بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: صباح اليوم التالى فى ليبيا

صباح اليوم التالى فى ليبيا
لقد وجدت نفسى مدفوعاً بالحنين إلى العودة مرة أخرى إلى ليبيا.
قطعت ما كنت أتحدث فيه، مما يتصل بالجانب العسكرى لصراعنا مع إسرائيل، وما كان موضوع حديثى منذ أسابيع عدة حتى الآن، وضعت نفسى فى أول طائرة إلى طرابلس، أقوم بما يمكن أن أسميه زيارة “صباح اليوم التالى”.
وزيارة “صباح اليوم التالى” تكون عادة حافلة بالحقائق.
ليلة الثورة، ليلة الفرح، تكون المشاعر غامرة والعواطف جياشة. وأما “صباح اليوم التالى” – فى أى حدث كبير – فإن الحقائق تكون أوضح والمشاكل أظهر واحتمالات المستقبل أكثر قرباً.
ليلة الثورة، ليلة الفرح يكون الحديث عما كان، أو – بالكثير – عما هو كائن، وأما “صباح اليوم التالى” فإن الحديث يتجه دائماً إلى ما سوف يكون، أو ما يجب أن يكون.
ولقد مضت سبعة أسابيع على قيام الثورة الليبية، وبدأت هذه الثورة عملية مواجهة الواقع كما هو، وإذن فهذا بالنسبة لها هو”صباح اليوم التالى”.
وكان قد أتيح لى أن أحضر ساعات الثورة الأولى، ساعات الفرح من بدايته، وذلك عندما وصلت إلى بنغازى بعد وقت قصير جداً من إعلان الثورة، ومنذ ذلك الوقت – سبعة أسابيع حتى الآن – فإن جزءً كبيراً مما كتبت كان يدور حول هذه الثورة، أو كان قريباً منها، ولو حتى باللمس.
وبهذا الاهتمام المكثف بثورة ليبيا فإن مضى سبعة أسابيع قد يكون بالنسبة لى فرصة مناسبة للقيام بزيارة “صباح اليوم التالى”.
وفى الحقيقة فإن العودة إلى زيارة أرض الثورة الليبية لا تحتاج إلى مناسبات تتخذ موعداً – أو مبرراً – لها.
كل يوم – فى هذه الفترة – مناسب لزيارة أخرى لأرض الثورة الليبية، وكل ساعة. موعد معها لا يجب أن يفوت، إذا كان ذلك ممكناً!
والسبب أن الأسابيع القادمة شديدة الأهمية بالنسبة للثورة الليبية، ولدور هذه الثورة فى النضال العربى المتصاعد بسرعة مع الاستعمار المدعم لقوة إسرائيل، وإسرائيل المدعمة – بدورها – لقوة الاستعمار.
ونحن نشهد الآن مثلاً مرحلة عنيفة من حرب الاستعمار، وإسرائيل نفسياً، ضد الجمهورية العربية المتحدة.
ونحن نرى الآن مثلاً محاولات الاستعمار، وإسرائيل سياسياً، ضد المقاومة الفلسطينية المسلحة المتمثلة بالدرجة الأولى فى قيادة فتح.
ونحن نتابع الآن مثلاً فصول مؤامرة اشتراك عسكريين أمريكيين فى الجيش الإسرائيلى، وهى فصول تكشف كثيراً مما كان خافياً، وبينه أنه لم يعد هناك مجال للشك فى اشتراك عسكريين أمريكيين يهود فى معارك يونيو سنة 1967.
لكن ما نشهده ونراه ونتابعه الآن، فى ظنى، قد يكون كله مجرد تمهيد لما هو محتمل فى ليبيا.
ذلك أنه بعد أسابيع قليلة، أى فى وقت ما من شهر ديسمبر القادم من هذه السنة نفسها، سوف يكون على السفير الأمريكى فى طرابلس أن يتقدم بمذكرة إلى الحكومة الليبية يذكرها فيها بأن الوقت قد حان، وفقاً لاتفاقية القواعد الأمريكية، للدخول فى مباحثات بشأن مستقبل هذه القواعد.
إن أجل اتفاقية القواعد الأمريكية فى ليبيا ينتهى فى ديسمبر سنة 1970، لكن الاتفاقية تنص على بحث مستقبل هذه القواعد قبل سنة من موعد انتهاء هذه الاتفاقية أى فى ديسمبر 1969.
ومع أن موقف الثورة الليبية – من واقع بياناتها وتصريحاتها – واضح إزاء هذه القواعد، يتلخص فى أنها: “لا تريد استعجال تصفية هذه القواعد قبل موعد الاتفاقية، لأن ذلك غير عملى – فى الواقع.
ولا تريد مد أجل العمل بهذه الاتفاقية لأن ذلك غير مبدئى – على ضوء أهدافها”.
إلا أن مسألة بهذه الخطورة لا تكفى فيها التصريحات أو البيانات، وإنما المسألة – مهما كانت التصريحات والبيانات – مؤجلة إلى لحظة تحديد المواقف رسمياً على مائدة البحث، وبمقتضى وثائق مكتوبة.
وذلك كله موعده بعد أسابيع.
ومن ناحيتى، فلست أتصور أن الولايات المتحدة تنتظر لحظة تحديد الموقف رسمياً وبمقتضى وثائق مكتوبة – ساكتة قانعة أو مكتوفة اليدين – إنما هى بالقطع تفكر وتدبر، تخطط وتعمل. وذلك معروف ولابد أن يكون معروفاً لأنه طبيعة الأشياء!.
والمجهول الوحيد فيه هو: كيف؟. وفى أى اتجاه؟
وأكاد أقول إن الكثير مما نشاهده ونراه ونتابعه الآن، هو نوع من عمليات تحويل الأنظار عن المسرح الحقيقى المهيأ للحركة، وهو ليبيا، حيث تلقت القوى المعادية للثورة العربية أكبر هزيمة أصابتها منذ سنوات، وحيث تلقت قوى الثورة العربية نفسها أكبر نصر حصلت عليه منذ سنوات!
وحين هبطت بى الطائرة فى طرابلس ساعة غروب فى يوم من أيام الأسبوع الماضى تقدم منى أحد الثوار مصافحاً وهو يقول:
مرحباً بك هذه المرة فى طرابلس. جئتنا قبل أسابيع فى بنغازى وكان لابد أن تجىء هذه المرة إلى طرابلس. لا يستطيع أحد أن يذهب إلى بنغازى ولا يذهب إلى طرابلس. إن المساواة تامة بين العاصمتين.
واستطرد يقول:
– “أعرف أنك جئت قبل الآن إلى طرابلس”.
قلت:
– قد يبدو غريباً أن يكون ردى: أننى جئت إلى طرابلس قبل الآن مرتين، ولكن هذه هى زيارتى الأولى لها!
كانت المرة الأولى سنة 1943، وكنت مندوباً فى حرب الصحراء للإجبشيان جازيت وكان الحلفاء يستعدون للنزول فى إيطاليا بعد أن تمكنوا من إرغام روميل وفيلق أفريقيا الألمانى على الرحيل من كل شمال أفريقيا، ووقتها لم أر من طرابلس شيئاً لأن الحرب العالمية كانت تغطى كل شىء.
وكانت المرة الثانية سنة 1962، وكنت قادماً لموعد مع أحمد بن بيللا وقت خلافه مع الحكومة الجزائرية المؤقتة، ورفضه الدخول معها إلى الجزائر يوم إعلان الاستقلال، لكنى يومها وصلت إلى طرابلس فى المساء ولقيت بن بيللا وبقيت معه إلى ساعة متأخرة من الليل، ثم ركبت أول طائرة غادرت طرابلس فى الفجر كى أعود بسرعة إلى القاهرة وأكتب.
هكذا جئت إلى طرابلس مرتين وإن كنت أعتبر هذه هى زيارتى الأولى لها!”.
لكنى فيما يبدو كنت متفائلاً لأننى خرجت بعد ثلاثة أيام فى طرابلس ولا أعتبر نفسى زرتها لأنى لم أر منها شيئاً، وإنما قضيت ساعاتى كلها ليلاً ونهاراً فى أحاديث بغير نهاية، فى مكاتب، وفى معسكرات جيش، وفى سيارات جيب تقطع مسافات طويلة فى الليل وتحت المطر وفى جو الظلام المحكوم بحظر التجول الذى ما زال سارياً منذ العاشرة مساء إلى السادسة صباحاً.
إذا كنت لم أر شيئاً من طرابلس على الإطلاق. فلقد رأيت – للمرة الثانية – عن الثورة الليبية ما فيه الكفاية.
وأقول فى تلخيص أولى لما رأيته هذه المرة من الثورة الليبية:
– مازال الشباب هو الشباب، وأحلام الشباب أحلام الشباب، والنوايا الصادقة كما هى، والأمانى العريضة مثلما كانت.
وفوق ذلك فإن الثورة الليبية اجتازت بسلام ونجاح مواقع ألغام كثيرة، وإن بقيت أمامها على الطريق مواقع ألغام أخرى ما زالت كامنة مختفية تحت الأرض.
وأفصّل بعض ما لخصت فيما يلى:
أول شىء – وهو فى رأيى من أهم الأشياء – أن السلطة فى الدولة الثورية الجديدة قد وضحت معالمها وتحددت متمثلة فى مجلس قيادة الثورة ومع أن ذلك يبدو أمراً بديهياً فى أى ثورة إلا أنه فى حالة الثورة الليبية كان مهدداً بمخاطر متعددة متفاوتة فى تأثيراتها:
– بسبب السرية الكاملة التى عمل تحتها تنظيم الضباط الوحدويين الأحرار فإن مجلس قيادة الثورة بدا فى الأيام الأولى من قيامها وكأنه لم يكن هيئة محددة.
– بسبب الأدوار الهامة التى قام بها ليلة الثورة ضباط لم يكونوا أصلاً فى قيادة التنظيم وإن كانوا ضمن تشكيلات ما تحت القيادة فيه، فلقد كان من المحتمل أن ينشأ خلط بين الأوضاع فى التنظيم وبين الأدوار فى مغامرة الثورة.
– بسبب وجود بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة مع رئيسها فى بنغازى، ووجود عدد آخر منهم فى طرابلس على بعد ألف كيلو متر، وفى ظروف يتحتم فيها إصدار القرارات هنا وهناك بسرعة هائلة – فإن حدوث شىء من سوء التفاهم كان احتمالاً لا يمكن استبعاده.
– بسبب إصرار العقيد معمر القذافى رئيس مجلس الثورة على أن يبقى اسمه وشخصيته ومكانه فى الثورة سراً لا يذاع مهما كانت الظروف فإن سرقة الثورة ذاتها كانت ممكنة فيما لو استطاعت قوة من القوى بسرعة أن تقوم بانقلاب مضاد للثورة وبالفعل فإن إحدى القوى جربت مثل هذه المحاولة فى الأيام الأولى للثورة وكان جائزاً أن تنجح محاولتها دون أن يشعر أحداً.
هذه المرة بعد سبعة أسابيع من قيام الثورة كانت الصورة أوضح وأكثر تحديداً!.
هناك مجلس محدد لقيادة الثورة، وهناك رئيس له معروف بالاسم، وهذا المجلس هو السلطة الثورية والشرعية العليا فى ليبيا الآن.
2- إن ثورة ليبيا استطاعت أن تبتعد عن المخاطر غير المحسوبة للمراهقة الثورية أو أمراض الطفولة اليسارية على حد تعبير لينين.
وفى الأيام الأولى للثورة فلقد كان هناك من يريدون دفع الثورة الليبية إلى التحرك بغير حسابات.
كان هناك من يريدون إلغاءً فورياً لكل القواعد الأجنبية.
وكان هناك من يريدون تأميماً كاملاً لموارد البترول.
ولم يكن هناك ما يبرر ذلك.
– بالنسبة للقواعد مثلاً، فإن أخطر هذه القواعد – وهى القواعد الأمريكية – ينتهى أجلها المحدد والمتفق عليه بعد فترة قصيرة.
والقفز إلى معركة ضد هذه القواعد عمل لا مبرر له إلا أن يكون استفزازاً يعطى للاستعمار ذريعة التدخل السافر ضد الثورة.
وحتى الآن مثلاً – فإن “كوبا” الثورة – لم تدخل معركة ضد القاعدة الأمريكية فى “جواتانامو”، رغم أن الولايات المتحدة جرّبت مرة غزو كوبا فى موقعة خليج الخنازير المشهورة سنة 1962.
والقاعدة الأمريكية فى كوبا مازال أمامها وفق الاتفاقية الخاصة بها عشرات السنين.
وأما القاعدة الأمريكية فى ليبيا فلم يبق على أجلها غير بضعة شهور.
وإذا زالت القاعدة الأمريكية فى موعدها المقرر والمتفق عليه سنة 1970 فإن القاعدة البريطانية التى مازال أمامها حتى سنة 1972 تصبح نقطة تائهة فى بحر.
وبالنسبة للبترول مثلاً فما هى الفائدة التى تعود على ليبيا من تأميمه؟
والقفز هنا أيضاً إلى معركة لا مبرر لها يعطى الاستعمار ذريعة للتدخل السافر ضد الثورة.
ومن ناحية عملية فإن ليبيا لا تستطيع وحدها استغلال مواردها منه.
وأهم من التأميم – خصوصاً فى غيبة دواع ملحة تقتضيه – أن تحصل ليبيا على أحسن الشروط، وأن يكون هناك ضمان لحصولها فعلاً على ما هو من حقها.
والعراق مثلاً لم يؤمم بتروله، وكذلك الجزائر.
ولقد تبينت القيادة الثورية فى ليبيا بصفاء لا تشوبه غيوم أن القفز إلى المعارك غير المحسوبة ليس الآن وقته، وإنما هناك الآن مهمة أكبر وأخطر، وهى مهمة تأمين الثورة وترسيخ سلطتها فوق الأرض الليبية.
3- إن ثورة ليبيا نجت والحمد لله من نصائح كالسيول تبرع بها أصحابها من تجارب أخرى قد تكون صالحة فى غير ليبيا، لكنها بالتأكيد آخر ما يصلح لهذا البلد بأوضاعه وظروفه.
وأسوق الحوار التالى، وقد جرى بنصه تقريباً، بين زائر عربى وبين ثائر ليبى.
قال الزائر العربى:
“لابد أن تحققوا تأمين الثورة بسرعة”.
وقال الثائر الليبى:
– “إن تأييد الجماهير الليبية للثورة أعطاها قوة تأمين حاسمة”
قال الزائر العربى:
– “إن الأمر يقتضى إجراءات. لا تنفع فى الثورة أنصاف الحلول. ماذا لو قتلتم ألفاً أو ألفين فى سبيل تأمين الثورة؟”
قال الثائر الليبى:
– “لماذا نقتل ألفاً أو ألفين إذا كانت الجماهير بتأييدها للثورة قد أرغمت كل القوى المعادية لها على التراجع؟. ثم إن الشعب الليبى مترابط بقبائله وعائلاته، وهو بطبيعته عزوف عن القتل. وماذا يجدينا أن نقتل عدداً من الناس نعرف أنهم معادون بمصالحهم للثورة إذا كانوا لا يملكون القدرة على حربها؟!”.
قال الزائر العربى:
– “إذا لم تكونوا تريدون قتلهم فاجعلوهم ينسون أسماءهم!”.
قال الثائر الليبى بالبساطة ذاتها:
– لم أفهمك يا أخى؟”
قال الزائر العربى:
– خذ أى واحد منهم. أى واحد تشتبه فى عدائه للثورة، وضعه فى زنزانة سجن لمدة ثلاث سنوات لا يكلمه طولها أحد.
ثم افتح عليه باب الزنزانة بعد هذه السنوات الثلاث واسأله عن اسمه.
إذا قال لك إن اسمه “محمد” مثلاً وكان ذلك هو اسمه فعلاً فاتركه فى زنزانة ثلاث سنوات أخرى حتى ينسى أن ذلك كان فى يوم من الأيام اسمه!.
ومن حسن الحظ أن رياح الصحراء حملت هذه النصائح كلها وغيرها، وألقت بها فى أمواج البحر، والدليل على ذلك أننى وجدت كل واحد فى ليبيا يعرف تماماً ما هو اسمه!
4- إن ثورة ليبيا لم تعط سمعها لكل الذين جاءوا إليها همساً مسموماً ضد مصر، وكان بينهم – طبعاً – كثيرون من غير العرب، وإن كان بينهم – عيباً – كثيرون من العرب!
ذهب سفير غربى مرموق فى طرابلس إلى أحد الثوار يقول له:
– ليس هناك بيننا وبينكم مشكلة، وإنما تقوم المشاكل كلها إذا اقتربتم من مصر. إن مصر سوف تجركم إلى معاركها.
وقال الثائر الليبى:
– إن مصر تحارب معارك الأمة العربية. كانت وراء ثورة الجزائر، وثورة اليمن وثورة الجنوب العربى.
كانت طليعة الأمة العربية فى المعركة ضد حلف بغداد.
كانت طليعة الأمة العربية فى حرب السويس.
“وهى الآن فى الخط الأول من المواجهة مع إسرائيل”.
وقال السفير الغربى الكبير فى طرابلس:
– “هذه كلها معارك مصر. هدفها منها هو السيطرة على العالم العربى”
وقال الثائر الليبى:
– “إن الجزائر استقلت ولم تطلب منها مصر شيئاً، وفى اليمن الشمالى وفى اليمن الجنوبى، خرجت أسرة حميد الدين وخرج الحكم البريطانى. ولم تطلب مصر شيئاً”.
ولم يجد السفير الغربى فى النهاية غير أن يقول:
– “إننى أتحدث من وجهة نظر مصالح الشعب الليبى. إن موارد ليبيا من البترول طائلة، وتعدادها قليل، وفى مصر ضغط سكانى عارم. والفراغ يجذب الضغط. أردت أن أبصركم بالأمور والباقى من شأنكم!”
ومن المحزن أن زائراً عربياً لليبيا كاد يكرر نفس المعنى وبألفاظه حين قال:
– “إنهم فى مصر جياع. وسوف تجدونهم جحافل زاحفين عليكم!”
ورد عليه ثائر ليبى بقوله:
– إن مشكلتنا مع مصر عكس ذلك تماماً. نطلب مصريين لخبرات معينة، وترد مصر بأن لدينا خبرات ليبية كافية فى المجالات التى نطلبها ولا داعى فى ذلك لمصريين.
“إننا نشعر أن مصر حساسة أكثر مما ينبغى وأن هذا هو السبب فى تأخيرها إرسال من نطلب من المصريين”.
ولا يسكت الزائر العربى عند هذا الحد وإنما يستطرد قائلاً:
– “ليست مسألة حساسية. وإنما التأخير – يقيناً – بسبب الروتين. حاذروا من الروتين. ألا تقرأون صحف مصر نفسها. شكواها من الروتين فى كل سطر من السطور!”.
وبلغ الأمر بزائر عربى آخر إلى حد اختراع وقائع جرت له فى مصر.
قال:
– “كنت فى مصر لاجئاً وضربنى أحد ضباط الاستخبارات يوماً قلماً على وجهى ولما عدت إلى بلدى وشاركت فى الحكم ورجعت إلى زيارة مصر، وطلبت أن يكون هو بالذات مرافقى فى هذه الزيارة.
قصدت إذلاله والانتقام منه”.
ولقد حققت فى هذه الواقعة بعد عودتى من طرابلس واكتشفت كما أشرت من قبل أن الواقعة كلها محض اختراع لخيال مريض!
ولقد كان يعزينى عن ذلك كله – وغيره – قول ثائر ليبى:
– إن هدف الاستعمار أن يحقق عزلة ليبيا عن مصر.
هذا هو الهدف وهو فى مقاصده معاد للقومية العربية والثورية العربية.
إن نوع النظام الحاكم فى ليبيا لا يهم وإنما الذى يهم هو العزلة.
ولو استطاع الاستعمار أن يفرض العزلة فإن كون ليبيا ملكية أو كونها جمهورية يصبح مسألة ثانوية!”
5- إن ثورة ليبيا استطاعت فى فترة قصيرة أن تقوم بعملية ناجحة فى استكشاف أبعاد طريقها الخاص فى التحول نحو الاشتراكية.
وكانت هناك محاولات للتشويش العقائدى الذى عانت منه الأمة العربية حتى الآن ألواناً من التخبط أشبه ما تكون بالدوامات العنيفة تسحب بسرعة إلى الأعماق المظلمة.
وحين تركت مقر مجلس قيادة الثورة فى طرابلس فجر أحد أيام الأسبوع الماضى بعد لقاء طويل بدأ عند الظهر تماماً كنت أشعر من حديث معمر القذافى وعدد كبير من رفاقه أننى أستطيع أن ألمح خطاً واضحاً لمهمة تحقيق الاشتراكية فى ليبيا.
كان خط الوضوح يمتد كما يلى:
– “ليست الاشتراكية فى ليبيا مجرد تأميم.
إن الطبقة التى حصلت على الامتيازات فى ليبيا محدودة، ثم إن عمرها قصير لأن تدفق البترول فى ليبيا قريب.
وكانت هناك مفاسد وكان هناك استغلال، ولكن الخطر محصور بل ويمكن حصاره.
وهدف التأميم تحقيق سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج.
ووسيلة الإنتاج الأولى والأخيرة فى ليبيا واحدة: البترول.
ونصيب ليبيا من عائد البترول كله يدخل إلى الدولة، أى أنه إذا كانت الدولة وطنية وتقدمية فإن سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج تكون قد تحققت وتتحول المسألة لكى تكون مسألة توزيع عائد الإنتاج بالفرصة المتكافئة وبعدالة الخدمات بالحق فى كل المجالات.
بمعنى آخر.
فإن مجرد قيام حكم نظيف وطنى وتقدمى فى ليبيا يصبح فى حد ذاته سبيل ليبيا إلى تحقيق الحرية والاشتراكية. والوحدة”.
هكذا بغير تخبط، بغير كلمات ضخمة تلقى – بلا وعى – كما تلقى كتل الحجارة. لا تقدر على البناء ولكن تقدر على سد الطريق. وأحياناً تفعل ما هو أكثر من ذلك إذا جاء سقوطها فوق الرءوس!
وأخيراً، فليس معنى ما أقوله بعد عودتى من زيارة “صباح اليوم التالى لليبيا” أن المصاعب ذابت وأن المشاكل أمام الثورة لم يعد لها وجود.
لم أقصد إلى شىء من ذلك.
ما زالت هناك مشاكل كبرى بينها التحرك بسرعة إلى ممارسة عملية التحويل واستخدام سلطة الدولة بواسطة قوة الثورة استخداماً يومياً لصالح الأهداف الكبرى للشعب الليبى.
مازالت هناك مشاكل التيارات العنيفة التى تهب على ليبيا من مختلف الاتجاهات وخطورتها أن ليبيا كانت بلداً مقفلاً بطريقة تكاد تكون مفرغة من الهواء وبسقوط كل الحواجز والأسوار – فجأة – بعد الثورة فإن كل التيارات تهب وتهب بعنف.
وقبل كل شىء وبعد كل شىء فإنه مازالت هناك فى ليبيا مشاكل ما يمكن أن تفكر فيه وتخطط له وتقوم بتنفيذه قوى الاستعمار التى تعرف أن ليبيا كانت الدرة الغالية فى تاج السيطرة الاستعمارية فى الشرق الأوسط المطل على البحر الأبيض.
وعندما تنزع الدرة عن التاج فماذا يساوى؟.
مثل وزنه من الصفيح. أو حتى من الذهب. بضعة قروش. أو بضعة جنيهات لكن قيمته لم تعد كما كانت تحسب بالملايين!
وأعود بعد زيارة “صباح اليوم التالى” إلى ليبيا إلى ما كنت فيه قبل هذه الزيارة مما يتصل ببعض الجوانب العسكرية لصراعنا مع إسرائيل!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=714