بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: هل تتغير سياسة فرنسا تجاهنا بعد ديجول؟!

هل تتغير سياسة فرنسا تجاهنا بعد ديجول؟!
هناك سؤال يلح على الاهتمام العربي فى الأيام الأخيرة، وهو:
– هل يتغير موقف فرنسا تجاه أزمة الشرق الأوسط، بعد استقالة الجنرال ديجول من رئاسة الجمهورية الفرنسية الخامسة، أو أن هذا الموقف الذى بدأه وسار فيه الجنرال ديجول قد تحول إلى تيار مستقل فى سياسة فرنسا، قادر على الاستمرار وحده حتى بعد اختفاء، أو ابتعاد، صاحبه وصانعه من قمة السلطة فى باريس؟
ولقد كان “الجنرال ديجول” نفسه، يدرك أن هذا السؤال يتردد كثيراً فى التفكير العربي منذ رسم خطه وخط فرنسا بالنسبة لأزمة الشرق الأوسط. ومنذ تبلور هذا الخط واتضح.
لقد تبلور هذا الخط، حتى من قبل معارك يونيو سنة 1967، وتسربت عنه تفاصيل حوار دارت بين “ديجول”، وبين “أبا إيبان” وزير خارجية إسرائيل الذى التقى بالرئيس الفرنسي فى قصر “الإليزيه” فى أواخر شهر مايو سنة 1967، وكانت مقدمات أزمة الشرق الأوسط قد بدأت زحفها على الساحة الدولية.
فى ذلك الوقت عرف أن “ديجول” قال “لإيبان”:
“إنني أحذر من الالتجاء إلى القوة العسكرية، لأنها لا تستطيع حل الموقف المعقد فى الشرق الأوسط، وقد تؤدى إلى مضاعفات خطيرة فيه.
ومهما يكن، فإن فرنسا قد تحدد موقفها بالنسبة لأي صراع مسلح ينشأ فى المنطقة على أساس: من الذى يطلق الرصاصة الأولى فى المعركة؟
سوف تكون فرنسا ضد من يطلق الرصاصة الأولى.
وسوف تكون فرنسا ضد المهاجم ومع المدافع عن نفسه.
وأرجو – يا سيدي الوزير – أن يكون ذلك مفهوماً مقدماً لدى حكومتك”.
ثم اتضح هذا الخط بطريقة لا مجال للشك فيها، فى أواخر العام الماضى، عندما أصدر “ديجول” قراره بحظر تصدير الأسلحة الفرنسية حظراً شاملاً إلى إسرائيل، وكان ذلك فى أعقاب الغارة الإسرائيلية على مطار “بيروت”.
كان “ديجول” خلال تلك الفترة الحافلة كلها يدرك – كما قلت – أن هذا السؤال يتردد كثيراً فى التفكير العربي، ولذلك، فإنه تبرع أكثر من مرة بجواب عليه، وكان أشهرها فى لقاء له مع الرئيس العراقي السابق “عبدالرحمن عارف”، الذي قام بزيارة رسمية لباريس فى شهر فبراير سنة 1968، وفى ذلك اللقاء قال “ديجول” للرئيس العراقي السابق:
“أنتم تسألون أنفسكم كثيراً هل هى سياسة ديجول، أو هى سياسة فرنسا؟”.
وأضاف ديجول:
“ولكن سياسة ديجول – يا عزيزي الرئيس – هى سياسة فرنسا!”.
ولقد سمع عدد من ساسة العرب الذين مروا بباريس فى هذه الفترة، وبينهم الملك حسين، وأمير الكويت، والدكتور محمود فوزى، والسيد محمود رياض، نفس هذا التأكيد على ألسنة عدد من كبار ساسة فرنسا. وبينهم “جورج بومبيدو” أبرز المرشحين الآن لخلافة “ديجول” و”كوف دى مورفيل” آخر رئيس لوزراء “ديجول”، و”ميشيل ديبريه” وزير خارجيته، و”أندريه مالرو” وزير الثقافة العتيد، وصديق الجنرال وصفيه الفكرى.
لكن هذه التطمينات كلها لم تبدد الهواجس الملحة حول هذا السؤال، وذلك طبيعي بالنسبة لمن يعرف شخصية “ديجول”، ودوره، وحجمه فى نظام يجلس فيه هو عالياً ومسيطراً من قصر “الإليزيه” فى باريس.
وحين يقول “ديجول”، كما قال لعبدالرحمن عارف:
“أن سياسة ديجول هى سياسة فرنسا”.
فإن هذا التأكيد – قبل أن يزيل أى هواجس – يثير تساؤلاً:
“هل كان ديجول يعبر عن قوى فرنسا، أو أن فرنسا كانت تعبر عن قوى ديجول؟”.
ومبعث هذا التساؤل وبموجبه أن “الجنرال ديجول” بتكوينه الفريد لا يفرق بين نفسه وبين فرنسا.
كان يتحدث أحياناً عن “فرنسا”، وهو فى الحقيقة يتحدث عن “ديجول”.
وكان أحياناً يتحدث عن “ديجول” وهو يتحدث فى الحقيقة عن “فرنسا”.
أى أن الخط الفاصل بين الفرد – وهو “ديجول” – والوطن – وهو “فرنسا” – لم يكن قط محدداً فى تفكير الجنرال وأقرب تعبير عن تصوره لهذه المسألة “إنه كان يعتبر ديجول تجسيداً لروح فرنسا فى مرحلة هامة من التاريخ”.
ولعل أبسط إشارة إلى هذا القصور أن “الجنرال ديجول” لم يكن يستعمل ضمير المتكلم فى حديثه عن نفسه، وإنما كان يتحدث بضمير الغائب.
والناس حين يتبادلون حواراً مع غيرهم، يتحدثون عن “أنا” و”أنت”، ولكن ديجول حينما كان يتحدث عن نفسه كان يستعمل ضمير الغائب، أى “هو” وحين يشير إلى رأى له فقد كان يقول: “أن الجنرال ديجول يرى بكذا وكذا!”.
ومن الخطأ أن يتصور أحد أن هذا المسلك من ديجول كان نوعاً من “جنون العظمة”، فذلك أبعد الأشياء إلى الحقيقة، والصحيح أن هناك ظروف تاريخية دخلت فى تكوين “الجنرال ديجول”، وجعلت منه فعلاً “تجسيداً فى مرحلة هامة من التاريخ”.
وهذه نقطة لا يختلف عليها أصدقاء “ديجول” أو أعداؤه.
وإنما خلافهم الوحيد فيها هو مدى الفترة التى كان فيها ديجول جسداً حياً لروح فرنسا.
وبينما أصدقاء ديجول يرون أن هذه الفترة ممتدة.
فإن أعداء “ديجول” يرون أن هذه الفترة تقتصر على حياة حركة فرنسا الحرة وقت الحرب العالمية الثانية.
أى أن أصدقاء “ديجول” يرون فيه “رجل هذا الزمان”.
وأما أعداء ديجول، فهم يرون فيه “رجلاً يريد أن يفرض نفسه بعد زمانه”.
ولست أريد أن أستطرد إلى تحليل شخصية “ديجول”، ودوره، وحجمه، لأن الموضوع الذى أستهدفه بهذا الحديث محدد بنقطة معينة، وهى:
“تأثير استقالة ديجول على سياسة فرنسا من أزمة الشرق الأوسط” – لكن نظرة إلى العلاقة الخاصة بين “فرنسا” “وديجول” ضرورية جداً لبحث هذه النقطة المحددة.
ومن الإنصاف فى تحليل شخصية “ديجول”، أن أقول فى البداية، أنه واحد من الناس الذين نستطيع – بغير تجاوز – أن نقول عنهم:
“إنهم لم يكونوا مجرد رجال بصر، وإنما كانوا رجال بصيرة”.
و”رجل البصر”، هو من يرى بعينيه ما هو ماثل أمامه.
و”رجل البصيرة”، هو من يستطيع – باستعداد علمي ووجداني خاص – أن يرى المستقبل، وأن يقدر احتمالاته إلى جانب رؤيته لما هو ماثل أمامه.
والبصيرة ليست رؤى خيال وإلا أصبح رجل البصيرة ضحية للأوهام، وإنما البصيرة قدرة على الرؤية البعيدة المدى، الواصلة إلى ما بعد تخوم الأمر الواقع، وقدرة فى نفس الوقت على التبشير بها. وفتح طريق إليها، وقيادة موكب سائر على هذا الطريق أننا نسلم “لديجول” بالكثير من هذا.
كان كتابه المشهور سنة 1936، وهو كتاب “جيش المستقبل”، تصوراً صحيحاً للحرب العالمية الثانية التى هزمت فرنسا – الجمهورية الثالثة – فى السنة الأولى منها، لكنه لم يستطع إقناع كثيرين به، ولربما جاء الإقناع بعد فوات الأوان، أى بعد أن حارب الجيش الألماني النازى بصوره قريبة كل القرب من بصيرة ديجول.
ثم كان قراره برفض استسلام فرنسا للهزيمة، وهو وقتئذ فى منصب وكيل وزارة الحربية، من أظهر المواقف على صدق بصيرته.
لقد قرر فى ذلك الوقت أن يركب طائرة صغيرة، وأن يذهب إلى لندن ممثلاً لفرنسا التى ترفض الهزيمة والاستسلام للنازى.
ولقد بدا فى أول الأمر أنه لا يمثل شيئاً. لا يمثل أكثر من مجرد ضابط فرنسي برتبة جنرال تمرد على حكومته ولجأ إلى حماية حكومة أجنبية تريد استغلاله فى الدعاية لا أكثر ولا أقل ضد نظام الحكم الذى وقع وحده اتفاقية صلح منفرد مع النازيين الغزاة، والذى يرأسه فى “فيشى” – عاصمة فرنسا المؤقتة فى ذلك الوقت – مارشال فرنسا الذائع الصيت: “بيتان”.
وكان “ديجول” فى تلك اللحظة التاريخية وحده تماماً إلا من حفنة رسائل تأييد وصلته إلى منفاه من جماعات فرنسية متناثرة عبر البحار، صعبت عليها مأساة فرنسا وتعلقت بصوتٍ واحد ارتفع فى ذلك الوقت يقول:
“إذا كانت فرنسا قد سقطت، فإن سقوطها لا يعود إلى عبقريتها، وإنما يعود إلى أن مجموعة من أبنائها لم يحسنوا خدمتها”.
فى ذلك الوقت كاد ديجول يؤمن بشيئين.
الأول “أنه وحده”.
والثانى “أنه يمثل روح فرنسا”.
وتكفلت التجارب بأن تنسج من الشيئين فى مشاعره ومشاعر كثيرين – شيئاً واحداً – ذابت فيه الحدود بين “هو” و”هى”، أى “ديجول” و”فرنسا”.
وتنعكس هذه المشاعر فى مشهد يرويه “ديجول”، فى مذكراته، يقول فيه: أن غارة جوية فاجأته وهو فى أحد شوارع لندن، فى طريقه فى أول لقاء بينه، بوصفه قائد حركة “فرنسا الحرة”، وبين “ونستون تشرشل” رئيس وزراء “بريطانيا” حليفة “فرنسا” السابقة فى الحرب، وقد لجأ إليها ليواصل من على أرضها مقاومة النازى باسم “فرنسا”.
ويقول ديجول إنه كان فى عجلة للوصول فى موعده إلى مقر رئيس الوزراء البريطاني، وفكر فى أن يطلب من سائق سيارته أن يستمر فى طريقه، برغم الغارة الجوية، وبرغم قنابلها المتساقطة.
لكنه حزم رأيه بعد قليل وطلب من قائد السيارة أن يقف بجوار أول مخبأ من الغارات الجوية، وكان سبب ذلك وفق ما قاله فى مذكراته:
“لقد فكرت فيما يمكن أن يحدث، لو أن قنبلة سقطت على السيارة التى كنت أركبها”.
لم يكن “ديجول” وحده فى هذه السيارة. ولكن كان فى هذه السيارة مستقبل “فرنسا”.
واستطاع “ديجول” بهذا الإيمان الراسخ أن يقود دور فرنسا فى المعركة المقدسة ضد العنصرية النازية، بل واستطاع “ديجول”، أكثر من ذلك، أن يقود دور فرنسا فى الصراع الداخلى بين حلفاء الحرب العالمية الثانية فى الغرب أنفسهم وكان الإغراء أمامهم كبيراً فى أن يرثوا فرنسا، وأن يقتسموا تركتها فيما بينهم.
وفى هذا كانت لديجول معارك سياسية ضارية ضد “ونستون تشرشل”، رئيس وزراء بريطانيا، وضد “فرانكلين روزفلت” رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وربما من هذه التجربة ومرارتها – خرج “ديجول” برأيه فى العلاقة الخاصة بين بريطانيا والولايات المتحدة وكانت صيحته الشهيرة:
“هؤلاء الأنجلو ساكسون”. يقولها وهو ينفخ الهواء من بين شفتيه – بطريقة فرنسية أصيلة – وبلهجة تحمل مزيجاً من تعبيرات شتى تتراوح ما بين الشك والازدراء!.
وإذن – على ضوء هذا كله – لو عدنا إلى التساؤل المهم الملح الذي يعترضنا اليوم عن الخط الفاصل بين “ديجول” وبين “فرنسا”، فإن الإجابة تصبح شديدة التعقيد.
ويضاف إلى ذلك اعتبار آخر وهو أن قوة ديجول فرضت على كثيرين مما استعان بهم لإقامة “الديجولية” فى فرنسا، أن ينفذوا سياسات بدت بعيده كل البعد – ولو على السطح – عن قناعتهم الشخصية. وكان “ميشيل ديبريه” أكبر المتعصبين لسياسة “الجزائر فرنسية” هو رئيس وزراء “ديجول” فى اللحظة الحاسمة التى تمكن فيها “ديجول” من حل المشكلة الجزائرية والتسليم للجزائر باستقلالها.
وكان “جورج بومبيدو”، وهو المشهور بأنه رجل بيت “روتشيلد” المالي الكبير، الأمر الذي يجعله مدافعاً مستميتاً عن الرأسمالية الكبيرة، هو رئيس وزراء “ديجول” فى فترة إصلاحات اقتصادية، كان واضحاً أن الرأسمالية الفرنسية الكبيرة ليست راضية عنها، ولو بمجرد السكوت.
ومؤدى ذلك أن يصبح أمامنا بدل التساؤل الواحد الفرعي، بعد السؤال الرئيسي الأول – تساؤلان:
– أين الخط الفاصل بين “فرنسا” وبين “ديجول”؟
ثم:
– حتى فى إطار “الديجولية”:
ما هو الخط الفاصل بين سياسات نفذها رجال “ديجول” – رؤساء وزارات، أو وزراء – تحت ضغطه المباشر أو نتيجة لإقناعهم بهذه السياسات؟!
ولقد يكون مفيداً فى عملية البحث عن إجابات للسؤال الرئيسي، أن نتحرى الأسباب التى حدت بديجول إلى موقفه المتميز فى أزمة الشرق الأوسط فإن هذه الأسباب لا يمكن أن تكون أسباباً عاطفية، وإنما لابد أن تكون وراء موقف ديجول “المتميز” أسباب عملية يراها بالبصر أو بالبصيرة.
ومن متابعة تفكير “ديجول” فى عديد من المناسبات، ومن أحاديثه المتعددة مع كثيرين من الساسة العرب، وما ترويه مصادر متنوعة عن اتصالاته بخصوص أزمة الشرق الأوسط، فإننا نستطيع أن نحدد مجموعة من الاعتبارات رتب عليها “ديجول” موقفه المتميز – أو موقف فرنسا؟ – فى هذه الأزمة.
تلك المجموعة من الأسباب هى كما يلى:
أولاً – أن تفكير “ديجول” فى أزمة الشرق الأوسط له مكانه فى فكرته الأشمل عن السياسة الدولية المعاصرة عامة والإستراتيجية التى يسعى لها ويحاول عن طريق تنفيذها أن يؤثر إلى أكبر حد مستطاع فى تطورات الحوادث.
والقسمات البارزة فى إستراتيجية “ديجول”، يمكن تحديدها على النحو التالى:
1- أن الولايات المتحدة لا تريد أن تقنع بدور الشريك الكبير فى التحالف الغربي، وإنما هى تسعى إلى السيطرة عليه، ووضعه كله تحت نفوذها، وهذا يلغى شخصية أوروبا.
2- أن دعوى الولايات المتحدة الأمريكية بأنها تحمى أوروبا تحت مظلتها الذرية ليست صحيحة، لأن طبيعة الأسلحة النووية وخطرها الشديد تفرض على أى طرف يمتلكها أن لا يفكر فى استعمالها – خصوصاً ضد قوة كبرى – إلا إذا كان وطنه هو معرضاً للضرب بها، أى أن أمريكا لن تستعمل ترسانتها الذرية دفاعاً عن أوروبا، وإنما سوف تعطى الإشارة لهذه الترسانة فى حالة واحدة، وهى أن تكون أمريكا نفسها هى المعرضة للهجوم.
[ومن هنا سعى ديجول لإنشاء قوة نووية فرنسية مستقلة].
3- أن طبيعة الأسلحة النووية تجعل خطر استعمالها مستبعداً، والبديل لذلك أن يحل التفاهم بين القوى الكبرى محل صراع لا تستطيع فيه إلا أن تدمر نفسها تدميراً شاملاً ونهائياً.
[إذن، فإن تفاهم القوتين الأعظم نووياً وهما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية أقرب الاحتمالات المطروحة ولو تحت ضغط الأسلحة النووية].
4- أن العالم لا ينبغي أن يترك القوتين الأعظم تفرضان عليه حربهما إذا تهورتا إليها أو تفرضان عليه سلامهما وسوف يكون فى هذه الحالة – وفق تفكير ديجول – عملية اقتسام لمناطق النفوذ.
[وفى هذا الصدد لم يكن ديجول يكف عن الإشارة إلى مؤتمر “يالتا”، الذى عقد فى القرم، وجلس فيه “فرانكلين روزفلت”، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، و”جوزيف ستالين”، زعيم الاتحاد السوفيتي يرتبان فيما بينهما أوضاع عالم ما بعد الحرب الثانية. بينما “ونستون تشرشل” رئيس وزراء بريطانيا يتفرج، ويحاول بالكثير التقاط بعض الفتات الساقط من المائدة، وبينما “شارل ديجول” نفسه بعيد، لأن الرئيس الأمريكى رفض أن يجعله شريكاً مع الأقوياء واستبعد تماماً دعوته لحضور مؤتمر “يالتا”].
5- يعتقد “ديجول” بأن العالم يمكن أن يتسع للقوتين الأعظم، ولقوى أخرى كبيرة ومجموعات إقليمية متعددة تستطيع أن توازن علاقات القوتين الأعظم فى حالة الوفاق أو حالة الشقاق.
ويتصور أن أوروبا يمكن أن تكون قوة عظمى.
وأوروبا العظمى فى رأيه لا يمكن أن تقودها غير فرنسا.
وهو لا يعتبر بريطانيا طرفاً مقبولاً فى إنشاء أوروبا العظمى لأن بريطانيا بفعل حاجتها الاقتصادية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ونتيجة لمسايرتها السياسة المستمرة لواشنطن – قد قبلت فى الواقع على حد تعبير حرفي “للجنرال ديجول”، على “أن تسلم مفاتيح استقلالها الوطني لأمريكا”.
وفى وقت من الأوقات كان “ديجول” يعتبر أن محور استقرار أوروبا هو الخط ما بين بون – عاصمة ألمانيا الغربية – وباريس، لكن ألمانيا الغربية كما تقول “لم تستطع أن ترتفع إلى مستوى الفرصة المتاحة لها ورضيت بالاستسلام المطلق للسيطرة الأمريكية”.
6- فيما يتعلق بالاتحاد السوفيتي، كان “ديجول” يؤمن بتقارب أوروبا فى الشرق – حتى الأورال – وأوروبا فى الغرب بزعامة باريس وإذا احتاج الأمر إلى ألعاب فى توازن القوى يتأكد بها أمن فرنسا، فإن الشكوك المتبادلة والمترسبة بين ألمانيا الغربية وبين الاتحاد السوفيتي يمكن لها أن تقوم بهذه الألعاب فى توازن القوى.
كما أن التفاهم الأوروبي – السوفيتي، يمكن له من ناحية أخرى أن يوازن التفاهم الأمريكي – السوفيتى.
وفى إطار هذه الإستراتيجية العالمية كانت نظرة “ديجول” إلى أزمة الشرق الأوسط تتلخص فيما يلى:
“أن إسرائيل بإقدامها على شن الحرب فى 5 يونيو سنة 1967، أخلت بالتوازن القائم فى الشرق الأوسط، كما أنها تجاوزت الحدود المقبولة”.
وفيما يتعلق بالتوازن القائم فى الشرق الأوسط، فإن الشرق الأوسط من أخطر مراكز الصراع العالمي وكل من الدولتين الأعظم لا تستطيع أن تبقى بمنأى عنه، ومعنى ذلك احتمالان.
– إما أن تشب حرب نووية بسبب أزمة الشرق الأوسط بين القوتين الأعظم.
– وإما أن تتفق الدولتان الأعظم على حل، وإذن فقد يكون الأمر عودة إلى أسلوب اتفاقية “يالتا”.
وفيما يتعلق بتجاوز إسرائيل للحدود المقبولة، فإن كلمة ديجول لكثيرين ممن قابلوه، أنا أنقلها بغير تعليق، لأني فى مجال عرض تفكيره، ولست فى مجال نقده:
“إننى أفرق بين حق إسرائيل فى البقاء، وبين حقها فى تقرير حدود لها على هواها، وعلى حساب الآخرين بطريقة لا يمكن معها أن يحل الاستقرار فى الشرق الأوسط”.
وأظن أن ديجول أفاض فى تفصيل رأيه فى هذه النقطة وكان تفصيله فيها معتمداً على البصيرة الصادقة وكان ذلك مع جماعة من مؤيدى إسرائيل، وبينهم البارون روتشيلد، رئيس الفرع الفرنسي فى هذه العائلة الأخطبوطية النفوذ:
“إنني ضد توسع إسرائيل، لأن ذلك ضد مصلحة إسرائيل على المدى البعيد.
ونحن نطالب العرب بأن يتقبلوا الحقائق الواقعة بشأن وجود إسرائيل.
ويجب فى نفس الوقت، أن نطالب إسرائيل – ولمصلحتها – بأن تتقبل الحقائق الواقعة بشأن وجود العرب.
إن إسرائيل لا تستطيع مع المستقبل البعيد، أن تفرض على العرب، ويجب أن تقنعهم بقبولها وسطهم ولا يمكن تحقيق ذلك بالتوسع.
وإذا كانت أمريكا تستغل إسرائيل فى خدمة أهدافها، فإن إسرائيل لا ينبغي لها أن ترهن بقاءها كله لخدمة المصالح الأمريكية”.
ثانياً – أن ديجول كان يسعى بالتأكيد وراء وضع خاص لفرنسا فى العالم العربى، وكان لفرنسا وجود مادى فى منطقتين من أهم مناطقه فى عهد الإمبراطورية وهما:
– منطقة الشام [سوريا ولبنان].
– ومنطقة المغرب العربي [تونس والجزائر والمغرب].
وفى وقت من الأوقات كانت هذه البلدان العربية كلها تحت الاستعمار الفرنسي. سواء كان ذلك الاستعمار تحت اسم الحماية أو الانتداب أو الملكية الكاملة، كما كان الحال بالنسبة للجزائر.
ويعتقد “ديجول” أن بريطانيا تآمرت على إخراج فرنسا من المنطقة الأولى [سوريا ولبنان] ويعتقد “ديجول” أن الولايات المتحدة الأمريكية أرادت أن ترث فرنسا فى بعض بلدان شمال أفريقيا [تونس مثلاً].
وكان لفرنسا – أيضاً – نفوذ أدبى فى مصر، وقد بدأ ذلك النفوذ من بداية حملة نابليون على مصر، واستمر بالجذب الثقافي وصنع لنفسه قواعدَ وجذوراً، خصوصاً مع سيادة أفكار الأدب الفرنسي فى مصر قبل ثورة سنة 1952.
ومعنى ذلك كله – خصوصاً بعد انتهاء عصر الاستعمار الفرنسي فى الشرق العربي – أن هناك رصيداً لفرنسا، ولقد كانت فترة الحرب الجزائرية هى أسوأ الفترات فى العلاقات العربية – الفرنسية.
وقد سلم “ديجول” فى حديث أخير له مع أحد زواره من المصريين، بأن اشتراك فرنسا فى مؤامرة سنة 1956، كان سببه كما قال:
“أن هناك بعضاً من الناس فى باريس فكروا أن يحققوا انتصار لهم على الجزائر فى القاهرة!”.
وكان تعليق ديجول بعد ذلك:
“تلك فترة عابرة فى تاريخ علاقاتنا الودية، ولقد نسيناها نحن، ولابد لكم أيضاً من نسيانها أنتم الآخرون”.
ومما يلفت النظر أن غضبة “ديجول” الكبرى ضد إسرائيل تجلت بعد الغارة على مطار بيروت، ووصل ديجول فى غضبته إلى حد أخطر معه أطرافاً عديدين أنه إذا تعرض لبنان للقوة الإسرائيلية، فإن فرنسا على استعداد لمساعدته عملياً.
ثالثاً – أن “ديجول” يشعر أن إسرائيل حققت معظم ما حققته عسكرياً ضد العرب بأسلحة فرنسية، وبخاصةً أسلحة الجو.
ومعنى ذلك أنها عملت ضد موقف فرنسا ومصالحها بأدوات قوة حصلت عليها من فرنسا نفسها.
رابعاً – أن العالم العربي مليء بثروات طائلة، وأنه من حق فرنسا أن تتعامل مع هذه الثروات ولا تتركها حكراً للأنجلو ساكسون، أى الأمريكيين والبريطانيين.
وفى وقت من الأوقات كانت عملية توقيع اتفاق بين فرنسا والعراق لاستغلال موارد البترول العراقي جزءً من الصراع الأنجلو ساكسونى – الفرنسي، أكثر مما هى مجرد صفقة بين مؤسسة النفط العراقي الوطنية وشركة “أيراب” الفرنسية.
وأذكر أن واحداً من الوزراء العراقيين فى ذلك الوقت قال لى:
“لقد وقعنا الاتفاق مع شركة “أيراب” فى الساعة الثالثة صباحاً، لأننا كنا نشعر أن فسحة الوقت تضيق أمامنا وأن شركة البترول البريطانية التى تستغل بترول العراق على وشك أن تضرب ضربة قاضية قبل توقيع الاتفاق”.
ومن سوء الحظ أن العالم العربي لم يشجع المصالح الفرنسية حتى الآن بما فيه الكفاية.
فقد توقفت صفقة الطائرات الميراج الفرنسية للعراق لأسباب متعددة، ولكن السعودية تحركت لشراء أسلحة فرنسية كما أن الكويت الآن تحاول إقامة علاقات أوثق، إلى جانب التحركات المصرية الواسعة فى هذا الاتجاه.
خامساً – أن هناك مسائل كثيرة فى نضال العرب المعاصر تستطيع أن تنفذ إلى تفكير الجنرال ديجول، وبينها.
1- الوطنية. وهو يعتبرها أقوى محرك للشعوب.
2- الشعور القومي.
و”ديجول” يفهمه ولو من باب إيمانه بالوحدة الأوروبية، وان كان تفكير ديجول فى هذا الموضوع لا يتصور عمق الروابط العربية القومية.
3- مقاومة السيطرة الأمريكية. وهو موضوع يعرفه “ديجول” أكثر من غيره.
4- دور الفرد فى التاريخ. ومن هنا كان تقدير “ديجول” لقيادة عبدالناصر.
5- الصهيونية وتحالفها القائم مع الولايات المتحدة الأمريكية وتغلغلها العالمي المخيف. وقد شكا “ديجول” فى بيان رسمى صدر باسمه من سيطرة الصهيونية على الصحافة الفرنسية نفسها.
هذه العوامل كلها، وربما كان هناك غيرها، حددت موقف فرنسا – “ديجول” من أزمة الشرق الأوسط.
فإذا عدنا إلى السؤال الأصلي الذي بدأنا به هذا الحديث، وهو:
– هل يتغير موقف فرنسا تجاه أزمة الشرق الأوسط؟
فإذا عدنا إلى هذا السؤال لوجدنا أن هذه الأسباب كلها، وإن بدأت “بديجول” نفسه، إلا أنه لا يصح افتراض القول بأنها سوف تنتهى عنده.
أى أن الإجابة على السؤال الأساسي فى هذا الحديث تتلخص فيما يلى:
إن استمرار فرنسا فى وجود “ديجول” أمر يمكن تصوره، ولكن فى نفس الوقت، فإن احتمال التغيير لا يمكن استبعاده تماماً.
والأرجح أن يكون الاستمرار.
واحتمال التغيير – الذي لا يمكن استبعاده – ينجم أول ما ينجم مما يمكن أن يحدث لفرنسا بعد ديجول.
أى أنه إذا دخلت فرنسا فترة من القلاقل والاضطرابات، فإن ذلك سوف يهز مكانتها وقدرتها العالمية، وذلك سوف يؤثر على ساستها حيال أزمة الشرق الأوسط.
على أن الاستمرار فى سياسة فرنسا فى وجود “ديجول” أو احتمال التغيير فى سياسة “فرنسا بغير ديجول” معلق فى الكثير منه بالسياسة العربية وقدرتها وطاقتها.
وليس من شك أن مفاجأة كثيرين فى العالم العربي بابتعاد ديجول تدفعه نفسياً إلى التشاؤم وتوقع التغيير.
ولكن ذلك الشعور ينبغي الخلاص منه فى أسرع وقت، والعمل بكل وسيلة للحيلولة دون التغيير، ولو كمجرد احتمال!
وإذا بقينا فى أماكننا، وقلنا باليأس أنه لا فائدة من الحركة، وأن سياسة فرنسا بغير ديجول سوف تتغير، فمعنى ذلك أن موقفنا نفسه، سوف يكون ضمن الدوافع إلى التغيير.
إن إسرائيل سوف تتحرك يقيناً.
ويجب أن تكون حركتنا أسرع، ومما يساعد على ذلك أن حركتنا سوف تكون أسهل إذا قمنا بها.
حركتنا نحن سوف تكون للاستمرار، وهو بالنسبة لجميع الناس أسهل.
وحركة إسرائيل سوف تكون للتغيير، وبالنسبة لجميع الناس أصعب.
إن موقف فرنسا جاء إلى ناحيتنا نسبياً بغير جهد من جانبنا على الإطلاق، وأبسط الأشياء أن نبذل الآن جهداً لكى نستبقى موقف فرنسا حيث إن أول السبل إلى ذلك إقناعها بكل دليل أن فرنسا لها قيمتها عندنا ولها مصالحها معنا.
ولقد يساعدنا على حسن التقدير الذي يدفع حركتنا الآن لعمل جدي نحو فرنسا، أن نسأل فى النهاية أنفسنا:
– ما هى قيمة فرنسا – ديجول؟
وأعد الأسباب الآتية:
1- أن موقف فرنسا يحول دون استقطاب خطير فى أزمة الشرق الأوسط يحولها إلى صراع بين الشرق والغرب ويطمس وجه الحقيقة فيها، وهى أن الصراع فى الواقع هو ما بين القومية العربية بمضمونها الإنساني والتقدمي، وبين الصهيونية ومضمونها العنصري الذي لا يمكن إلا أن يكون رجعياً.
2- أن موقف فرنسا رسالة واضحة إلى قطاعات مهمة فى الرأي العام الغربي، خصوصاً فى أوروبا، وهو رأى عام يميل بحكم غريزة التعميم وترديد العبارات المصكوكة والمحفوظة إلى مناصرة موقف إسرائيل باعتبارها “رأس جسر للحضارة الغربية على أرض الشرق المظلم والمتعصب بالجهل”!.
3- أن موقف فرنسا إشارة لها قيمتها بالنسبة للرأي العام الإسرائيلي، مؤداها أن أصدقاء إسرائيل الذين تعتمد عليهم، ولا تستطيع أن تعيش بغيرهم ليسوا مستعدين للمساندة على طول الخط.
4- ثم إن فرنسا تقوم بدور لا يمكن إنكاره فى محاولات الوصول إلى حل للأزمة، وقد كانت محادثات نيويورك الرباعية، مبادرة فرنسية بصرف النظر عما يمكن أن تسفر عنه هذه الاجتماعات.
ولقد يكون هناك من يلاحظ أننى لم أضع فى حساب ما أعددته عن أهمية موقف فرنسا – ديجول قرار الحظر الفرنسى على الأسلحة لإسرائيل.
ولقد تكون لذلك الحظر آثاره بالنسبة لإسرائيل – إلى جانب قيمته العظمى سياسياً، وأدبياً، ولكن هذا الحظر من ناحية مادية مباشرة، ليس له أثره بالنسبة للعرب.
إن العامل الأساسي فى تسليح إسرائيل هو الولايات المتحدة الأمريكية، وليست فرنسا.
كانت الولايات المتحدة الأمريكية هى التى أمرت فرنسا أمراً سنة 1954، بأن تسلم لإسرائيل أول دفعة من طائرات المستير-4، وكان عددها 36 طائرة.
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هى التى أمرت ألمانيا الغربية بإهداء السلاح لإسرائيل سنة 1962، وهى الصفقة التى لم تنكشف إلا بعد تسليمها فى سنة 1965.
ولقد حصلت إسرائيل من فرنسا على كل ما أرادته قبل قرار الحظر. وأكاد أقول إن إسرائيل استمرت فى الحصول على ما كانت تريده بعد قرار الحظر. وحتى لو كانت إسرائيل قد وجدت طريقها صعباً للحصول على 50 طائرة من طائرات الميراج سنة 1968، فإنها حصلت على ما يساوى مائة طائرة ميراج سنة 1969، وذلك بحصولها على 50 طائرة من طراز فانتوم من الولايات المتحدة الأمريكية.
وحمولة الميراج أربعة أطنان من القنابل، وحمولة الفانتوم ثمانية أطنان.!
أقصد فى النهاية أن أقول إن موقف فرنسا السياسي أهم من أى عدد من الطائرات.
وليس ينبغي لنا الآن أن نقعد وأن نضيع الوقت فى الأسئلة والتساؤلات عن الموقف الفرنسي “يتغير أو لا يتغير”؟
وإنما الأهم أن نتحرك بسرعة – وقبل أن يتحرك غيرنا – وقبل أن تتحرك الأمور فى فرنسا نفسها – لكي نحول دون تغيير قد لا يلائم مصالحنا السياسية.
ذاكرين بداية ونهاية، أنه مهما كان من موقف الآخرين، أعداء كانوا أو أصدقاء، فإن الكلمة الأخيرة لمن يستطيع أن يفعل بيده، وأن يؤثر بقوته وأن يفرض بإرادته!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=940