بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : ماذا نفعل إزاء صفقة أسلحة بريطانيا لإسرائيل؟

ماذا نفعل إزاء صفقة أسلحة بريطانيا لإسرائيل؟
حديث اليوم، يتقدم خطوة أخرى بعد حديث سبقه فى الأسبوع الماضى، أو هو استطراد منطقي بعده:
– وفى الأسبوع الماضى كان حديثنا بحثاً “عن طريقة نقرأ بها الأخبار الخارجية، ونتأكد من صدقها ومن دقتها ومن كمال تفاصيلها قبل أن نفعل، أو نرد، أو نقرر”؟
– واليوم، وتتمة طبيعية لما كنا نتحدث فيه يجيء الدور على سؤال تال، لا يقل أهمية وخطورة، وهو:
– كيف يجب أن نفعل وأن نرد وأن نقرر، فى أمور متصلة بالسياسة الخارجية، على فرض أن أخبارها جاءتنا، وأننا تأكدنا من صدقها ودقتها وكمال تفاصيلها، ووجدنا أننا لا نستطيع مواجهتها ساكتين، قابلين، أو خانعين!
ولكي يكون الحديث واضحاً، فلقد يكون مناسباً أن يكون الحديث تطبيقياً، أي أن يكون منصباً على مثال محدد بالذات، نتخذه نموذجاً ندرس عليه دراسة معملية وكأننا إزاء تجربة كيمياء!
ومن حسن الحظ لهذه الدراسة – وليس لأي شيء غيرها! – أن أمامنا الآن خبراً محدداً جاءتنا به الأخبار الخارجية وهو خبر صفقة الأسلحة البريطانية الجديدة لإسرائيل.
– ولقد نشر الخبر أول ما نشر فى لندن، ونشرته صحيفة “الديلى تلجراف” وهى وثيقة الصلة بوزارة الخارجية البريطانية، فضلاً عن أن هذه الوزارة لم تكذبه بعد نشره وإنما حاولت أن تدارى عليه بتصريحات مائعة.
إذن فهو خبر صادق.
– وحين نشر الخبر فلقد التفتت الأنظار فإذا فى لندن بعثة إسرائيلية عسكرية يرأسها الجنرال زفى تسور وهو رئيس هيئة أركان حرب سابق للجيش الإسرائيلي إلى جانب كونه واحداً من أبرز أقطاب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الحاكمة. وإذن فهو خبر دقيق.
– ولقد جاءت بعد الخبر الأول تفاصيل ذات معنى، منها أن أبرز معالم الصفقة البريطانية – الإسرائيلية الجديدة هى دبابات السنتوريون – 250 دبابة منها أي ثلاثة لواءات مدرعة – إلى جانب بعض الوحدات البحرية، وسلاح المدرعات الإسرائيلي كان يسعى بالفعل إلى تعزيز نفسه وليس هذا سراً كما أن البحرية الإسرائيلية كانت من وقت طويل تحاول أن تتسوق بعض ما هى فى حاجة إليه. وإذن فهو خبر كامل التفاصيل أو شبه كامل.
ومعنى ذلك كله أننا بهذا الخبر، وهو صادق دقيق كامل التفاصيل، أمام حادث حقيقي لا نستطيع مواجهته ساكتين قابلين أو خانعين، وبالتالي فإنه يتحتم علينا أن نفعل إزاءه شيئاً وأن نرد عليه، وأن نقرر حياله موقفاً.
والسؤال بعد ذلك هو:
– كيف؟
وقبل أن ندخل إلى الدراسة العملية، والتجريب الكيميائي بالتطبيق على خبر صفقة الأسلحة البريطانية الجديدة لإسرائيل – فإنه لابد من التمهيد لذلك، بوضع مجموعة من الاعتبارات والأسس العامة فى السياسة الدولية الحديثة، وذلك حتى لا ندخل إلى المعمل ونقف أمام التجربة حائرين من أين نبدأ؟
وأريد أن أحدد بعض هذه الاعتبارات والأسس العامة كما يلي:
1- إنه فى السياسة الدولية، ليس هناك مجال لشيء اسمه التأثر أو الغضب أو الانفعال وإنما هناك مجال لشيء اسمه الفعل أو الرد أو القرار، فى مواجهة أي تصرف يقوم به طرف من الأطراف ونجد فيه نحن ضرراً يلحق مصالحنا أو يؤثر على أمننا القومي.
والتأثر والغضب والانفعال أشياء يمكن أن توجد فى العلاقات الشخصية حيث تنشأ روابط عاطفية كالصداقة والحب مثلاً ولكن هذه الأشياء لا توجد فى العلاقات الدولية حيث الروابط – أو الفواصل – هى المصالح المشتركة – أو المتعارضة.
2- إنه فى العلاقات الدولية لابد لنا أن نجرى تحديدات ضرورية.
– منها تحديد درجة الصراع بيننا وبين أي طرف من الأطراف، وعلى سبيل المثال فإن صراعنا مع إسرائيل يختلف عن طبيعة صراعنا مع بريطانيا ولابد أن يختلف.
صراعنا مع إسرائيل صراع موت أو حياة.
وصراعنا مع بريطانيا صراع أهداف متصادمة.
وفى حالة إسرائيل، فإن الشرق الأوسط لا يتسع للقومية العربية وللقومية الصهيونية، والصراع بينهما – مهما طال المدى – لا يمكن أن يصل إلى توفيق، ولكي يكون واضحاً ما أقول فإن الشرق الأوسط يتسع للأمة العربية ولأي عدد من اليهود يريدون الإقامة وسطها ولكن الشرق الأوسط لا يتسع للأمة العربية ولإسرائيل بمطامعها العدوانية والتوسعية.
والأمر ليس كذلك بالضبط فى حالة بريطانيا، والفارق أننا فى حالة إسرائيل نجد الخطر علينا من منطق وجودها ذاته وفى حالة بريطانيا نجد الخطر علينا من اتجاهات سياستها أحياناً.
– ومن التحديدات الضرورية هنا أن يكون تصورنا واضحاً للهدف الذي نسعى إليه من أي صراع.
وفى حالة بريطانيا – مثلاً – إن هدفنا من الصراع فيما يتعلق بصفقة الأسلحة الجديدة التى تريد عقدها مع إسرائيل، هو أن نمنع إتمام هذه الصفقة إذا استطعنا أو أن نرد عليها بما يسبب لبريطانيا ضرراً مماثلاً – على الأقل – للضرر الذي سوف يقع علينا نحن إذا باعت أسلحتها لإسرائيل.
وتحديد درجة الصراع مع أي طرف من الأطراف، وتحديد هدف الصراع، مسألة حيوية قدرتنا على توجيه هذا الصراع لصالحنا فى نتيجته خطوة بعد خطوة.
3- إن العالم ليس غابة وإذا كان غابة فلسنا نحن أقوى الوحوش فيها ومن هنا فإن القوة المطلقة والمجردة لا مكان لها فى العلاقات الدولية، ولا حتى بالنسبة للدول الكبرى التى تملك قوى الترسانات النووية.
وعلى ذلك فإن استعمال القوة يجب أن يكون استعمالاً محسوباً ومخططاً وبغير الحساب والتخطيط فإننا نجد أنفسنا فى أى فعل أو رد أو قرار نذهب إلى الحد الأقصى من الخطوة الأولى.
ولو أخذنا أزمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي فى خريف سنة 1962 نموذجاً واعتمدنا فى تحليلها على كتاب “روبرت كيندى” الذي كان أقرب الناس إلى شقيقه “جون كيندى” رئيس الولايات المتحدة وقت هذه الأزمة، لوجدنا علامات تستحق الاهتمام أثبتت أنها صلحت لأزمة الصواريخ الكوبية ومن المؤكد أنها تصلح لغيرها من الأزمات الدولية مهما بلغت حدتها ومهما اقتربت بالسخونة من نقطة الانفجار وبين هذه العلامات ما يلى:
– كان رئيس الولايات المتحدة وقتها حريصاً على أن يعرف الاتحاد السوفيتي أنه لا يستطيع قبول وجود صواريخ سوفيتية على الجزيرة الكوبية التى تبعد عن شواطئه خمسين ميلا فقط وقد اعتبر أن معرفة الطرف الآخر بهذه الحقيقة مبكراً سوف يعطيه الفرصة للتفكير ملياً فى موقفه.
– بينما كان رأى هيئة أركان الحرب الأمريكية مهاجمة قواعد الصواريخ فى كوبا وتدميرها واحتلال الجزيرة كلها عسكرياً بهجوم خاطف – فإن كيندى بمنطق القوة العاقلة، اكتفى كخطوة أولى بأن يتخذ قراراً بفرض الحصار البحرى من حول كوبا حتى تكون أمام الطرف الآخر فرصة للمراجعة.
– وبينما رأت قيادة البحرية الأمريكية أن يبدأ الحصار من وسط الأطلنطي – رأى كيندى أن يكون الحصار داخل البحر الكاريبى قرب كوبا حتى تكون هناك فرصة يوم أو يومين للسفن السوفيتية المتوجهة إلى كوبا، والتي قد يكون عليها بعض الصواريخ – قبل أن تصل إلى منطقة الحصار البحرى وكان رأيه أن هذه الفسحة من الوقت سوف تتيح للطرف الآخر إجراء حساباته على مهل.
– فى الوقت الذي كانت الأزمة فيه عند ذروتها والشرارة قد تندلع فى أي لحظة فى البحر الكاريبى فإن البيت الأبيض الأمريكي كان يتصل بالكرملين السوفيتي بكل الطرق الرسمية وغير الرسمية حتى لا ينقطع الاتصال وحتى تكون أمام الأطراف فرصة لتبادل وجهات النظر حتى الدقيقة الستين من الساعة الحادية عشرة.
– فى اللحظات الحرجة تلقى كيندى رسالة من خروشوف يبدو أنه أرسلها إليه قبل اللحظة الساخنة للأزمة، وكانت رسالة تبقى الباب مفتوحاً لكنه بعد ساعات قليلة تلقى رسالة عنيفة تبدو وكأنها تغلق الأبواب، وبرغم كل نصائح مستشاريه فإن كيندى رد على الرسالة الأولى التى تبقى الباب مفتوحاً. وتجاهل تماماً أن الرسالة التى تغلق الأبواب قد وصلته قبل إعداد رده وكانت وجهة نظره – أن ذلك سوف يترك باباً مفتوحاً لخروشوف أيضاً.
وكان ملخص العبرة فى أزمة الصواريخ الكوبية وفق تعبيرات جون كيندى على النحو التالي:
أولاً – ليس من الجائز استعمال الحد الأقصى من القوة، فى الخطوة الأولى لمواجهة أزمة.
ثانياً – لابد أن نترك للطرف الآخر فى الصراع فرصة للتفكير فى موقفه وفى مراجعته مع كل مرحلة من مراحل تطور الأزمة وتصاعدها.
ثالثاً – يجب دائماً أن نترك باباً مفتوحاً للتراجع ومن الخطر وضع الطرف الآخر فى أي صراع فى وضع لا يمكن التراجع منه إذ معنى ذلك أن الصدام الكامل محتم. وإذا عدنا إلى أمورنا فإننا نجد أنفسنا نقع مرات كثيرة فى هذه المحاذير بالذات.
أعنى أننا فى كثير من المواقف التى تحتم علينا أن نفعل وأن نرد وأن نقرر، لا نجعل وجهة نظرنا معروفة مقدماً لدى الطرف الآخر فى أى صراع ندخل فيه – بما يتيح له مبكراً أن يفكر.
ونجد أننا نستعمل أقصى ما لدينا ضد هذا الطرف منذ الخطوة الأولى لبدء صراعنا معه ونجد أنفسنا عند الخطوة الثانية وليس فى أيدينا ما نستطيع أن نوجهه إليه ونؤثر به عليه تماماً كمدافع أفرغ كل ما لديه من الذخيرة على خصم يتقرب من خنادقه ولم يترك لنفسه شيئاً حين تجيء لحظة الاشتباك الفعلي!
وفوق ذلك نجد أننا لا نترك للطرف الآخر فرصة للتفكير والمراجعة مع كل مرحلة من مراحل تطور صراعنا وتصاعده، ولا نترك له من الخلف باباً مفتوحاً يتراجع منه إذا أراد، ثم لا يصبح أمامه غير أن يواجه النتائج معنا كيفما تكون!
4- إن تبرير التصرفات العنيفة فى السياسة الدولية بدعوى أنه بهذا العنف تتحقق الثورية – هو خلط يسيء إلى الثورية أكثر ما يسيء إلى غيرها.
إن الثورة ليست تجاوز الطبيعة أو تجاهلها، وإنما هى استعمال الطبيعة واستغلالها وهذا يعنى معرفة حقائقها واستيعابها.
ولقد شاع بين بعضنا أن الجموح فى التصرفات هو الثورية، وأما العقل فهو مجرد ستار للعجز إذا لم يكن هو الانهزامية بعينها، وذلك أبعد الأشياء عن الصواب.
والفارق بين الثورية والانهزامية هو كما يلي:
– الثورية هى مضى طرف من الأطراف إلى تحقيق كل ما هو ممكن فى مرحلة من مراحل النضال بواسطة استعمال كل ما هو متاح له من طاقات القوة الذاتية وما يكون ملائماً مع الهدف المطلوب تحقيقه فى كل مرحلة.
– والانهزامية هى قبول طرف من الأطراف بالفتات مما يلقيه إليه الطرف الآخر تفضلاً منه وتبرعاً!
وباختصار فإن الثورية هى أن يحصل طرف من الأطراف على الحد الأقصى مما يستطيع الحصول عليه بقوته الذاتية والانهزامية هى أن يرضى طرف من الأطراف بالحد الأدنى الذي يرضى الطرف الآخر أن يتنازل له عنه.
والثورية هنا ليست مجرد القوة، وإنما الثورية هى حسابات القوة، المادي منها والمعنوي وتحريكها باقتدار، والتقدم بها للتحقيق والحصول على الهدف الممكن وليس الهدف المستحيل وإلا اختل الحساب وأهدرت قواعده.
وعلى سبيل المثال، فإنه إذا كان حساب الحمل الطبيعي فى أي جنين هو تسعة شهور، فإنه لا يمكن بادعاء الثورية اختصار هذا الحساب إلى شهر واحد بدعوى الثورية وإلا تحولت لحظة انبثاق الحياة بالميلاد، إلى لحظة خنقها بالإجهاض!
5- إنه عندما يريد طرف من الأطراف فى السياسة الدولية أن يفعل أو يرد أو يقرر فعليه أن يعرف أين يضرب وكيف يصيب ليكون لفعله أو رده أو قراره أثره المطلوب فى الطرف الآخر.
أعنى أن الذي يريد أن يضرب فى السياسة الدولية يتحتم عليه أن يضرب فى صميم الموضوع، وليس فى شكل الموضوع.
وعلى سبيل المثال فلست أعتقد أن قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة من الدول – فى الوقت الحاضر – ضرباً لها فى صميم الموضوع، بقدر ما هو ضرب فى شكل الموضوع، قد تضايق نفسياً، وقد يؤثر من ناحية الهيبة، ولكنها لا تضر عملياً.
إن العلاقات الدبلوماسية بين دولة ودولة هى مجرد طلاء خارجي مزوق لمصالح حقيقية، اقتصادية وإستراتيجية وثقافية.
شكل الموضوع هو: الطلاء الخارجي للعلاقات الدبلوماسية.
صميم الموضوع هو: المصالح الحقيقية، اقتصادية وإستراتيجية وثقافية.
6- إنه بقدر ما هو مطلوب من أي طرف من الأطراف فى السياسة الدولية، أن يحدد تجاه الأطراف الأخرى، فإنه مطالب بعد أي شيء آخر، بأن يحدد تجاه نفسه، أي أن يتأكد وهو يفعل أو يرد أو يقرر فى أى موقف، من أنه يستعمل فى تصرفه كل إمكانيات قوته.
وبالنسبة لنا، فإن الظروف تعطينا طاقة من القوة يمكن لها، ولابد لها، أن تمثل وزن ما تستطيعه أربع عشرة دولة عربية.
المهم أن نجد الإجراء الذي تستطيع أن تتحمله أربع عشرة دولة عربية.
وضربة واحدة بنصف قوة أربع عشرة دولة عربية أقوى وأفضل من ضربة واحدة بكل قوة دولة عربية بمفردها.
وأترك التعميم إلى التخصيص، فيما نستطيع أن نقوم به تطبيقياً بالنسبة لبريطانيا وصفقة الأسلحة الجديدة التى تريد عقدها مع إسرائيل.
وأريد أن أقول أن هذه الصفقة تستوجب منا أن نفعل وأن نرد وأن نقرر، بل أكاد أضيف إلى ذلك أن هذه الصفقة تتيح لنا فرصة بالغة الأهمية لإثبات أنه ما تزال هناك فاعلية سياسية عربية، وأن هذه الفاعلية قادرة على المواجهة المؤثرة ولو نجحنا فى هذه المواجهة مع بريطانيا، فإن الأثر لن يقتصر عليها وحدها، وإنما سوف يكون تجربة سياسية أمام العالم كله، تؤكد قدرة تحتاج بالفعل إلى تأكيد جديد.
وأقترح على ضوء ما أوردت من اعتبارات وأسس عامة ما يلي:
1- أن يحدث اجتماع عربي على أى مستوى تتفق فيه الدول العربية جميعها على نقطتين اثنتين.
الأولى – إن إقدام بريطانيا على بيع 250 دبابة سنتوريون لإسرائيل، إلى جانب وحدات بحرية وقطع غيار، هو خطر على نضالنا فى مرحلة بالغة الحرج والحساسية، وهو أمر لابد حياله أن نفعل وأن نرد وأن نقرر.
والثانية – أن تحدد الدول العربية الثلاث عشرة، الخطى التى يمكن أن تتفق عليها فى مواجهة هذا الخطر، ولابد أن يكون هذا التحديد خلواً من أى توريط لأحد، حتى يكون ما يسفر عنه قابلاً للتنفيذ الفعلي وليس للإعلان الإنشائي أو الخطابي.
2- بغير حملات صحفية أو إذاعية، فإنه من الضروري أن يوضع رفضنا للصفقة البريطانية واضحاً أمام الحكومة البريطانية، وأن يتم ذلك بأسرع ما يمكن، لكي يكون لدى هذه الحكومة مبكراً موقفنا تحسب عليه وتقدر على أساسه.
ومن المحتم أن يكون لدى الحكومة البريطانية صورة كاملة لفكرنا.
– إنها مثلاً لا تستطيع أن تبعث إلينا بوزير من وزرائها، كما حدث فعلاً بزيارة وزير الدولة البريطاني جرونواى روبرتس، لكي يقول فى القاهرة أو فى الخرطوم أو فى الرباط كلمات رقيقة فى نفس الوقت الذي تكون فيه حكومته على الطريق لكي تبعث إلى إسرائيل بدبابات قاتلة.
نحن نرفض أن يكون نصيبنا الكلمات وتكون لعدونا الدبابات!
– وإنها مثلاً لا تستطيع أن تتعلل إزاءنا بأنها أعطت صفقة سلاح لإسرائيل كي تبقى فى يدها وسيلة للضغط من أجل تنفيذ قرار مجلس الأمن.
مثل هذه الحجج بلاهات وسذاجات لا تجوز على أطفال، فضلاً عن أن الضغط على إسرائيل لا يتحقق بصفقات السلاح، وإنما الضغط الحقيقي عليها يكون بحظر السلاح كما فعل “شارل ديجول”.
إن زيادة السلاح فى يد المعتدى يفتح شهيته إلى مزيد من العدوان.
وحجب السلاح عن المعتدى هو الذي يدفعه إلى التخفيف من غلوائه، وأي شيء غير ذلك لعب بالتعبيرات، وهو فى هذه الحالة لعب بمصائر شعوب وأمم!
3- يمكن بعد ذلك أن نبدأ بإجراءات تتصاعد درجة بعد درجة مع تطورات عقد صفقة الأسلحة بين بريطانيا، وإسرائيل.
– خطوة أولى – توقف بها الحكومة المصرية عملية الاستكشاف التى تجرى الآن لقاع قناة السويس لتسهيل خروج السفن البريطانية المحتجزة فيها منذ معارك يونيو سنة 1967.
مثل هذه الخطوة تكون متسقة بالفعل مع مشاعر جماهير الشعب المصري وجماهير الأمة العربية، فضلاً عن انسجامها مع مصالحهما.
إن الشعب المصري والأمة العربية، ليس فيهما من يقبل أن نتحمل أي مخاطرة أو أي جهد فى سبيل إخراج أربع سفن بريطانية محتجزة فى القناة بينما بريطانيا تسلم لإسرائيل مائتين وخمسين دبابة ولو كنا نقوم بذلك مجاملةً لأية دولة أخرى – غير بريطانيا – لها سفن محتجزة فى القناة لكان الأمر مقبولاً، ولكن الغريب أن بريطانيا هى الأعلى صوتاً وهى الأكثر إلحاحاً!
ولابد أن نقول وجهة نظرنا صراحةً، وبمنتهى الدقة للحكومة البريطانية، وأن ننقلها مفتوحة وواضحة أمام الرأي العام البريطاني.
– خطوة ثانية – تجيء بعد الخطوة الأولى، بعد أن نترك فرصة للحكومة البريطانية تقدر فيها موقفها وتعيد إجراء حساباتها – وتتمثل هذه الخطوة فى حركة شعبية لمقاطعة البضائع البريطانية فى كل بلد عربي.
إن دول العالم تتنافس على أسواقنا، والدول الأولى بالرعاية منا، هى الدول التى تراعينا، خصوصاً فيما يتعلق بأمننا وسلامة حدودنا الوطنية.
إن حركة شعبية لمقاطعة البضائع البريطانية سوف تعفى الحكومات العربية من أي حرج فى البداية، مع أنه لا حرج إزاء حكومة تبيع سلاحاً لإسرائيل، فضلاً عن أن هذه المقاطعة تدخل فى مقدور ما يستطيع أي مواطن عربي أن ينفذه بنفسه، وأن يراقب تنفيذه، ثم هى إلى جانب ما تلحقه من أضرار بمن يساعد عدواً لنا، سوف تؤدى فى نفس الوقت إلى منافع يستفيد منها الذين لا يساعدون هذا العدو.
– خطوة ثالثة – بعد ذلك تبدأ معها مسئولية الحكومات وهى أن تقرر كل حكومة عربية أنها فى كل ما تطرحه فى الأسواق من عمليات إنشائية، سوف تسقط من حسابها أي عطاءات بريطانية.
إن حجم الإنشاءات الجديدة فى العالم العربي، إلى جانب التوريدات اللازمة من آلات ومعدات وأجهزة لازمة لهذه الإنشاءات، يزيد عن ألف مليون جنيه كل سنة، والشركات البريطانية وحدها تحصل فيما يقدر الخبراء على ما يتراوح بين ربع وثلث هذه الإنشاءات، أي ما بين 250 مليون إلى350 مليون جنيه كل سنة.
– خطوة رابعة – يتصاعد إليها بعد ذلك فعلنا وردنا وقرارنا، وهى تتعلق بالتسهيلات التى تحصل عليها الطائرات البريطانية فى مطاراتنا والسفن البريطانية فى موانينا، ونستطيع بمنتهى الأدب أن نقلد بعض الحجج البريطانية ونقول للحكومة البريطانية أننا اتخذنا هذه الإجراءات حرصاً على طائراتها وعلى سفنها، وإننا نقصد حمايتها من مشاعر جماهيرنا لا أكثر ولا أقل.
– خطى بعد ذلك نستطيع أن نصل إليها، تتعلق بعدد الرعايا البريطانيين الذين نسمح لهم بالعمل فى بلادنا، وتتعلق بأرصدتنا من الجنيه الإسترليني، أو بتعاملنا مع الأسواق العالمية بواسطته.
– وخطى أخرى كثيرة بعد ذلك يستطيع أن يجدها الذين يدرسون ويبحثون فيما هو أوسع وأعمق مما يستطيع أن يصل إليه مقال صحفي، وليس بينها على أي حال قطع العلاقات الدبلوماسية، لأن مثل هذا الإجراء فى حد ذاته لا قيمة له. أريد أن أقول أنه إذا كان ضرورياً أن نفكر وأن نتروى وأن نتأكد مما نسمع من الأخبار قبل أن نفعل أو نرد أو نقرر – فإنه من الأكثر ضرورة أن نعرف كيف نفعل وكيف نرد وكيف نقرر.
لم يعد مقبولاً منا أن نصرخ فقط، وإنما مقياس قدرتنا أن نجعل الآخرين يصرخون، وذلك خصوصاً فى حالة بريطانيا، ليس بعيداً عن نطاق الممكن والمتاح بالنسبة لنا.
ثم أضيف:
– إذا استطعنا فى هذه المواجهة مع بريطانيا، فى مسألة لا يختلف على خطرها علينا عربي واحد، لتغيرت أوضاع كثيرة فى أزمة الشرق الأوسط.
إن حسابات النجاح فى هذه المواجهة لن تتمثل فقط فى غياب ثلاثة ألوية مدرعة من الدبابات – مائتان وخمسون دبابة – عن ساحة المعركة، ولكن حسابات النجاح سوف تمتد إلى ما هو أبعد.
هل نتحرك؟
لدينا إمكانيات القوة.
فهل لدينا الإرادة والأعصاب لوضعها فى الميدان؟!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=842