بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: (3) البحث عن نهاية [الفصل الثانى. الضغط أول مراحل القوة]

(3) البحث عن نهاية [الفصل الثانى. الضغط أول مراحل القوة]
نهاية التحالف مع الدول الكبرى
دراسة فى الوثائق السرية لحلف بغداد
ولم تأت “الغواية” مع القومية العربية بفائدة.
لقد نزل الستار فى الفصل الأول من مسرحية معركة الغرب ضد القومية العربية دون أن يبدو أن الغواية حققت أى أمل من الآمال المعلقة عليها.
لقد استمرت الغواية عامين، بالكلام الحلو. بالأمانى والوعود. ببيع الأوهام. بزرع ألغام الشكوك والمخاوف، على ما رويت أول أمس. استمر هذا كله من أغسطس 1952 إلى قرب نهاية سنة 1954.
وماذا يصنع الغرب إذن وقد فشلت محاولة الغواية ولم تنجح؟
هل يسكت؟
لا!
إذن ماذا يصنع، وكيف تكون المرحلة التالية؟ هنا يرتفع الستار عن الفصل الثانى.
الأهداف هى نفس الأهداف، وإنما الوسائل هى التى تغيرت.
إن وضع مصر فى منطقة الشرق العربى، ووضع المنطقة نفسها على خريطة العالم ليس مما يمكن إسقاط حسابه أو نسيانه والتغافل عنه.
والأساس الذى تقوم عليه إستراتيجية الغرب كلها، سواء بسبب مركز الشرق الأوسط الجغرافى، أو بسبب منابع البترول فيه، يجعل للمنطقة وضعاً حساساً وأكثر من ذلك يجعل مصر – وهى مفتاح هذا الشرق وكلمة سره – فى وضع أشد حساسية وأخطر أثراً.
إذن.
إذا كانت مصر لم تقبل بالرضا – مشروعات الغرب العسكرية وخططه – فليفرض عليها القبول من غير رضا.
وإذا كانت الغواية لم تنجح فى إقناع مصر بالطاعة.
فلابد من شىء يرغمها على الطاعة ولو من غير إقناع.
بدأ الإرغام إذن يحتل مكان الإقناع.
دخل الوعيد فى أعقاب الوعد.
كانت “الغواية” هى طابع الفصل الأول.
وأصبحت “القوة” طابع الفصل الثانى، ولكن القوة – كما قلت – لا تنفجر مرة واحدة، بل تجىء على مراحل وتزداد عنفاً كلما ازدادت المقاومة أمامها صلابة!
ولقد كان هذا التطور طبيعياً كطبيعة الحياة نفسها، كطبيعة العلاقات بين الأحياء، والعلاقات بين الدول كالعلاقات بين الأفراد، لسبب بديهى هو أن وراء الحوادث بشراً، صحيح أن وراء الحوادث أيضاً تيارات ضخمة ورواسب عميقة الأغوار، ولكن حتى هذه التيارات والرواسب شارك فى صنعها بشر، ذلك أن الإنسان هو صانع التاريخ.
بدأت محاولة القوة إذن. وبدأت على مراحل.
وكما يحدث فى العلاقات بين الأفراد – ولسوف أصر دائماً على أننا سنجد فى العلاقات العادية ما بين البشر تفسيراً حقيقياً وأصيلاً وبسيطاً فى الوقت ذاته للعلاقات التى تبدو غير عادية، ومعقدة، ما بين الدول – كما يحدث بين الأفراد، كان الضغط هو المرحلة الأولى من محاولة القوة.
فى تلك المرحلة – مع بداية سنة 1955 – بدأ الغرب يهمل مصر ليجعلها تشعر بأن عنادها – لن يجنى فى نهاية الأمر على غيرها.
ثم بعد الإهمال بدأ الغرب يظهر علناً أنه انصرف عن مصر إلى غيرها!
إذن فالخطة هى:
إهمال متعمد لكسر العناد والكبرياء، ثم هى انصراف إلى محاولة أخرى تجعل نار المنافسة أو نار الغيرة تأكل قلب مصر.
هكذا قدر الغرب وتصور لما اتجه فجأة إلى الأسرة الهاشمية فى بغداد يهمس إليها بسره والنجوى، ويقص عليها أحلامه فى الأحلاف العسكرية، ويجد منها الاستجابة، والمسارعة إلى القبول.
وكان تقدير الغرب وتصوره، أن مصر بعد أن تجد العيون قد اتجهت إلى بغداد والاهتمام تحول إليها، سوف تشعر أن كل شىء سيفوتها فتجرى لتلحق بالركب قبل أن يرتحل ويسير فيكون الغرب قد صاد عصفوره الجديد، وكذلك صاد عصفوره القديم الذى حاول أن يطير منه ويهرب!
هنا فجأة، بعد صمت – أو إهمال – دام ثلاثة شهور أعلن ميلاد حلف بغداد.
كان آخر عرض قدم لمصر لتنضم إلى حلف عسكرى غربى، فى سبتمبر سنة 1954 أثناء توقيع اتفاقية الجلاء، وفى نفس اليوم اعتذرت مصر.
ووجهة نظرها، أن الأحلاف العسكرية نظام عتيق فى الدفاع، وأن الدفاع الحقيقى لأى شعب من الشعوب الصغيرة هو فى سلامة جبهته الداخلية وذلك يتطلب أولاً وقبل كل شىء – إيمان جميع أبنائه بأنهم وحدهم مصدر السلطان فى تقرير مصيرهم، وإذن فإن الدفاع عن الشرق الأوسط يجب:
1- أن ينبثق من المنطقة.
2- أن يرتكز على شعوب المنطقة.
3- أن لا يوجه ضد أحد بالذات، وإنما يوجه ضد معنى بالذات.
أى لا يوجه ضد كتلة معينة وإنما يوجه ضد العدوان مهما كان مصدره.
أى لا يكون المقصود به هو الدفاع عن الشرق الأوسط ضد عدوان روسى محتمل، وإنما أن يكون قصده هو الدفاع عن الشرق الأوسط ضد كل عدوان، مهما كان شكله، مهما كان لونه، مهما كان العلم الذى يرفعه.
ولم يقابل اعتذار مصر يومها بكثير من النقاش والجدل.
وإنما لفَّ الموقف بعده صمت طويل. صمت استغرق كما قلت ثلاثة شهور.
وفجأة فى ديسمبر 1954 طار عدنان مندريس إلى بغداد وأعلن مع نورى السعيد – يرحمه الله ويغفر له – توقيع حلف بغداد، والعجيب أن القاهرة كانت قد فسرت صمت الشهور الثلاثة على افتراض من حسن النية، وكان الافتراض يومها هو أن الغرب فهم، وأن إلحاحه الذى توقف يحمل بشائر هذا الفهم.
ومن هنا كان توقيع الحلف صدمة للقاهرة، صدمة لتصورها لموقف الغرب، وليس صدمة لأى شىء آخر.
ولم يكن فى القاهرة سفير أمريكى وقتها فقد كان “جيفرسون كافرى” السفير السابق قد أحيل إلى المعاش وسافر إلى روما، وكان “هنرى بايرود” السفير الجديد لم يصل بعد إلى القاهرة.
وسئلت السفارة الأمريكية، وبالبرود والفتور قالت السفارة الأمريكية:
هذه مسألة تخص بغداد وأنقرة وحدهما!
ثم كان الاستطراد:
– والولايات المتحدة لا شأن لها بهذه الخطوة – لأنها لا تدس أنفها فى شئون الآخرين! – وإن كانت نظرتنا إلى خطوة الحلف فى حد ذاتها نظرة التبريك والعطف.
ثم قيل للسفير المصرى فى واشنطن بعد ذلك:
– ما الذى يغضبكم من أمر هذا الحلف. لقد كانت أمامكم الفرصة لتبدءوا ولكنكم ترددتم، ولقد جاء الباشا الذكى – نورى باشا – إلى الملعب فوجد الكرة على الأرض لا يلعب بها أحد، فنزل إلى الملعب و”شاط” وأصاب الهدف.
وأمركم عجب أيها المصريون، لا تعملون ولا تريدون لغيركم أن يعمل.
لا تلعبون فإذا لعب بالكرة غيركم أبديتم السخط والغضب!
وسكتت القاهرة لم تقل شيئاً. وكان الأمر فى رأيها يهون حتى هذا الحد فلقد كانت على اقتناع كامل بموقفها.
إنها لم تكن تريد أن تعمل فى إنشاء هذا الحلف، ولم يكن يضيرها أن يعمل غيرها إذا كان مقتنعاً بما يعمل.
لم تشعر القاهرة بأن الإهمال ضايقها.
ولا شعرت بأن الاستعاضة بالأسرة الهاشمية فى بغداد أثارت غيرتها.
وإنما كان شعورها هو أن هزت كتفيها وقالت:
– حسناً. إذا كان نورى السعيد يظن أنه يخدم بلاده بهذه الطريقة فهو حر وشعب العراق وحده هو الذى يملك الكلمة الأخيرة فى هذه الحرية للباشا الذكى.
وهكذا قابلت القاهرة بمزيد من عدم الاهتمام – نبأ إعلان حلف بغداد – واستمر ذلك الشعور، ثلاثة أيام أو أربعة.
ثم حدث تطور جديد.
إن الذين وجدوا أن إهمالهم للقاهرة، لم يقابله من القاهرة إلا إهمال مماثل. سارعوا إلى الخطوة التالية:
“توجيه الدعوة إلى باقى الدول العربية، بما فيها مصر، للانضمام إلى حلف بغداد”.
هنا أصبح الأمر خطيراً.
لقد تجاوز الضغط مرحلة “الإهمال” ووصل الأمر إلى مرحلة “الإكراه”.
لماذا؟
لأن مصر معزولة جغرافياً – من الناحية البرية – عن باقى دول المشرق العربى بوجود إسرائيل.
ولابد أن تحل مشكلة وجود إسرائيل قبل أى تنظيم دفاعى تشترك فيه الدول العربية كلها.
فإذا فرض تنظيم دفاعى عن المنطقة مع وجود إسرائيل فى قلبها ونظرة الدول العربية إلى هذا الوجود ما هى عليه، لأصبح الأمر مهزلة ليس بعدها مهزلة.
فإذا ما رفضت مصر قبول هذه المهزلة – وما كان أمامها إلا أن ترفضها – فكيف تصبح صورة الموقف بعد هذا الرفض.
لو استجابت باقى الدول العربية – سوريا والأردن والسعودية ولبنان – إلى الدعوة الموجهة إليها للانضمام إلى حلف بغداد الموجه بدوره ضد روسيا وحدها لكان معنى ذلك أن الدول العربية كلها ستتجه باهتمامها، وبقوتها، وبتعبئتها الروحية والمادية إلى خطر لم يتحقق بعد قادم من الشمال وتتغافل عن خطر تحقق وتحقق – هو خطر إسرائيل – رابض قابع فى قلبها.
وسيكون على مصر وحدها أن تتحمل الأعباء التى يفرضها وجود إسرائيل.
هو ضغط إذن وصل إلى حد الإكراه.
إكراه لمصر على عزلة جغرافية ومعنوية ومادية وعسكرية.
وإكراه لها من ناحية أخرى بتهديدها بوجود إسرائيل أمامها آمنة مطمئنة على باقى جبهاتها مع الدول العربية، متفرغة طوال أربع وعشرين ساعة كل يوم لمواجهة الجبهة المصرية.
مضافاً إلى هذا كله عرقلة جهدها لتسليح جيشها!
هنا لم يكن مفر أمام مصر من أن تخرج علناً لمقاومة حلف بغداد، تنبه وتشرح وتحذر من أخطاره على العرب.
وحاول نورى السعيد يومها – وحاول الذين أرادوا أو أريد لهم أن يقتنعوا بوجهة نظره وبينهم كميل شمعون وسامى الصلح إلى آخره – أن يدافعوا عن الحلف فى وجه مقاومة مصر له.
وقال نورى السعيد وقتها. قال فى الأحاديث وفى الإذاعات، وفى المقابلات، وسمعته بنفسى أكثر من مرة يقولها:
إن حلف بغداد:
1- هو الوسيلة الوحيدة للحصول على سلاح من الغرب، ولن يعطينا الغرب سلاحاً إلا إذا سايرناه، ولن نجد غير الغرب يعطينا السلاح.
2- إذا سايرنا الغرب فإن الغرب يتخلى عن إسرائيل ويحتضن أمانى العرب.
3- إذا ضممنا دولاً جديدة إلينا فسوف نستطيع أن نوجه هذه الدول – بحكم ارتباطهم معنا – إلى عداء إسرائيل وإلى محاربتها معنا، وأول هذه الدول الباكستان وبعدها تركيا.
ومرة فى سفارة العراق فى القاهرة، وأمام السيد نجيب الراوى سفيرها فى ذلك الوقت فى القاهرة قال لى نورى باشا:
– إن الباكستان فيها 80 مليون مسلم، وهم محاربون من الطراز الأول، وتاريخهم فى حروب الإمبراطورية البريطانية معروف، فهل تكرهون أن تجدوا جيش الباكستان يشترك معكم فى الزحف على إسرائيل.
ولم تقتنع القاهرة يومها بهذا كله وشرحت رأيها صراحة فيه وأثبتت الأيام صحة رأى القاهرة.
كان ملخص رأى القاهرة، أن الغرب لن يعطينا السلاح، ولن يتخلى عن إسرائيل، ولن يسمح لنا بأن تكون فينا قوة ذاتية.
إنه سوف يستعملنا مطايا للوصول إلى غاياته ولن يكون لنا – إذا ما سايرنا وفرطنا الآن – أى دور آخر.
وكأن القاهرة كانت يومها تنطق بلسان الغيب.
إن نظرة واحدة إلى الصورة الداخلية لحلف بغداد، على ضوء الوثائق التى أمكن الحصول عليها حتى الآن، تقدم درساً رائعاً للدول الصغرى.
تقدم لها عبرة قاسية فى كيف يمكن أن تُستغل الدول الصغرى، وتُستعمل، فى خدمة الاستعمار، إذا هى حادت عن الطريق، وانحرفت عن الصراط.
على ضوء هذه الوثائق ماذا أفاد العراق من حلف بغداد؟
كان نورى باشا يقول:
– سوف نستطيع بمسايرتنا للغرب أن ندفع قضايا العرب إلى الأمام ونخدم شقيقاتنا من الدول العربية!
فهل تمكن نورى باشا – أو مُكِّنَ – من أن يفعل هذا؟
العكس صحيح:
وبين وثائق حلف بغداد السرية خطاب من وزارة الخارجية البريطانية موجه إلى نورى باشا تاريخه 7 نوفمبر 1956 يوم وقف القتال فى بورسعيد، ونص الخطاب بالحرف الواحد:
السفارة البريطانية.
بغداد.
عزيزى رئيس الوزراء.
لا شك أن الحكومة العراقية قد علمت بالتصريحات التى أدلى بها يوم أمس رئيس الوزارة البريطانية، المتضمنة إيقاف النار بشروط فى قنال السويس بعد منتصف الليل حسب توقيت جرينتش.
وإن حكومتى كانت ترغب إعلام الحكومة العراقية بهذا القرار مقدماً ولكن الظروف التى تمت فيها هذه الخطوة والسرعة التى لازمتها لم تجعل ذلك ممكناً فى وقته.
وأنا واثق من تقديركم للمسألة وتقبلوا فائق التحية.
إمضاء.
مايكل رايت.
السفير البريطانى ببغداد.
وهنا عبارة هامة لابد من إطالة الوقوف عندها وهى عبارة: “إن حكومتى كانت ترغب إعلام الحكومة العراقية بهذا القرار مقدماً” ونصها الأصلى فى الخطاب الإنجليزى الرسمى هو:
(My government would have liked to have been able to give the Iraqi government advance notice of this decision).
ما الذى تدل عليه هذه العبارة؟
تدل على شىء واحد هو أن التنسيق كان كاملاً بين الوزارة البريطانية وبين الوزارة العراقية وقتها.
ومادام حق الحكومة العراقية واضحاً بهذا الشكل فى العلم بقرار وقف إطلاق النار قبل حدوثه، فمما لا يقبل الجدل على هذا الأساس هو أن حقها فى العلم بالقرار الذى سبقه – قرار البدء بإطلاق النار- كان واضحاً أيضاً وتم تنفيذه فى الوقت المناسب أى قبل حدوثه، أى أن الحكومة العراقية أخطرت مقدماً ورسمياً بقرار العدوان على مصر قبل حدوثه.
ثم بعد العدوان.
هل اكتفت حكومة العراق بهذا الحد “فى دفع قضايا العرب إلى الأمام وخدمة الشقيقات من الدول العربية”؟!
أبداً.
فى اجتماعات حلف بغداد فى طهران أيام 6 و7 و8 نوفمبر سنة 1956 تروى المحاضر السرية لحلف بغداد، أن هذه الاجتماعات التى دارت فى أعقاب العدوان على مصر، بحثت المسائل التالية وأنا أنقل بالحرف الواحد عن مذكرات الحلف السرية:
1- أن الهدف من هذا الاجتماع الحالى، هو إنقاذ سمعة الحلف، وسمعة بريطانيا العضو فيه، بعد الحال الذى وصلت إليه سمعتها – الحلف – وسمعتها – بريطانيا – وذلك بتهيئة الأسباب المناسبة لتراجعها وانسحابها من قناة السويس مع المحافظة على هيبتها فى المنطقة وبالتالى على الحلف الذى يستند إليها.
2- ناقش المؤتمر فكرة تخلف بريطانيا لفترة مؤقتة عن حضور جلسات الحلف وذلك تهدئة لشعور الرأى العام الذى أصبح يظن أن الحلف عدوانى وليس حلفاً دفاعياً.
(وكان صاحب هذا الاقتراح فى المناقشات هو الشاه محمد رضا بهلوى – إمبراطور إيران – ولم يكن حكومة العراق العربية!).
3- طلب المؤتمر – وحكومة العراق العربية صاحبة الاقتراح – أن تنضم أمريكا بسرعة إلى الحلف باعتبار أن ذلك هو الطريق الوحيد لتدعيمه.
4- وضع الحلف تحديداً لأعدائه حتى تتضح جبهة الدفاع عنه، وتحدد أعداء الحلف بأنهم: مصر والاتحاد السوفيتى.
5- سجل المؤتمرون أسفهم الشديد لعدم سقوط الرئيس جمال عبدالناصر بعد العدوان، ولكنهم بعد أن تباحثوا فى الأمر وجدوا أن ما حدث سوف يحد من نفوذه ومركزه فى المنطقة على أى حال!
هل اكتفت حكومة العراق بهذا الحد “فى دفع قضايا العرب إلى الأمام وخدمة الشقيقات من الدول العربية؟”.
أبداً.
راحت بعد ذلك كله تتزعم عملية عزل مصر.
وفى وثائق وزارة الخارجية العراقية وثيقة بتوقيع وزير الخارجية العراقية تاريخها 5 يناير سنة 1957 وهى عبارة عن “directive” أى توجيه سياسى، ونص الوثيقة كما يلى:
“الدعاية التى نطلبها من إخواننا الأتراك والإيرانيين والباكستانيين هى دعاية للقضايا العربية بالدرجة الأولى وليست ضد عبدالناصر.
أما عبدالناصر فنحن – العراق – نتولى أمره.
إن عزل عبدالناصر يتم بإنشاء كتلة فى المغرب وكتلة من العراق ولبنان والسعودية وربطها بطريقة ما مع ميثاق بغداد وهذا أمر يتوقف على جهودنا بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية.
كذلك يستطيع إخواننا الأتراك المساعدة على تكوين الكتلة المغربية عن طريق التأثير على ليبيا أما مراكش وتونس فنحن نستطيع التأثير عليها.
توقيع.
الوزير.
ثم وثيقة أخرى تكمل هذه الوثيقة وتؤكد معناها.
إن سياسة عزل عبدالناصر تبدأ خطواتها العملية.
برقية سرية من السفارة الملكية العراقية بواشنطن بتاريخ 14 يناير 1957 وقت زيارة الملك سعود لأمريكا، ونص البرقية بالحرف الواحد:
“خارجية بغداد”
لقد اجتمع سفراء ميثاق بغداد المسلمون – يرتأون – فائدة لمقابلة خاصة للملك سعود فى سبيل إزالة أى سوء تفاهم بين الحكومات الإسلامية فى الميثاق وبين الحكومة السعودية مع ترغيب الملك فى تأييد ميثاق بغداد والانضمام إليه – أبرق السفراء إلى حكوماتهم للحصول على موافقة للقيام بهذه المقابلة والتعليمات اللازمة.
توقيع: السفير.
ثم تأشيرة على هذه البرقية نصها بالحرف:
“يقترح معالى الوزير بحث هذا الأمر فى أنقرة”.
طيب!. إذا كان العراق عن طريق الاشتراك فى حلف بغداد، لم يستطع أن يدفع قضايا العرب إلى الأمام ولم يستطع أن يخدم الشقيقات من الدول العربية فهل استطاع عن هذا الطريق – طريق حلف بغداد – أن يدفع قضاياه هو – أى العراق – ويخدم نفسه؟!
هل حصل على سلاح من الغرب يقوى به جيشه؟
من أسباب ثورة العراق فجر يوم 14 يوليو أن ذلك لم يحدث.
وحين قامت ثورة العراق – مثلاً – كانت كل أسلحة جيش العراق من غير ذخائر.
باع الإنجليز للعراق بعض الوحدات المدرعة من دبابات سنتوريون.
ولكن أين ذخيرة هذه المدرعات؟
الجواب: الذخيرة فى المخازن وليست مع الجيش!
وأين المخازن؟ المخازن فى قبرص وليست فى العراق!
هكذا. الصندوق فى العراق، والمفتاح فى قبرص.
هكذا فإن الدبابات فى حوزة الجيش العراقى لا تستطيع أن تتحرك أو تعمل إلا بإذن الإنجليز وبرضاهم، ولأغراض يوافقون عليها ويباركونها لدرجة أنهم ينقلون من أجلها الذخائر من مخازنها فى قبرص لتوضع فى مدافعها فى العراق!
ولقد لعب القدر هنا لعبة كبرى.
فإن قاعدة قناة السويس التى استولت عليها مصر بعد العدوان كانت ملئى بالذخائر البريطانية، وكانت بريطانيا تعزى نفسها بعد فقد القاعدة وذخائرها بأن مصر قد لا تستطيع – ومعظم سلاحها الآن من أنواع روسية – أن تستفيد فائدة كاملة من استيلائها على مغانم القاعدة.
هكذا كان هناك قبل الثورة فى العراق موقف غريب.
فى العراق دبابات بريطانية من غير ذخائر بريطانية.
وفى مصر ذخائر بريطانية من غير حد وعدد محدود من الدبابات البريطانية.
كان نصف التفاحة فى قاعدة السويس على ضفاف القناة.
وكان نصف التفاحة الآخر فى قاعدة الحبانية بالقرب من ضفاف دجلة.
وفى الاجتماعات الأولى للتنسيق العسكرى، بين جمهورية العراق وبين الجمهورية العربية المتحدة تكشَّف الأمر.
وقيل للضباط العراقيين فى الاجتماع:
– بسيطة. عندنا من هذه الذخائر أكداس.
وفى الأيام الأولى بعد ثورة العراق، وبينما جنود البحرية الأمريكيون يقتحمون كالموجات العاتية شواطئ جبل لبنان، وبينما جنود المظلات البريطانيون ينقضون من الجو على عمان، وبينما الأسطول الأمريكى كالحوت المجنون يخبط فى البحر الأبيض على غير هدى. بينما هذا كله يحدث كانت الذخائر البريطانية تنقل إلى العراق بكميات هائلة.
كان القدر يصحح الجريمة التى صنعتها بريطانيا.
كان نصف التفاحة فى السويس ينضم إلى نصف التفاحة فى الحبانية!
وإذا كان ذلك حال القوات المدرعة فى العراق قبل الثورة، فلقد كان فى الواقع حال جميع الأسلحة.
لم يكن فى العراق مثلاً – عضو حلف بغداد العسكرى – جهاز واحد للرادار يحميه من أى غارة جوية.
كذلك كان عدد المقاتلات الصالحة للعمل فى حوزة سلاح الجو العراقى لا يزيد عن خمس مقاتلات!
ولقد كان هذا هو السبب، فى أن حكومة الثورة فى العراق طلبت أسراباً من الطائرات، من شقيقتها الجمهورية العربية المتحدة ترابط فى مطارات العراق وتشارك مع جيشه العظيم فى صد أى عدوان يوجه إليه قبل أن يفرغ من إنشاء جيشه الوطنى الذى لم يكن أمامه مفر من أن يبدأ فوراً فى عملية إنشائه.
وكان هذا أيضاً هو السبب فى أن السرب الأول منها لما طار إلى العراق حمل معه مجموعة كاملة من أجهزة الرادار للمشاركة فى حماية الجو العراقى.
ولقد كانت حكومة الثورة فى العراق، هى التى أعلنت وصول الطائرات العربية إليها، وكان لذلك حكمة، فإن حكومة الثورة فى العراق أرادت للذين يعرفون حقيقة الموقف العسكرى فى العراق، كما تركوه، بل كما صنعوه، قبل الثورة أن يعرفوا أن الظروف تغيرت.
كان هذا هو سر الإعلان!
ولكن ماذا إذن كان العراق قبل الثورة يفعل فى اجتماعات اللجان العسكرية لحلف بغداد.
من سخريات القدر – بل من مآسيه – أن حكومة العراق فى ذلك الوقت هربت من الأمر الواقع فى جيشها إلى الخيال بعيداً، بعيداً فى الآفاق لا تطال!
فى ذلك الوقت كانت حكومة العراق قبل الثورة منهكة، مشغولة لشوشة رأسها، تشارك مع الضباط الإنجليز والأمريكيين والأتراك فى عد القواعد الروسية التى يمكن قصفها – أى ضربها – بالقنابل الذرية عند قيام الحرب؟!
أى القواعد تستحق قنابل ذرية وأيها لا يستحق.
واشترك عراقيون من ممثلى حكومة نورى السعيد، فى اجتماعات اللجان العسكرية لحلف بغداد فى مناقشات مذهلة.
“أيهما أصلح للضرب الذرى “بوفورسيك” الميناء الروسى على البحر الأسود أو “توبسى” ميناء آخر على نفس البحر الأسود”؟!
وكانت حكومة العراق فى ذلك الوقت تنسى أن ذلك كان يجعل الحكومة الروسية، بل يفرض عليها فى ذلك الوقت أن تسأل نفسها ذات السؤال وإنما بالعكس فتبحث:
“أى القواعد فى العراق يستحق القصف الذرى وأيها لا يستحق”.
وأيهما الأولى بالقنبلة الذرية على العراق: البصرة أو بغداد؟!
أليس ذلك طبيعياً؟!
طيب!. لم يستطع العراق باشتراكه فى حلف بغداد أن يدفع قضايا العرب إلى الأمام وأن يخدم شقيقاته من الدول العربية بمسايرته للغرب.
ولم يستطع باشتراكه فى حلف بغداد أن يقوى جيشه.
فهل استفاد العراق من ذلك اقتصادياً؟
أبداً والعكس صحيح.
استغلت موارد العراق لخدمة أغراض الحلف.
17 مليون جنيه اختفت كفائض من ميزانية العراق ولا أحد يعرف حتى الآن ما هو مصيرها، وأغلب الظن أنها صرفت على المؤامرات فى سوريا وعلى الاغتيالات فى لبنان، وعلى المحطات السرية التى تعوى فى آفاق الشرق العربى.
حتى مشروعات مجلس الإعمار من دخل البترول أصبحت نهباً مستباحاً للشركات البريطانية والأمريكية تَعُبُّ من اعتماداتها دون حسيب ولا رقيب لدرجة أن حكومة الثورة فى العراق أوقفت كل المشروعات لكى تعيد بحثها وما كان أمامها مفر غير ذلك.
حتى مشروع المواصلات اللاسلكية بين دول الحلف، وهو المشروع الذى أعلن دالاس بعد اجتماع الحلف الذى حضره فى أنقرة فى مثل هذه الأيام من العام الماضى تبرع أمريكا له بأربعة ملايين من الدولارات. حتى هذا المشروع وضع على أساس أن تكون بريطانيا هى قاعدة الاتصال الرئيسى فيه.
أى أن لندن وحدها هى القاعدة.
خط بين بغداد ولندن، وبين كراتشى ولندن وبين أنقرة ولندن وبين طهران ولندن.
أى أن بغداد جارة طهران لا تتصل بها إلا عن طريق لندن.
وأنه على أنقرة لكى تتصل بكراتشى أن تلف من الشمال حول الأرض.
طيب!. هل استفادت قضية فلسطين، شغل العرب الشاغل وهمهم الأول، من انضمام العراق إلى حلف بغداد؟
هل عطف الغرب على حق العرب وقلل من عطفه على باطل إسرائيل.
هل حاربت معنا جيوش الباكستان. وتركيا؟!
أبداً.
فى محاضر حلف بغداد السرية، اجتماع عقد فى أنقرة هذا العام نفسه. عام 1958 وبالتحديد يوم 21 يناير 1958.
فى هذا الاجتماع تقول المحاضر السرية:
“أشار مندوب العراق إلى الإحراج الذى تلاقيه حكومته بسبب المساعدات الاقتصادية والعسكرية التى تتلقاها إسرائيل من دولتين عضوين فى اللجنة العسكرية لحلف بغداد مع العراق، وهما بريطانيا العظمى! – والولايات المتحدة الأمريكية.
وقال مندوب العراق:
– إننى أريد أن ألفت أنظار لجنتكم المحترمة إلى أن مصر تستغل هذا الوضع فى إثارة الشعور ضد حكومتى.
وقال مندوب الباكستان:
– “وأنا أحب أن ألفت أنظار لجنتكم الموقرة إلى أن روسيا تستغل هذا الوضع فى إثارة شعور المسلمين!”.
ولكن ماذا كان رد الفعل؟
نقلا عن المحاضر السرية لهذا الاجتماع من حلف بغداد. حدث ما يلى:
“قال المندوب الأمريكى فى اللجنة لمندوب العراق:
– أرجو أن يعلم العضو المحترم ممثل العراق، أن اجتماعات الحلف ليست مخصصة للكلام فى موضوع إسرائيل وأنها مخصصة فقط – وأنا أضغط على كلمة فقط – لأغراض الحلف.
إننا لا نريد أن يضيع وقتنا فيما لا فائدة فيه ولا جدوى من مناقشته!”.
ماذا كان رد مندوب حكومة نورى السعيد؟
لا شىء.
سكوت!
إن المحاضر السرية لم تسجل أنه قال شيئاً، ولربما إنصافاً للرجل، كان وجهه قد احمرَّ خجلاً ولكن المحاضر لا تسجل المشاعر وإنما تسجل الكلمات فقط!
وكانت القاهرة – كما قلت – كمن ينطق بلسان الغيب، وهى ترفض حلف بغداد لنفسها وتقاومه فى المنطقة كلها.
لقد كان ما جرى بعد ذلك داخل الحلف نفسه، فى ذلك الوقت، من مخبآت القدر.
ولكن النظرة الوطنية المجردة كانت حَرِيَّة فى ذلك الوقت أن تنفذ بالبصيرة إذا ما عز النفاذ بالبصر لكى ترى ما كان مقدراً أن يحدث!
ولكن هل يسكت الغرب على هذه المقاومة من القاهرة لحلف بغداد.
لقد بدأ الغواية لكى يستطيع أن يستغل القاهرة فى أغراضه.
ولم تنفع الغواية.
واتجه إلى القوة. إلى أول مراحل القوة. إلى الضغط والإكراه.
ولم تنجح هذه المراحل من الاتجاه إلى القوة، لا نجح الضغط ولا نجح الإكراه.
إذن خطوة جديدة.
“التهديد”.
فجأة فى غليان المناقشات حول حلف بغداد وقعت غارة غزة يوم 28 فبراير 1955.
إذن فمصر تعزل عن باقى العرب لتواجه وحدها خطر إسرائيل.
وإذن فإسرائيل تحصل على السلاح ومصر لا تحصل عليه.
وإذن فإن إسرائيل تضرب وهى فى أمان من الانتقام.
وفى اليوم التالى لغارة غزة خطب جمال عبدالناصر فى حفل تخريج فوج جديد من الضباط فى الكلية الحربية وقال:
– إن غارة غزة بالأمس ستكون نقطة تحول فى الشرق الأوسط.
ولقد كان.
ولشد ما تغير اتجاه الحوادث بعد غارة غزة. عما كان عليه قبلها.
لشد ما تغير!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=76