بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: الضرورات والضمانات بعده!

الضرورات والضمانات بعده!
هذه هى الوقفة الثانية، مما استأذنت فيه، قبل أن أبدأ حديث المعركة الأخيرة التى خاضها جمال عبدالناصر.
وفى الأسبوع الماضى، استأذنت فى وقفتين، تمنيت ألا أتجاوزهما غداً:
– الوقفة الأولى، كانت أمام بعض ما يجب أن يقال مع الذكرى الأربعين، بعد الرحيل، ومما هو موصول بهذه الذكرى نفسها وجلالها، وكمالها، وحديث ذلك استوفيته بقدر ما هو ممكن فى مقال الأسبوع الماضى، تحت عنوان: “عبدالناصر ليس أسطورة”.
– وأما الوقفة الثانية، وموضوعها موصول بما بعد الذكرى من ضرورات وضمانات، فهذا هنا، والآن مكانها وموعدها.
والواقع أننى كدت فى نهاية مقال الأسبوع الماضى أن أقترب من تخوم هذا الموضوع وحدوده حين قلت:
“إن مجرد اختيار طريق الاستمرار، يعنى فى حد ذاته ضرورة التجديد بغير انتظار، وذلك من قاعدة منطقية”، هى أنه:
– “إذا كان فارق بين ما كان بوجود عبدالناصر، وما أصبح بعد غياب عبدالناصر. إذن فإن الاستمرار لا يمكن أن يكون تلقائياً أو أوتوماتيكياً”.
استطراداً من ذلك هنا والآن نستأنف الحديث عن الضرورات والضمانات، بعد جمال عبدالناصر.
ونبدأ الحديث بافتراض، ينبغى لنا أن نتفق عليه، لأن اتفاقنا عليه هو أساس كل ما يمكن أن ينبنى فوقه.
هذا الافتراض هو أن الجماهير وقيادتها حينما اختارت الاستمرار على طريق جمال عبدالناصر، كانت تعنى بالاستمرار: الهدف وليس الأسلوب. إن هدف عبدالناصر شىء يمكن لغيره أن يتبعه فيه، ويصل ويحقق وينجز.
ولكن أسلوب عبدالناصر شىء آخر، لا يمكن لأحد أن يتبعه فيه، لأن التفكير مجرد التفكير فى اتباعه، يصبح مجرد تقليد، يقصر – مهما كان – عن الاقتراب من الأصل، ومنتهى ما يمكن أن تعطيه محاولة شىء من هذا القبيل، هو صورة باهتة لتحفة خالدة غير قابلة للتقليد.
إن هدف عبدالناصر ملك لكثيرين غيره يشاركونه فيه.
ولكن أسلوب عبدالناصر خاصية يملكها هو وحده. بالقدرات التاريخية التى توفرت له، وبشخصيته الذاتية ومكوناتها. وهو لا يختلف فى شىء عن شكله وعن تقاطيع وجهه، وعن مزاجه، وعن تأثير ذلك كله على الناس، وتأثره بهم.
إذن فإن الهدف – بعد عبدالناصر – هو خط الاستمرار، لأن الهدف ملك للجميع.
وأما الأسلوب بعد عبدالناصر فهو الذى يجب أن يكون مجالاً للتجديد، لأن أسلوب عبدالناصر كان خاصية ذاتية له، وكان ظرفاً تاريخياً لم يتهيأ لغيره، ولا يملك أحد – ولا يستطيع – أن يتبعه فيه، وإلا حصرنا أنفسنا فى التقليد، وتوقفنا عن الانطلاق فيه إلى التجديد، وهذا فى حد ذاته يمكن أن يؤثر على الاستمرار، وبالتالى يعرض الهدف للأخطار.
وسوف أشرح بالأمثلة العملية ما أقصده، حتى يكون واضحاً ومحدداً ما أريد قوله فى هذا الحديث:
– أولاً: إن عبدالناصر كانت له – نتيجة تحديات كثيرة وكبيرة خاضها ونجح فيها – شخصية البطل التاريخى، وكان اتصاله بجماهير الأمة العربية مباشراً، ولم تكن الجماهير تفرق بين وجودها ووجوده، بين انتصارها وانتصاره، وبين هزيمتها وهزيمته.
والدليل على ذلك ما حدث بعد النكسة.
ظهر جمال عبدالناصر مساء 9 يونيو سنة 1967 – فى خطاب التنحى المشهور – وقال أمام الملايين، من الخليج إلى المحيط:
– “إننى على استعداد لتحمل المسئولية كلها”.
والغريب أن العبارة فى النص الأصلى لحديث جمال عبدالناصر ليلتها كانت تقول:
“إننى على استعداد لأن أتحمل نصيبى من المسئولية”.
ولكن جمال عبدالناصر شطب هذه الجملة، وأضاف بدلها بخط يده قوله:
“إننى على استعداد لتحمل المسئولية كلها”. ومع ذلك فإن جماهير الأمة العربية كلها – وبوعى عميق بالحقائق ودون أن تكون لديها تفاصيل الوقائع – رفضت أن يتنحى عبدالناصر، ووقفت كلها معه بأصلب مما كانت فى أى وقت من الأوقات.
كان معنى ذلك أن الجماهير – كما قلت – لا تفرق بين وجودها ووجوده، وبين انتصارها وانتصاره، أو بين هزيمتها وهزيمته.
وتأكد هذا المعنى بعد ذلك فى مرات عديدة:
– فى الطريقة التى استقبلت بها جماهير الخرطوم، جمال عبدالناصر، وهو قاصد إليها ليحضر مؤتمر القمة العربى الذى اجتمع فى أغسطس سنة 1967، لمواجهة آثار العدوان وكانت وزارات الخارجية فى العالم كله مذهولة من هذا الاستقبال، وعبرت الصحافة الأجنبية عن نفس هذا الذهول غير المسبوق فيما يذكر العالم المعاصر.
– فى الطريقة التى استقبلت بها جماهير طرابلس وبنى غازى والخرطوم، جمال عبدالناصر، وهو يزورها فى الأيام الأخيرة من سنة 1969، والأيام الأولى من سنة 1970.
– بل حتى فى الطريقة التى استقبلت بها جماهير القاهرة جمال عبدالناصر وهو ذاهب يصلى فى مسجد السيدة زينب – رضى الله عنها – فى يوم الذكرى الثالثة للنكسة 5 يونيو 1970.
كان المعنى الكامن وراء هذه الظواهر كلها أن هناك صلة عضوية بين القائد والجماهير، صلة تجعل الجماهير ترى أملها متجسداً فيه، وتجعله يرى قوته متجسدة فيها.
علاقة من نوع نادر، لا يتكرر بسهولة، ولا تأتى به المصادفات، وكان ذلك من ناحية الأسلوب يتيح لعبدالناصر أن ينشئ، وأن يجرى سياساته عن طريق اتصاله المباشر بالجماهير.
وكانت نقطة الارتكاز والثبات فى هذه السياسات، وفيما تواجهه من الظروف المتغيرة والمتلاحقة، هى قاعدة الثقة المطلقة فى القائد.
أكاد أقول إننا فى وجود جمال عبدالناصر، كنا نتصرف بمنطق ما يمكن أن نسميه: السياسة بالقيادة.
ونحن الآن ومن ناحية الأسلوب – وليس من ناحية الهدف – يجب أن نجدد. أن نتصرف بمنطق آخر يمكن أن نسميه: السياسة بالإدارة.
كنا نتصرف بإلهام الزعامة – وليس ذلك تعبيراً غيبياً – لأن إلهام الزعامة محصلة تجارب وظروف كونت شخصية الزعيم، وخلقت الصلة الوجدانية بينه وبين الجماهير، واختزنت فى أعماقه ذخيرة هائلة من المعلومات والموازين قادرة على الحساب فى أى لحظة وبسرعة عقل إلكترونى دقيق.
ويجب الآن أن نتصرف بطريقة أخرى، وصفتها بأنها السياسة بالإدارة، بمعنى management وليس بمعنى administration. أى بواسطة استكمال وثائق وحقائق أى موضوع قبل إصدار أى قرار فيه، وبواسطة سماع أوسع الآراء، واستكشاف الطرق المتعددة والبديلة لبلوغ الغاية منه، قبل التقدم فيه خطوة واحدة.
و”السياسة بالإدارة ” لا تعنى حكم اللجان، وإنما تعنى دراسة كل شىء من أعماق الأعماق، كما أن “السياسة بالإدارة”، لا تعنى تمييع المسئولية، لأن القرار فى النهاية يجب أن يصدره مسئول واحد، يتحمل أمام الأمة والتاريخ نتائج قراره.
– ثانياً: إن جمال عبدالناصر كان شخصية عالمية كاملة، وكان شخصية عربية كاملة.
وكان تأثيره قادراً على اقتحام حدود وحواجز بعيدة، يصل وراءها إلى أكثر مما تصل إليه سلطة الدولة التى كان يحكم فيها.
وكانت قوة جمال عبدالناصر فى هذا المجال ظاهرة تستحق الدراسة، ذلك لأنه قد يكون طبيعياً أن يمتد نفوذ رئيس أى دولة داخل حدود ولاية سلطة هذه الدولة، لكن نفوذ جمال عبدالناصر كان يتجلى، وبشكل حاد، خارج حدود بلاده، بل وفى كثير من الأحيان ضد سلطة الدولة فى بلدان كثيرة خارج حدود بلاده.
كان جمال عبدالناصر أمام العالم الخارجى، تعبيراً ظاهراً عن الرأى الغالب فى أمة عربية بأسرها.
وكان جمال عبدالناصر داخل الأمة العربية نقطة اللقاء الكبرى للإرادة الواحدة لهذه الأمة.
وليس من شك – إنصافاً للحقائق – أن عبدالناصر استفاد فى ذلك من الوضع الخاص للقاهرة، ولكنه ليس من شك أيضاً، فى أن جمال عبدالناصر أضاف إلى الوضع الخاص للقاهرة.
وبعد رحيل عبدالناصر، فإنه من الضرورى، أن نفهم أن هناك تغييراً قد وقع.
كان الكل خارج حدود الجمهورية العربية المتحدة يتطلع إلى: “ناصر القاهرة”.
والآن، يجب أن نتصرف بحيث يتطلع الكل خارج حدود الجمهورية العربية المتحدة إلى: “قاهرة عبدالناصر”
وذلك يتطلب أن تكون “قاهرة عبدالناصر” متيقظة باستمرار، متحركة فى كل وقت، حريصة على دورها، متمسكة به، بالحق وليس بالادعاء.
أى أن القاهرة يجب أن تمارس دورها ومسئوليتها، حتى بأكثر مما كانت تمارسه من قبل، لأنها الآن تستوعب دوره فى دورها.
إن هناك، على سبيل المثال، مواقف كانت القاهرة تملك بوجود عبدالناصر أن تنتظر عليها، لأنه -بتأثيره الهائل- كان قادراً فى أى وقت على تدارك آثارها، وأما الآن، فإن على القاهرة أن تتصرف، وأن تحسم وأن ترفض أى تحد لمسئوليتها العربية.
– إن القاهرة فعلت ذلك تماماً حين تحفظت ولم تجامل، من أول لحظة أعلن فيها تعيين السيد وصفى التل رئيساً لوزراء الأردن، ولا ينبغى للقاهرة أن تغير رأيها مادام هذا اقتناعها.
– والقاهرة فعلت ذلك تماماً حين قامت بما قامت به من جهد للعمل من أجل السعى نحو إقامة اتحاد بين مصر وليبيا والسودان، ويلفت النظر فى هذا الصدد قول السادات ونميرى والقذافى فى بيانهم الذى قدموا به اتفاقهم على العمل من أجل الاتحاد، أنه كان بين دوافعهم إلى الحركة السريعة هو “أن الأمة العربية فى هذا الظرف بالذات فقدت رجلاً كان مجرد وجوده على رأس النضال العربى، رمزاً كافياً لحقيقة وحدتها”.
ونتذكر فى هذا الصدد أن جمال عبدالناصر فى وجوده كان يؤثر إرجاء أحاديث الاتحاد والوحدة، وكانت الأمة العربية تملك ذلك طالما كان هو موجوداً، باعتباره تجسيداً لأمل الوحدة، وأما بعد غيابه فإن الأسلوب تغير.وكان ضرورياً أن يتغير.
– ثالثاً: إن دائرة الحوار العام يجب أن تتسع بعد جمال عبدالناصر، عما كانت عليه فى وجوده.
كان جمال عبدالناصر فى وجوده – وبطبيعة دوره التاريخى – يستطيع أن يكون وحده دائرة الحوار، وقد أثبت ذلك فعلاً فى مواقف حاسمة من قصة نضاله وأعماله، ويجب أن تكون هذه النقطة أيضاً موضع دراسة مستفيضة عندما يجىء الوقت لاستكشاف الأبعاد الرحبة لهذه الشخصية الضخمة.
– لقد استطاع جمال عبدالناصر، على سبيل المثال، وعلى حد تعبير أحد المفكرين، “أن يؤمم الصراع الطبقى فى مصر”.
لقد سبق الفلاحين إلى مطالبهم بإعادة توزيع الأرض، وسبق العمال إلى أمانيهم فى الحقوق الأساسية لقوة العمل، باعتبارها من القوى الكبرى القائدة لتحالف قوى الشعب، وأجاب عن أمل التعليم المجانى، والتأمينات الاجتماعية المتعددة، قبل أن يوجه إليه سؤال.
لماذا؟
لأن حواراً واسعاً وعميقاً ومخلصاً كان يجرى باستمرار داخل كيانه.
وكانت له فى ذلك ضوابط يصعب على الإنسان العادى تحملها، أذكر منها اليوم ثلاثة، أعتبرها مقياساً لصدقه الثورى.
– كانت الدولة ذات مرة بعد حرب السويس، فى حاجة إلى ضغط وارداتها من الخارج، وبدا ضغط الواردات صعباً أمام الفنيين وطلب هو كشف الواردات بنفسه، وجلس وأمامه الدكتور عبدالمنعم القيسونى وزير الاقتصاد يومها، وإذا هو يشطب كل الواردات الكمالية من الطعام، ويقول ببساطة غريبة:
– “الشىء الذى لم آكله قبل الثورة، أستطيع ويستطيع كل المصريين أن يستغنوا عنه!”.
– ودعى مرات كثيرة إلى أماكن تسبح فيها الأضواء الباهرة، وكان تعليقه فى كل مرة:
– “المكان الذى لم أذهب إليه قبل الثورة. لا يحق لى أن أذهب إليه بعدها”.
وأقفل على نفسه باب بيته عزوفاً عن الحياة الاجتماعية، قانعاً بصلته المستمرة مع الجماهير، وكان يقول:
“إلى أين أذهب.؟ ومن أجالس؟ إن الذين سأراهم بحكم أوضاع السلطة ليسوا بالضبط هم الطبقة التى أنتمى إليها”.
هكذا بقى انتماؤه الطبقى سليماً لا تشوبه شائبة.
كان على الذروة، وكان اتصاله بالقاعدة العريضة، لجماهير العاملين فى وطنه مفتوحاً. رحباً وعريضاً.
ولم تكن هناك آثار لحدة الصراع الطبقى فى مصر، كان لسبب أنه استطاع أن يجعل من كيانه هو نفسه، دائرة لهذا الصراع.
وكان التحول الاجتماعى الكبير فى مصر، نتيجة رائعة، تشهد بحيوية وسلامة وصحة التفاعل الذى كان يجرى داخل كيانه، والذى صوره ذلك التعبير القائل “إن عبدالناصر استطاع أن يؤمم الصراع الطبقى فى مصر”.
– واستطاع جمال عبدالناصر – فى مثال ثانٍ – أن يكون أكبر عوامل التصحيح طوال حكمه.
كانت الأخطاء تحدث، وكانت الانحرافات تقع، ولأنه ملك شجاعة النقد الذاتى، ولأنه ارتفع بتصرفاته، فإنه احتفظ فى يده دواماً بحق الحساب. مقدرة الحساب.
ولقد نقد، ولم يكن فى ذهنه تنفيس البخار المحبوس.
ولقد حاسب، ولم يكن يريد أن يتحول الحساب إلى تشهير.
– واستطاع جمال عبدالناصر – فى مثال آخر – أن يحمى الممارسة الديمقراطية فى ظروف لم تتوقف فيها المعارك ولا هدأت من حوله أهوال الحروب.
كان هو نفسه، فى ذلك كله وغيره، دائرة الحوار، وتمكن من ذلك بطبيعة دوره التاريخى.
وبعده، يجب أن تتسع دائرة الحوار، ليكون من ذلك ضمان وأمان.
ومن حسن الحظ، أن جمال عبدالناصر رسم بنفسه الدائرة الكبرى التى يجب أن تدور فيها الحوار المتسع، وهى دائرة تحالف قوى الشعب العاملة.
إن صيغة التحالف بحيويتها، تعطى الإطار السليم للحوار، لأنها تعنى شيئين فى نفس الوقت:
– التنوع من تعدد الأطراف.
– والوحدة فى إطار التحالف.
ونتذكر دائماً:
أنه ليس هناك وحدة بغير حوار. وإلا كانت الوحدة كبتاً.
كما أنه من الخطأ أن يكون هناك حوار بغير إطار التحالف، وإلا وجدنا أنفسنا فى تشرذم، شبيه بما وقع فيه حزب البعث العراقى مثلاً.
على أن نعى دائماً أن التحالف ليس قميصاً من حديد يقى، وإنما التحالف الحى تفاعل.
كما أن الحوار لا يمكن أن تقوم عليه وصاية، وإنما يمكن أن يكون له بديل واحد، هو المبدأ، متمثلاً فيما أصدره جمال عبدالناصر من وثائق أساسية أقرها الشعب بالاستفتاء، متمثلة فى الميثاق، وفى بيان 30 مارس الذى تقدم به أنور السادات إلى مجلس الأمة قائلاً:
– “هذا هو برنامجه هو برنامجى أيضاً”.
وبيان 30 مارس هو فى حقيقة أمره دائرة حوار ودائرة الحوار ليست رسماً ولكنها.حركة.
ولعل الحركة داخل دائرة الحوار هى التحدى الكبير الذى يواجهه التنظيم السياسى بعد رحيل جمال عبدالناصر.
ولابد أن يتسع خيالنا لكى ندرك أن إدارة الحوار شىء يختلف عن ترديد الشعار.
إن مشاكل الدولة العصرية معقدة ولذلك فإن الحوار يجب أن يكون شاملاً. وعلمياً.
– رابعاً: ولقد كان جمال عبدالناصر، بذلك كله هو التجسيد لسلطة الشعب، وبعد رحيله، فإن تجسيد سلطة الشعب لا يمكن أن يكفلها غير الضمان الدستورى والضمان القانونى.
ولقد وقف العالم مبهوراً بالإعجاب أمام حركة الشعب المصرى وهو “يعبر الجسر من مرحلة كان فيها مع جمال عبدالناصر، إلى مرحلة هو فيها بغيره”، وكان ذلك عن طريق التمسك بالدستور والقانون.
وذلك طريق يجب أن لا نحيد عنه.
إن دستورنا وقوانيننا وضعت كلها فى ظل الشرعية الثورية، وبالتالى فإنه لا يمكن أن يكون هناك تناقض بين الشرعية والثورية.
ولنلتفت دقيقة واحدة إلى الصين، ففيها درس عن الشرعية والثورية يستحق أن نستوعبه.
لقد قاد “ماوتسى تونج” ثورته الثقافية، وكان العدو الأول فيها هو “ليوتشاوتشى” وكان فى استطاعة “ماوتسى تونج” أن يخلع “ليوتشاوتشى” ولكن “ليوتشاوتشى” بقى فى منصب رئيس الدولة – دستورياً – بينما الثورة العارمة ضده تجتاح كل أرجاء الصين.
إن الثورة ليست فى العضلات ولكن فى الفكر.
والثورة ليست بالقسر، ولكن بالمقدرة على إقناع الناس.
– خامساً: إن جمال عبدالناصر كان شخصية تاريخية، ومن بعده فليس هناك أشخاص تاريخيون.
ولقد قلت ذلك وكتبته مرة فى وجوده، وأكرره مرة أخرى بعد رحيله.
إن الظروف والتجارب لم تتح لأحد غيره فى العالم العربى، أن يكون شخصية تاريخية.
كل شخص الآن تاريخه أمامه.
تاريخه ليس هو الماضى.
ولكن تاريخه هو المستقبل، وقيمة دوره ليس لها غير حساب قدرته على الخدمة العامة فيما يراه الناس، ابتداء من الآن، وليس لغير ذلك اعتبار.
جمال عبدالناصر وحده تاريخه وراءه.
وغيره تاريخهم أمامهم والسجل مفتوح والريشة تنتظر.
ثم لم يعد أمامى الآن شىء أريد أن أقوله، مما خطر ببالى أن أقوله فى مناسبة الذكرى الأربعين بعد الرحيل.
كان بعضه موصولاً بالذكرى نفسها، وجلالها، وكمالها.
وكان بعضه الآخر موصولاً بما بعد الذكرى، من ضرورات وضمانات.
ثم أتوجه الآن إلى حديث طويل عن المعركة الأخيرة التى خاضها جمال عبدالناصر، وقد كانت من أروع معاركه.
ومن أسباب اهتمامى بها أنها ليست تاريخاً انقضى، وإنما هى قصة مازالت وقائعها تجرى أمامنا، وتأثيرها فى المستقبل، أبعد بكثير مما رأينا فيما مضى!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=504