماً علي مصر – وبمنتهي هدوء الأعصاب – أن تستخلص لنفسها ما يتحتم استخلاصه من نتائج.
كان لابد من حد زمني لفترة اختبار النوايا.
وأصبح لابد بعدها من الخروج بنتيجة مؤداها:
إما أن الولايات المتحدة لا تريد أو أن الولايات المتحدة لا تستطيع.
لا تريد، للأسباب المحتملة التالية:
1- لأن بقاء مصر في فخ الأزمة الذي يمسك بها يلائم مصالحها بالنسبة لدور مصر وتأثيرها، أو بالنسبة لما يمكن أن يحدث داخلها من اختلاجات برد الفعل الغريزي نتيجة شعورها وألمها من قبضة الفخ الممسك بها.
2- لأن العالم العربي – ومصر علي هذا النحو ممسوكة بالفخ – عالم بلا قيادة، وبالتالي بلا إرادة.
3- لأن هذا الوضع يحجب مصر عما يجري في المنطقة ويكفي الآن أن مستقبل الخليج العربي – وهو بؤرة الأزمة القادمة في المنطقة – يتقرر في غيبة مصر.
4- لأن استمرار إغلاق قناة السويس يلائمها من وجهة نظر تخوفها من الإستراتيجية البحرية السوفيتية الجديدة، وإن كان حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا الغربية يدفعون ثمناً غالياً منذ استمرار إغلاق قناة السويس.
أو غير ذلك من الأسباب المحتملة.
أو هي لا تستطيع للأسباب المحتملة التالية وكلها وإرادة في الحساب:
1- لأن التأثير الصهيوني في الولايات المتحدة أقوي من المصلحة الأمريكية الذاتية.
2- لأن العناصر السياسية الأمريكية التي تعادي وجهة النظر العربية في الصراع أفعل في التأثير من العناصر السياسية الأمريكية التي تري وجهة النظر العربية في الصراع بصرف النظر عن مدي اتفاقها معها.
ويلاحظ في هذا الصدد ما يأتي:
– المؤسسة العسكرية الأمريكية مع إسرائيل لأن إسرائيل في موازين القوي في البحر الأبيض الآن أشبه ما تكون بحاملة طائرات عائمة في الجناح الشرقي منه.
– وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مع إسرائيل لأن هدف هذه الوكالة كان وعلي طول الخط هو: عرقلة النمو السياسي والاجتماعي والاقتصادي للقوي الوطنية في المنطقة إلي جانب عرقلة وحدتها وقد أثبتت إسرائيل أنها قوة قمع وإرهاب لها حتى الآن سطوتها وبالتالي فهي حليف طبيعي.
– الكونجرس الأمريكي – فيما عدا أقلية فيه يمثلها رجال من أمثال السناتور فولبرايت رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ – مع إسرائيل لأن قوي الضغط الموالية لها تفعل فعلها كما أن حساب الأصوات الانتخابية يتكرر كل سنتين وهناك إلي جانب حساب الأصوات الانتخابية – حساب آخر له قيمته وهو حساب التبرعات لتمويل المعارك الانتخابية.
– أجهزة الإعلام الأمريكية – الصحافة والإذاعة والتليفزيون والسينما – مع إسرائيل في معظمها إلا أصواتاً قليلة بعضها له احترامه لكن ما يصدر عنه يغرق في الضجة العالية والصخب الهائج.
– وزارة الخارجية الأمريكية قليلة الحيلة بحكم دورها المحدود ولقد تكون فيها عناصر تستطيع أن تمد بصرها إلي المستقبل، وتحسب حساب الغد وعوامل صنعه تاريخياً، قبل حساب اليوم وعوامل التأثير فيه مرحلياً.
ولكن وزارة الخارجية – حتى إذا حسنت نوايا بعض عناصرها – هي جهاز تنفيذ سياسة وليست جهاز إنشاء سياسة، وشأنها في ذلك شأن أي وزارة من وزارات الخارجية في العالم. لا تبدأ القول وإنما تعيده، لا تقرر المواقف وإنما تعبر عنها.
– والبيت الأبيض – مقر الرئيس الأمريكي وقمة السلطة التنفيذية – فوق هذا كله مشغول بالصراع العالمي: موازين الأمن، الأسلحة النووية، جنوب شرق آسيا وفيتنام في وسطه، الاتحاد السوفيتي في ناحية والصين في ناحية، أمريكا اللاتينية التي ينهار فيها البناء الاستعماري القديم. إلي آخره إلي آخره.
والشرق الأوسط أزمة من أزمات، أو قضية من قضايا.
وفضلاً عن ذلك فأزمة الشرق الأوسط بالذات وقضيته لهما اتصال بصميم السياسة الداخلية الأمريكية بحكم التأثير الصهيوني، وهذا التأثير يزداد كلما قرب موعد انتخابات الرئاسة. وموعد الانتخابات يقترب بسرعة وهناك – كما في حالة الكونجرس أيضاً – حسابات الأصوات وحسابات التبرعات.
– والرأي العام الأمريكي تحت هذا كله يتركز اهتمامه علي فيتنام وحدها دون غيرها من القضايا فهناك نزيف الدم من أبنائه، أو هناك النزيف الإنساني في جيش أدمن معظم أفراده علي المخدرات هرباً من مأساة حرب بلا هدف، وموت بغير بطولة.
وهكذا، فإنه إذا كانت الولايات المتحدة لا تريد – لأسباب محتملة عددت منها ما ورد علي الخاطر – أو كانت الولايات المتحدة لا تستطيع – لأسباب محتملة أخري عددت منها ما ورد علي الخاطر أيضاً – فإن النتيجة في النهاية واحدة:
كان لابد من حد زمني لفترة اختبار النوايا.
إن الفرصة المعقولة لهذا الحد وهذه الفترة قد استوفت نفسها.
ثم إنه يتحتم علي مصر من ذلك كله أن تقرر بنفسها ولنفسها بأمتها ولأمتها وإلا واجه نضالها بالصمت الطويل نكسة لا تقل في خطورتها عن نكسة الحرب الخاطفة في الأيام الستة الحزينة من يونيو 1967.
ولقد كانت فترة “اختبار النوايا” من أصعب الفترات في مسار الأزمة وأعقدها لأنها احتوت بطبيعتها علي محاذير عديدة كانت كلها تؤدي إلي خطر أكبر وهو خطر تسيب الأزمة وتفريغها من الشحنات المعبأة فيها، ويبدو أن ذلك كان في بعض الأحيان قصداً مقصوداً من السياسة الأمريكية.
وكانت أبرز المحاذير كما يلي:
1- إعطاء الانطباع بأن مصر تسعي إلي حل مصري، وأنها علي استعداد لأن تقنع به وتخرج نافضة يدها مما يمكن أن تتطور إليه الأزمة بعد ذلك.
(ومع الأسف فقد كانت هناك عناصر عربية علي استعداد لأن تروج لهذا الانطباع، وكان نظام الحكم القائم في بغداد الآن أنشط هذه العناصر، ولم يكن يفعل ذلك عن حرص علي بقاء مصر في الساحة ولكن عن مزيج غريب من النزعات تعبر أكثر ما تعبر عن تكوينه وعلاقاته ومطامعه، وذلك علي أي حال موضوع آخر).
2- إعطاء الانطباع بأن هناك اتصالاً مصرياً – أمريكياً مستمراً حول التطورات وتفاصيلها والمقترحات ودقائقها وذلك في حين أن مصر كانت طول الوقت – سواء علي عهد جمال عبدالناصر أو علي عهد أنور السادات بعده – تقول في مذكراتها الدبلوماسية ما تقوله في تصريحاتها العلنية بغير اختلاف بين عبارة وعبارة، أو كلمة وكلمة، أو حتى حرف وحرف.
(والغريب أن الصحف الأمريكية كانت في كثير من الظروف تحمل لمسات من التفاؤل في ظروف لم تكن تحتمل غير التشاؤم، وبدا وكأن هذه المحاولات كلها نغمات من مخدر حلو الرائحة يراد له أن يشيع في الجو لكي تسترخي الأعصاب وتفك المفاصل).
3- إعطاء الانطباع بأنه والأمر كذلك فإن مصر ليست في حاجة ملحة إلي أي دور تقوم به الدول الأربع الكبرى المسئولة عن السلام في النظام العالمي الراهن بحكم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن.
(وكانت أكبر التأثيرات في هذه الناحية موجهة إلي فرنسا بالذات وكان يقال للقاهرة:
– إن فرنسا لا غاية لها من اهتمامها بالأزمة إلا البحث لنفسها عن دور تمارس عن طريقه آمالها – أو أوهامها – كقوة كبرى.
وكان عكس ذلك يقال في باريس وحدث أخيراً في لقاء بين مسئول فرنسي ومسئول أمريكي أن أراد الفرنسي شرح آخر التطورات في أزمة الشرق الأوسط من وجهة النظر العربية، وكان رد الأمريكي عليه بسرعة:
– نحن نعرف كل شيء. ونحن علي اتصال مستمر بالمصريين).
4- إعطاء الانطباع بأنه علي هذا الأساس لم يعد هناك دور للأمم المتحدة وقراراتها بما فيها قرار مجلس الأمن رقم 242 سنة 1967، ولم يعد هناك دور لسكرتيرها العام، ولم يعد هناك دور لممثله السفير جونار يارنج، وذلك علي أساس أن الأمور تسوي خارج نطاق هذا كله، تحت ستار “الدبلوماسية الهادئة”.
(ولعلي في هذه النقطة مدين بإيضاح للسفير جونار يارنج ذلك أنني كنت كتبت في مقال سبق بأنه لابد يشعر بالندم لأنه أطلع إسرائيل علي رد مصر عليه قبل أن يتلقي من إسرائيل ردها عليه وبالتالي فهو قد أتاح لإسرائيل فرصة أن ترد علي رد مصر عليه، ولا ترد علي طلبه هو منها وبعث السفير جونار عن طريق صديق مشترك يقول:
“لماذا يفترض أنهم حصلوا مني علي مذكرة مصر؟
إن مذكرة مصر سلمت إلي في نيويورك وفي نفس الوقت جري تسليمها في القاهرة إلي الدول الأربع الكبرى.
لم تكن المذكرة لدي وحدي وبالتأكيد فإن إسرائيل لم تحصل عليها من عندي ومن حقه أن أنتهز هذه الفرصة لهذا الإيضاح لموقفه).
ومهما يكن فإن هذه الانطباعات كلها تبدو الآن ولا يبقي لها من أثر، ذلك لأن “فترة اختبار النوايا” بكل ما كانت تحتوي عليه من محاذير قد استنفذت فرصتها وزيادة بالنسبة لمصر.
بل لعلي أقول أكثر من ذلك وهو أن الولايات المتحدة كانت ستجد نفسها مرغمة علي إنهاء فترة “اختبار النوايا” حتى لو أن مصر كانت علي استعداد بعد الآن لإرخاء حبال الصبر.
ولذلك سببان:
– الأول: أن معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية قد اقتربت والمرجح أن تبدأ المقدمات الفعلية لها من شهر أكتوبر القادم ومعني ذلك أن الأحداث سوف تزداد ارتفاعاً في تأييد إسرائيل علي ناحيتي الحزب الحاكم – الجمهوري – وحزب المعارضة – الديمقراطي.
– والثاني: أن الميزانية الأمريكية الجديدة سوف تدخل إلي التنفيذ مع شهر يوليو القادم ولإسرائيل فيها مبلغ مرصود للمساعدات الاقتصادية والعسكرية يصل إلي 300 مليار دولار، وكان هناك حتى الآن إحجام عن التصريح باعتماد هذا المبلغ وإجازة التصرف فيه، ولكن مع موعد إقرار الميزانية ومع الضغوط المنتظرة فإن المبلغ سوف يوضع تحت تصرف إسرائيل علي أرجح الاحتمالات وقد بدأ التمهيد لذلك بالإشارات المتكررة – وآخرها إشارة ميلفين ليرد وزير الدفاع الأمريكي – إلي ازدياد حجم المساعدات السوفيتية لمصر وأثر هذه المساعدات علي توازن القوي وخرافاتها.
وعلي أية حال فإن فترة “اختبار النوايا” لم تكن وقتاً ضائعاً، وإنما استطاعت هذه الفترة – بصرف النظر عن سلبيات كانت فيها – أن تحقق إيجابيات لها أهميتها القصوى.
أولاً – كانت فترة لزيادة الاستعداد المصري خصوصا مع تكثيف المساعدات العسكرية السوفيتية وهي مساعدات سارت في طريق واضح ابتداء من زيارة جمال عبدالناصر السرية لموسكو في يناير 1970 إلي زيارة بودجورنى الودية للقاهرة في مايو 1971.
ثانياً – كانت فترة لاستكشاف سياسة الولايات المتحدة وتشخيصها بدقة ويمكن أن يقال إن عملية التشخيص أظهرت ما يلي:
إن الولايات المتحدة يهمها أن لا يتجدد القتال في الشرق الأوسط لأن ذلك قد يؤدي إلي مخاطر في التصاعد بين القوتين الأعظم.
إن الولايات المتحدة لا تريد أو لا تستطيع أن تمارس ضغطاً فعالاً علي إسرائيل بسبب التأثير الصهيوني المتغلغل في الولايات المتحدة وبسبب الاستقلال النسبي في موقف إسرائيل بعد انتصار يونيو 1967 وهو انتصار حولها من دور التابع المطيع إلي دور الشريك حتى وإن كان صغيراً.
إن الولايات المتحدة لا تنوي وقف مساعدتها لإسرائيل بطريقة واضحة وذلك تحت دعاوي الحفاظ علي موازين القوي تارة أو التخوف من التواجد السوفيتي في المنطقة تارة أخرى.
وبالتالي فإن قصارى ما تستطيع الولايات المتحدة أن تصل إليه هو أن تطرح علي مصر وإسرائيل تسوية مؤقتة – يعلم الله وحده إلي متى توقيتها – وهي في أحسن أحوالها لا تزيد عن اتفاقية هدنة جديدة، مع وجود خطوط الهدنة هذه المرة في وسط سيناء.
ثالثاً – كانت فترة لزيادة تركيز التأييد الدولي لموقف مصر خصوصاً في أوروبا الغربية ويتمثل هذا التأييد أكثر ما يتمثل في القرار الذي صدر في الشهر الماضي من مجموعة دول السوق الأوروبية المشتركة وهو قرار بذلت كل المحاولات المعقولة وغير المعقولة لإبقائه سراً، ولكن اتجاهه العام لم يعد سراً.
وقصته أن إسرائيل تقدمت إلي دول السوق تطلب اعتبارها عضواً منتسباً فيها وأصدرت دول السوق الأوروبية المشتركة قرارها بأن “طلب إسرائيل لا يمكن وضعه موضع الاعتبار إلا بعد قيامها بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967 والذي يقضي بانسحابها من الأراضي التي احتلتها في يونيو من تلك السنة”.
– وهناك رابعاً – سبب إيجابي آخر تفوق أهميته كل ما عداه من الأسباب وذلك السبب هو أن فترة “اختبار النوايا” ثم نهاية هذه الفترة، تعطينا فرصة جديدة لإعادة توجيه الصراع بيننا وبين الولايات المتحدة.
وكنت دائماً – ولا زلت – أقول أنه ليست هناك حرب مسلحة بيننا وبين الولايات المتحدة. ولا يجب أن نسمح لها أن تتحول إلي ذلك.
وكنت دائماً – ولازلت – أقول أن هناك صراعاً سياسياً عنيفاً بيننا وبين الولايات المتحدة ولقد كانت لي اعتراضات علي أسلوبنا في ممارسة هذا الصراع وإدارته.
ولعل المرحلة المتغيرة التي تدخل إليها أزمة الشرق الأوسط بعد تجربة فترة “اختبار النوايا” أن تكون مناسبة لإعادة توجيه أسلوب الصراع مع الولايات المتحدة.
ليس بالحرب المسلحة ضدها. لأننا لا نستطيع.
وليس بالكلمات وحدها. لأن الكلمات عاجزة.
وليس بقطع الحوار معها لأن الخصام ليس سلاحاً معترفاً به في العلاقات الدولية وهو حصار لأصحابه قبل أن يكون حصاراً لمن يوجه إليه خصوصاً إذا كان أحد اثنين يقوم عليهما النظام العالمي المعاصر كله وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
ليس بهذا كله.
ولكن بأسلوب مختلف، يمسك بالممكنات ويصنع منها ما يشبه المعجزات!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=772