بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: السلاح العربى

السلاح العربى
هذه الضجة الصاخبة حول الجمهورية العربية المتحدة وسلاحها. والأسباب الحقيقية وراءها؟!
فى عدد كبير من عواصم الدنيا الآن، ضجة لا تهدأ حول سلاح الجمهورية العربية المتحدة، وحول ما يقال عن معدات حربية حديثة أضيفت إلى ترساناتها.
والواضح أن الضجة لا تكاد تخفت حتى تجد من يحركها مرة أخرى أعلى مما كانت، وأكثر صخباً. بل الواضح – قبل ذلك – أن الضجة كانت منذ اللحظة الأولى، خطة مدبرة مرتبة، لأسباب تستحق منا كل محاولة لاستكشافها.
وليس هناك سر أو شبه سر، فى أن إسرائيل هى اليد الظاهرة – والخفية أيضاً إذا كان هناك خفاء – فى العملية من أولها إلى آخرها.
أولاً – كان الجنرال زفى تسور رئيس هيئة أركان حرب الجيش الإسرائيلى هو الذى أعطى إشارة البدء فى العملية كلها، فى حديثه الذى ألقاه فى أواخر شهر مايو الماضى فى اجتماع عقدته جمعية المهندسين فى القدس المحتلة، ففى هذا الاجتماع وقف الجنرال تسور يقرع بشدة طبول الإنذار ويقول:
– إن الجمهورية العربية المتحدة حصلت فى الأيام الأخيرة على كميات ضخمة من العتاد الحربى، بينها طائرات من طراز “ت ى 16” المقاتلة التى تستطيع أن ترتفع إلى 20 كيلو متراً فوق سطح الأرض مندفعة بسرعة 2000 كيلو متر فى الساعة، حاملة على جانبيها الصواريخ التى تستطيع ملاحقة أى طائرة فى الجو وإسقاطها بالتوجيه الإلكترونى.
وبعد الحديث عن هذه الطائرة الرهيبة انتقل الجنرال زفى تسور إلى الحديث عن الدبابات الثقيلة من طراز ت 54، وعن الغواصات، وعن أنواع أخرى من المعدات قال إن الجمهورية العربية المتحدة حصلت عليها مؤخراً.
ثانياً – لم تكد تمضى على هذا الحديث أيام حتى ظهرت فجأة جريدة “الواشنطن بوست” وفيها مقال للصحفى المشهور “روسكو درموند” عنوانه “سبب للخطر” وفى هذا المقال أعاد “درموند” كل معلومات الجنرال “تسفى تسور” ثم أضاف إليها من عنده شيئاً جديداً واحداً هو أن “ناصر” -على حد قوله- يستعمل ثمن القمح الذى تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية إلى بلاده، فى شراء أسلحة يوجهها ضد إسرائيل، كذلك هو يستعمل من أجل نفس الهدف ما حصل عليه من صندوق النقد الدولى – ثم انتهى درموند من مقاله طالباً بوقف كل تعامل مع الجمهورية العربية المتحدة ما دامت ماضية إلى هذا الحد فى تسليح نفسها!
ثالثاً – بدأ عضو الشيوخ الأمريكى كينيث كيتنج، من حيث انتهى”روسكو درموند”، وقال كيتنج من فوق منبر مجلس الشيوخ الأمريكى:
“إن المأساة التى وقعنا فيها بغباء هى كما يلى:
نحن نقدم القمح لناصر مقابل عملات محلية، بغية استعمالها فى مشروعات تنمية داخلية بالاتفاق معنا مقابل فائدة سنوية تضاف إلى ثمن القمح.
معنى ذلك أن ناصر يوفر شراء القمح بالعملات الأجنبية، ويتمكن من إقامة عدد كبير من المصانع فى بلاده.
ونتيجة لهذا فإنه يقدر أن يسحب من اقتصاده ما يمكنه من شراء أسلحة من روسيا دون مخاطرة كبيرة تؤثر على عملية التنمية التى يقوم بها.
معنى ذلك أن ناصر يضحك علينا ويخدعنا.
يأخذ منا القمح، وبما يوفره من ثمنه يشترى السلاح، وفى نفس الوقت يتمكن من الاحتفاظ بطاقة موارده سليمة لمواصلة خطته فى تصنيع مصر.
هذه الخديعة يجب أن تقف فوراً.
يجب أن نمتنع عن إرسال القمح إلى الجمهورية العربية المتحدة، ويجب أن نباشر كل ما نستطيع من ضغط على الهيئات الدولية لكى توقف كل تسهيلات اقتصادية تقدمها لناصر”.
فى هذه الحالة لا يبقى أمامه غير أحد أمرين:
– توقف التنمية إذا أصر على أن يشترى سلاحاً.
– التوقف عن شراء السلاح إذا كان مصراً على التنمية.
وقال السناتور كيتنج فى ختام كلامه:
“إن الناخبين فى الولايات المتحدة الأمريكية سوف يصابون بصدمة حينما يعرفون حقيقة الموقف الذى جرنا إليه ناصر.
إنها كارثة أن نجد معونة الولايات المتحدة -فى حقيقة الأمر- موجهة ضد أخلص أصدقاء الولايات المتحدة فى منطقة الشرق الأوسط وأعنى إسرائيل”.
ثم استطرد كيتنج بالحرف:
– “وليست إسرائيل وحدها هى التى حاولت أن تلفت نظر وزارة الخارجية الأمريكية إلى خطورة المسـألة، وإنما أنا أعرف أن حكومات عربية متعددة أبدت قلقها من هذا الوضع.”
ثم كانت آخر كلمة فى خطاب كيتنج هى قوله:
– إن الرأى العام الأمريكى له الحق فى أن “يمرض” من هذه السياسة العمياء التى تورطت فيها الولايات المتحدة.
رابعاً – لم يكد السناتور كينيث كيتنج يسكت حتى أمسكت بطرف الموضوع صحف كثيرة فى نيويورك ولندن وباريس وبروكسل، وتزعمت جريدة النيويورك تيمس هذه المرحلة من الحملة المنظمة، وأكثرت من التحدث عن قلق إسرائيل تجاه ما يجرى، ووصل معلقها المشهور دانا آدم شميدت فى تحقيق له من بيروت نشر بتاريخ 16 يونيه، إلى حد القول حرفياً بما يلى:
“بالرغم من سياسة عبدالناصر المعادية للغرب، وبالرغم من اتجاهاته الاشتراكية، فإن الساسة فى دمشق، وعمان، والرياض، وبغداد، وصلوا إلى نتيجة مؤداها أن واشنطن تعتبر أن جمال عبدالناصر هو القوة الوحيدة التى يمكن أن يكون لها شأن فى المنطقة، وأن دعوته – أردنا أولم نرد – هى اتجاه المستقبل.
“وكلهم يلاحظون بحرارة أن الولايات المتحدة لا تظهر ثقة كافية فى إمكان استمرار الأنظمة الملكية فى الأردن وفى الرياض، كما أنها تظهر ثقة أقل فى احتمالات بقاء نظام اللواء قاسم، فضلاً عن الأنظمة المهزوزة المتعاقبة على سوريا”.
– خامساً – امتلأت الصحف فيما تلا ذلك من أيام وأسابيع بسيل منظم من الخطابات، يلح فيها مرسلوها على وقف كل تعامل مع الجمهورية العربية المتحدة، وعلى الضغط إلى آخر مدى على صندوق النقد الدولى ليوقف اتفاقه مع القاهرة.
واتسعت الحملة خارج أعمدة الصحف، وبدأت الاجتماعات الواسعة تعقد تحت رعاية المنظمات الصهيونية، بالعشرات كل يوم، والحديث فيها نفس الحديث، وموضوع المناقشة لا يتغير!
وبرغم أن وزارة الخارجية الأمريكية حاولت توضيح موقفها بكل الوسائل فإن الحملة لم تتوقف حتى هذه الدقيقة.
– قال ممثل وزارة الخارجية الأمريكية فى اجتماع للجنة الشئون الخارجية لمجلس الشيوخ:
– إن الولايات المتحدة جربت كل وسيلة لإقناع القاهرة بالانحياز إلى سياسة واشنطن لكن جميع المحاولات على اختلاف أنواعها لم تصل إلى هدفها المرجو.
وكانت الولايات المتحدة تتصور دائماً أن القاهرة لن تستطيع الثبات على حيادها وأنها سوف تنحاز – ولو بتأثير سياستها المعادية للغرب- إلى جانب الشرق، ولكن ذلك لم يحدث وتمكنت القاهرة بطريقة مذهلة من الاحتفاظ بحيادها.
كذلك فإن القاهرة تمكنت أيضاً من أن تكون قوة سياسية عربية ودولية متحركة، ولم يعد فى الإمكان تجاهلها تحت أى ظرف من الظروف.
لكن اجتماع اللجنة كان صاخباً، واضطر المستر فردريك دوتون مساعد وزير الخارجية الأمريكية أن يكتب خطابات شخصية إلى أعضائها يعيد لهم شرح السياسة الأمريكية من جديد.
ولقد أذيع نص أحد هذه الخطابات فى التقرير عن الشرق الأدنى الذى نشر فى واشنطن بتاريخ 19 يونيه 1962، وكان الخطاب موجهاً من “فردريك دوتون” إلى السناتور كينيث كيتنج وجاء فيه بالحرف:
“إن الولايات المتحدة كان لابد لها أن تحاول إنشاء علاقات عادية مع الجمهورية العربية المتحدة، بعد فترة طويلة من التأزم فى السنوات السابقة، لم تؤدِ إلى شىء”.
واستطرد دوتون فى خطابه إلى كيتنج:
“إن الجمهورية العربية المتحدة مصممة فيما يبدو على أن تمارس استقلالها الوطنى وأن تتبع سياسة عدم الانحياز، ولقد وجدناها تقاوم الانضمام إلى الكتلة السوفيتية بنفس القوة التى رفضت بها من قبل أن تنضم إلى أى كتلة أخرى.
ولم يعد فى إمكان الولايات المتحدة، ولا فى مصلحتها، أن تتجاهل وجود مثل هذه القوة المؤثرة فى المنطقة”.
وطبقاً لنفس التقرير فإن “دوتون” – على ما يبدو- قال بعد ذلك فى اجتماع حضره بعض أعضاء مجلس الشيوخ المهتمين بالمسألة:
“إن أى مساعدات أمريكية تقدم إلى القاهرة لا تؤثر بأى شكل فى تمكين عبدالناصر من تقوية جيشه بشراء ما يحتاج إليه من معدات حديثة.
إن ناصر يملك فائضاً من القطن يشترى به ما يشاء من السلاح.
ولو أوقفنا كل تعامل معه فلن يؤدى ذلك إلى ضغط عليه يصل به إلى التوقف عن التسليح”!
وبرغم ذلك كله، فالضجة حتى الآن لا تسكت.
وإذا هدأت يوماً استأنفت نشاطها فى غده أعنف مما كانت. حتى هذه الدقيقة.
والسؤال بعد ذلك:
– لماذا هذا كله الآن؟
والرد، أن الدراسة الدقيقة للموقف تظهر أسباباً ثلاثة لهذه الضجة الصاخبة الآن، بالذات.
السبب الأول: أن إسرائيل تحس أن الحصار الاقتصادى الذى كان مضروباً بطرق مباشرة وغير مباشرة، من حول الجمهورية العربية المتحدة، قد بدأ يضعف. وأن الجمهورية العربية تمكنت بنجاح من أن تمد جسوراً من التعاون الاقتصادى مع العالم كله بغير تحيز وبغير اعتبار إلا اعتبار مصلحتها، وتلك فى ميزان القوى الحقيقية مسألة لها أثرها ولها نتيجتها بعيدة المدى.
السبب الثانى: أن إسرائيل تشعر أن الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية فى الجمهورية العربية المتحدة قد انتهت بطريقة حاسمة من تحديد طريقها إلى أهدافها، وأن جهوداً واسعة وشاملة تندفع الآن إلى بناء قوة ذاتية للتقدم العربى الإيجابى.
وإسرائيل تدرك- وذكاؤها فى هذا الإدراك أعمق مع الأسف من وعى حفنة الملوك والزعماء والساسة العرب الذين مازالت قضايا العرب الكبرى فى نظرهم ألفاظاً مرصوصة، وحكايات وخرافات وخيالات لا تقدر على أى عمل حقيقى.
إسرائيل تدرك أن التقدم الذاتى الاقتصادى والاجتماعى، هو قوة عند المواجهة النهائية لا تقل أثراً عن قوة السلاح. بل لعلها أقوى من السلاح.
السبب الثالث: أن إسرائيل تظن أنها فى هذه الفترة بالذات، تستطيع- فى محاولتها إعادة ترميم أسوار الحصار الاقتصادى المتهاوية، ثم عرقلة جهود التقدم الذاتى للجمهورية العربية المتحدة بقدر ما تقدر عليه، وتتمكن- أن تسوق أمامها – ولو من غير تنسيق وربما بدون إدراك – جهوداً عربية أخرى، تساعدها فيما ترمى إليه، وتيسر عليها ما تقصد تحقيقه.
ثم أكاد أن أضيف إلى هذه الأسباب الثلاثة سبباً رابعاً – لكنى أضيفه بالتساؤل، دون أن أقطع فيه بيقين:
– هل يمكن أن يكون السبب أن إسرائيل تحاول فى هذه الفترة بالذات أن تخفى شيئاً آخر تقوم هى بـه، وتريد ضجة مفتعلة تستره وتغطى عليه؟
أقول ذلك وأنا أتابع قصة غريبة تجرى الآن فى إسرائيل، فى همس مثير، يحتار معه سامعه:
أهو همس مقصود به أن لا يسمع، أم هو همس يراد له أن يصل همساً إلى كل الآذان لإضفاء جو معين على الموضوع الذى يدور من حوله الهمس المثير؟!
– منذ عدة أيام صدر فى إسرائيل بيان وقعته مجموعة من المفكرين فى مقدمتهم فيلسوف إسرائيل الكبير “مارتن باير” والبيان يطالب بمنع إنتاج أسلحة ذرية فى الشرق الأوسط ويناشد الرأى العام الإسرائيلى أن يتحرك وفى الوقت فسحة تتيح لحركته أن تنتج أثراً فعالاً.
– بعد البيان، قررت مجموعة المفكرين عقد مؤتمر صحفى يتولى فيه أحد أعضائها وهو “ايليزير ليفن” شرح الأسباب التى دعته وأصدقاءه من المفكرين إلى إصدار البيان، لكن نائب وزير الدفاع شيمون بيريز وهو فى نفس الوقت أقرب أعوان بن جوريون إليه- دعا رئيس اتحاد الصحافة الإسرائيلية إلى مقابلته فى مكتبه فى وزارة الدفاع وطلب إليه إلغاء المؤتمر الصحفى الذى كان مقرراً عقده فى نادى اتحاد الصحافة، وفعلاً أصدر الاتحاد قراراً بإلغاء المؤتمر الصحفى، ولم تجد مجموعة المفكرين صاحبة البيان الأول إلا أن تعيد إصدار بيان جديد تقول فيه: “إننا نعتبر أن إنتاج أسلحة ذرية فى هذه المنطقة خطر على إسرائيل كما هو خطر على الشرق الأوسط كله”.
– خرجت القصة كلها بعد ذلك بإذن الرقابة العسكرية الإسرائيلية، وخرجت ومعها معلومات جديدة عن المولد الذرى الإسرائيلى فى بئر سبع وعن الأبحاث الذرية التى تقوم بها إسرائيل تحت رعاية فرنسا وإشرافها.
ومن سماح الرقابة العسكرية الإسرائيلية بخروج القصة كلها وتفاصيلها تحدثت عن الهمس المثير!
وهل هو مقصود لكى لا يسمع؟
أو هو مقصود لكى تسمعه الآذان؟
لغز غيرى يتولى حله، ولكن تساؤلى يبقى:
– هل يمكن أن يكون السبب فى هذه الضجة. هذا الوقت بالذات بقصد إخفاء شىء آخر تقوم به إسرائيل وتريد ضجة مفتعلة تستره وتغطى عليه؟
ومع ذلك فإن البحث عن الأسباب التى تكمن وراء الضجة الإسرائيلية -فى رأيى- جهد ضائع!
سواء أكانت الأسباب الثلاثة التى عددتها هى كل الأسباب أو كانت هناك أسباب أخرى غيرها.؟
وسواء أكان السبب الرابع الذى أضفته إليها بعد ذلك حقيقة واقعة، أم كان مناورة موجهة.؟
فإن ثمة شيئاً واحداً يبقى بعد ذلك، ويبقى بوضوح قاطع لا يقبل الظلال وهو:
“أن الجمهورية العربية المتحدة ماضية فى دعم قواها العسكرية”.
وأحب أن أقول إننى لا أعرف إن كان ما ذكرته الضجة الإسرائيلية عن الأسلحة الجديدة التى أضيفت إلى ترسانات السلاح فى الجمهورية العربية المتحدة صحيحاً أو غير صحيح.
ولو عرفت الحقيقة – على أى حال – ما قلتها.
لكنى أعرف بغير شك وأقول بغير تردد:
إن الجمهورية العربية المتحدة ماضية فى دعم قواها العسكرية، فى إطار الحدود المقررة للدفاع فى ميزانيتها الحالية وهى 130 مليوناً من الجنيهات.
والجمهورية العربية المتحدة -فيما أعرف- تعتبر أن ذلك الحد كافٍ لمقتضيات الأمن العربى. ولو أن هذا الحد لا يمثل إلا 12 فى المائة من الميزانية الأخيرة للدولة كما أنه لا يزيد عن نسبة 7 فى المائة إلى الدخل القومى.
وليس هناك شك -عند غيرى أو عندى- فى أنه إذا جاء اليوم الذى تتطلب فيه مقتضيات الأمن العربى أكثر من هذا المبلغ فإن ميزانية الدفاع سوف تزيد، من أجل الاستعداد الحرب، ومن أجل شراء السلاح.
هكذا. نقولها من غير لف ودوران.
ولو قال لى قائل:
– ولكننا بهذه الطريقة القاطعة نعطى إسرائيل الحجة لكى تزيد من ضغطها فى العالم كله ضدنا؟
وأقول بغير تردد:
– لو قلنا بغير ذلك ما صدقنا أحد!
إن الدنيا كلها تعرف أن الجمهورية العربية المتحدة لن ترضى تحت أى ظرف من الظروف أن تسمح لإسرائيل بتفوق عسكرى عليها.
هذه مسألة أكدتها الحوادث. أكدتها بالأزمات الطاحنة، بل بالحروب الفعلية ناراً ودماً.
– حين أحست مصر سنة 1955- فى غارة غزة – أن احتكار السلاح فى المنطقة يحول دونها ودون القوة التى تمكنها من ردع العدوان. كسرت احتكار السلاح فى مواجهة جميع أشكال التهديد والإرهاب.
– حين قدم حلف الأطلنطى إلى إسرائيل، تحت ضغط فرنسا، أربعة أسراب من طائرات المستير رقم 4 فى شهر مارس سنة 1956. راحت مصر على الفور تحاول شراء طائرات الميج رقم 17.
– سنة 1958 وإسرائيل تحاول الحصول على غواصات من بريطانيا لم تنتظر الجمهورية العربية المتحدة، وإنما بادرت إلى تعزيز أسطول غواصاتها، وجعلت منه أقوى أسطول للغواصات فى البحر الأبيض.
– فى الاستعراض العسكرى السنوى الإسرائيلى فى مايو سنة 1961 أظهرت إسرائيل طائرات الميراج الفرنسية السريعة وفى 23 يوليو بعدها بأسابيع حلقت فى الاستعراض العسكرى العربى بمناسبة العيد التاسع للثورة طائرات الميج 19 والطائرة العربية النفاثة “القاهرة”.
– أطلقت إسرائيل بعد ذلك صاروخاً إلى الجو سمته باللغة العبرية “شافيت” بينما اسمه الأصلى – عند الفرنسيين الذين صنعوه – هو مونيك رقم 5، ثم راحت تلمح بعده إلى احتمالات حصولها على قنبلة ذرية.
وبدون حاجة إلى ذكاء كبير فلست أتصور أن الجمهورية العربية تستطيع أن تترك الفضاء فى الشرق الأوسط لصواريخ فرنسا تطلقها إسرائيل.
كما أنها مهما كانت الظروف والتضحيات لا تستطيع أن تسمح لإسرائيل بتفوق ذرى عليها!
إن الظروف نفسها تلقى مسئوليات جديدة كل يوم على السلاح العربى.
إن ظروف التطور الاجتماعى والسياسى تلقى على السلاح العربى مسئولية الأمن لا بالنسبة لحدود الجمهورية العربية المتحدة وحدها، وإنما بالنسبة للأمة العربية كلها.
ومع أن مسئولية السلاح العربى كانت – منذ تبلورت أهداف ثورة 23 يوليو- مسئولية قومية لا تقتصر على الحدود الوطنية. إلا أن الظروف زادت هذه المسئولية بأحداث التطور الاجتماعى والسياسى.
إن الأمة العربية كلها كانت ولا تزال تعيش مرحلة مخاض ثورى اجتماعى.
وهذا المخاض الثورى الاجتماعى كان ضرورياً – حتى لصالح الأهداف السياسية للنضال العربى الشـعبى.
إن الحكم وسلطة الدولة كانت فى العالم العربى كله تحت سيطرة العناصر الرجعية الخاضعة بدورها لنفوذ الاستعمار، ونفوذ الاستعمار، هو نفسه خالق وجود إسرائيل.
وإذا كانت استعادة الحقوق الضائعة لعرب فلسطين فى مقدمة الأهداف السياسية للنضال العربى الشـعبى، فلقد كان عبثاً ومستحيلاً أن تستطيع الأنظمة الرجعية الحاكمة فى العالم العربى أن تفعل شيئاً إيجابياً لتقريب يوم تحقيق هذا الهدف.
إن الذى صنع الوجود الإسرائيلى هو نفسه الذى صنع للرجعية العربية عروشها، وهو شريكها الكبير فى مصالحها المنهوبة من الشعوب.
ولقد كان الشعب فى الجمهورية العربية المتحدة، بحكم واقع طبيعى وتاريخى هو الذى تمكن بثورة 23 يوليو من اجتياز فترة المخاض الثورى والبروز من داخل الكيان القديم لأمته، ميلاداً جديداً مليئاً بالحـياة، مطالباً بها، لنفسه ولأمته الكبيرة.
من هنا المسئولية الأساسية للسلاح فى الجمهورية العربية المتحدة.
يضاعف من أهميتها نتائج بعض ما حدث من آثار فترة المخاض الاجتماعية الثورية.
– إن الجيش العربى الأردنى بعد صحوة كانت تبشر بالأمل طعن من الظهر وعاد إلى حيث أريد له منذ اليوم الأول لإنشائه أن يكون. سنداً لعرش أقامه المستعمر.
– إن الجيش العربى السعودى مثقل بأغلال وقيود ورواسب لم تتح له الفرصة حتى الآن لمجرد إثبات وجوده.
– إن الجيش العربى العراقى الذى استخلصه الكفاح الشاق من بين قبضة حلف بغداد الحديدية، قد بعثرته الحماقة والأنانية وضيعت تأثيره: ثلثه الآن يهدد الكويت فى جنوب العراق، والثلث يحارب الأكراد فى شمال العراق، والثلث الأخير يحمى وزارة الدفاع – مقر اللواء عبدالكريم قاسم – لا أدرى أو سجنه – فى قلب بغداد!
– ثم الجيش العربى السورى الذى استدرجه أخطبوط الرجعية حتى أطبق عليه بأذرعه العديدة وهو مازال حتى الآن يحاول تخليص حركته من أذرع الأخطبوط كلما قطع منها ذراعاً. التفت حوله ذراع. وهو الآن على أى حال فى أعماق الخضم السورى يحاول تخليص نفسه.
ومن هنا المسئولية المضاعفة للسلاح العربى المصرى، هذه المسئولية التى تحتم تدعيمه باستمرار تمكين قدرته فى مواجهة كل الظروف.
مهما كانت محاولات إسرائيل.
مهما كانت مناوراتها.
مهما كانت القوى التى تستطيع تحريكها أو تحريضها علينا.
هكذا، بوضوح، ومن غير لف أو دوران!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=482