بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: التاريخ يعيد نفسه

التاريخ يعيد نفسه
حزب البعث.على طريق عبدالكريم قاسم. إلى نهايته!
بإرادته، أو بغير إرادته، يسير حزب البعث الآن على طريق عبدالكريم قاسم، واصلاً عليه إلى نهايته!
إن التاريخ يعيد نفسه.
وليس معنى ذلك أننا نقبل الشعار الذى يقول بأنه ليس هناك تحت الشمس جديد.
بالعكس. إن الشمس فى عالم النصف الثانى من القرن العشرين تشرق كل فجر على حياة منهمكة فى تجديد نفسها بنشاط وشباب.
وإنما يصدق القول بأن التاريخ يعيد نفسه. حينما تتعطل حركة الحياة.
لأن بقاء نفس العوامل وجمودها على موقف من المواقف لابد أن يحدث نفس النتائج.
تكاد هذه أن تكون معادلة رياضية لا تحتمل الخلاف.
وحزب البعث الآن يعيش تحت نفس العوامل التى صنعت عبدالكريم قاسم. وحددت طريقه ونهايته.
من هنا، وليس من أى اعتبار آخر القول بأن التاريخ يعيد نفسه:
– لم يكن عبدالكريم قاسم هو ثورة 14 يوليو سنة 1958، وإنما كان على أحسن الفروض شريكاً فيها، وكذلك كان حزب البعث فى التغييرات الثورية فى العراق وسوريا فى فبراير ومارس من سنة 1963، بل إن هذا الحزب فى سوريا لم يكن حتى شريكاً فى أحداث يوم 8 مارس، ولم يزد دوره فى هذا اليوم الغريب عن دور المتفرج على الحوادث يريد أن يقحم نفسه على دور فيها!.
– وبدأ قاسم بالأنانية الفردية يتخلص من رفاق الثورة وشركائها واحداً بعد واحد، بالتهم الملفقـة، وبالمحاكمات الصورية، وبأحكام السجن وأحكام الإعدام. وكذلك بعده فعل حزب البعث، برفاق الثورة فى العراق، وبأصحابها الحقيقيين فى سوريا.
تكفلت الأنانية الحزبية سنة 1963 بأداء نفس الدور الذى قامت به الأنانية الفردية سنة 1958.
– وأصبحت ديكتاتورية الفرد تحت شعار “وحدانية الزعيم” هى مصدر السلطة العليا فى عهد قاسم، تماماً كما أصبح القول سنة 1963 بأن “الحزب هو قدر الأمة العربية” شعاراً لإخفاء ديكتاتورية حزب البعث فى بغداد ودمشق اليوم.
– وكانت النتيجة المحتمة سنة 1958 أن الثورة فى العراق تراجعت لتتحول إلى انقلاب وهو نفس ما حدث ليوم 8 فبراير فى العراق ويوم 8 مارس فى سوريا. كلاهما كانت له احتمالات ثورية، لكن كلاهما انكفأ ليصبح مجرد انقلاب.
بل إن 14 يوليو 1958 فى العراق استطاع قبل أن يلحقه المسخ والتشويه أن يحقق بعض الأعمال الكبيرة كإخراج العراق رسمياً من حلف بغداد، وإبعادها عن فلك الإسترلينى، وتصفية قاعدة الحبانية، وإصدار قانون الإصلاح الزراعى بصرف النظر عما جرى له بعد ذلك، أما 8 فبراير فى العراق و8 مارس فى سوريا فكلاهما تغيرت طبيعته قبل أن يستطيع إنجاز شىء.
– أصبح عبدالكريم قاسم فى النهاية وليس من حوله غير العزلة، وبصرف النظر عن كل الأوصاف الطنانة التى كانت ترددها إذاعة بغداد عن “الزعيم الأوحد” و”ابن الشعب البار الأمين” و”الشمس المشرقة” ثم اضطر إلى الاعتماد على حليف غير قومى ولم يكن أمامه غير الشيوعيين حليفاً فاعتمد عليهم فى لعبة التوازن الدموى الرهيب.
وكذلك حزب البعث اليوم، ليس من حوله غير العزلة، بصرف النظر عن الأوصاف الطنانة التى تتردد من إذاعات بغداد ودمشق عن “الطليعة الثورية” وعن “القيادات المتمرسة بالنضال” وعن أن “الحزب هو قدر الأمة العربية” وكل الدلائل الآن تشير إلى أن الحزب يبحث مضطراً عن سند غير قومى يساعده على عزلته القومية، والاستعمار اليوم على استعداد للقيام بنفس الدور الذى قام به الشيوعيون بالنسبة لعهد عبدالكريم قاسم. سواء وعى الحزب هذه الحقيقة أو سار إليها بغير وعى.
وإذن تتكرر مأساة عبدالكريم قاسم وإنما بالمقلوب.
ويحل الاستعمار فى التوازن الدموى الرهيب الذى يقيمه حزب البعث محل الشيوعيين فى التوازن الرهيب الذى أقامه من قبل عبدالكريم قاسم.
ولم يكن عبدالكريم قاسم ينتمى إلى الشيوعيين، بل لقد حاربهم فى بعض الظروف، لكن عزلته القومية، فرضتهم عليه فى النهاية ضريبة يؤديها راضياً أو كارهاً.
كذلك حزب البعث، والاستعمار الآن بصرف النظر عن أى مواقف سابقة.
إن العزلة القومية سوف تقتص ضريبتها رضى أو كره، ويجد الحزب نفسه مع الاستعمار جنباً إلى جنب ضد نفس العدو، بنفس الأساليب، من أجل نفس الأهداف!
يكرر التاريخ نفسه.
والتاريخ يكرر نفسه حين لا يكون هناك تجديد. حين تكون المواقف خاضعة لنفس العوامل.
ولو بقيت الثورة فى العراق ولم تنتكس لتصبح انقلاباً، ولو تطورت الثورة فى سوريا ولم تنكفئ لتصبح إرهاباً. لكان هناك الأمل فى الجديد.
أما وقد تكررت نفس الظروف التى صنعت طريق عبدالكريم قاسم ونهايته فإن الحكاية تعيد نفسها مرة أخرى، مع اختلافات يسيرة فى التفاصيل.
ديكتاتورية الحزب. بدل وحدانية الزعيم.
والسند اللا قومى هذه المرة هو الاستعمار. بدلاً من السند اللا قومى فى المرة السابقة وهو الشيوعيون.
بل إن التشابه يمتد بعد ذلك إلى كثير من الملامح، برغم كل اختلاف ظاهرى.
حلت صحيفة السفارة البريطانية فى بيروت مثلاً، محل صحيفة الحزب الشيوعى وقامت بنفس دورها القديم.
وصحيفة السفارة البريطانية اليوم تستميت دفاعاً عن حزب البعث، كما كانت صحيفة الحزب الشيوعى تستميت دفاعاً عن عبدالكريم قاسم.
– المحور المعادى للقاهرة، والعامل صراحة أو مواربة من أجل عزلها، والذى سعى عبدالكريم قاسم وناظم القدسى إلى إقامته فى اجتماع الرطبة، جرت فى الأسبوع الماضى محاولة بعث الحياة فيه خلال اجتماع شهدته بغداد.
– الدعاوى التى كانت تتردد دفاعاً عن عبدالكريم قاسم يعاد اليوم ترديدها دفاعاً عن حزب البعث، وكان يقال أن عبدالكريم قاسم ليس ملكاً، وليس إقطاعياً، ولكنه يمثل حركة تقدمية، واليوم يقال أن حزب البعث ليس حزباً للرأسماليين أو الرجعيين، لكنه شىء يختلف.
وفى الحالتين كان هناك نسيان الحقيقة بديهية وأولية، هى أن التقدمية – على فرض وجودها – تضيع نفسها إذا ارتكزت على سند لا قومى، وهى مضطرة إلى ذلك حتى وإن لم ترده إذا أوصلت نفسها إلى موضع العزلة عن كل القوى القومية.
فى هذه الحالة تضطر إلى تضحية آرائها التقدمية على فرض وجودها – بسبب ضرورات حياتها.
إنها تبحث فى عزلتها عن حليف. وإذا لم تبحث عنه فهو يبحث عنها.
والحليف اللا قومى. مهما تظاهر، عقبة على طريق التقدم الحقيقى فى ظروف نضال الأمة الواحدة.
– كانت حكومة العراق الحالية، وليس غيرها، هى التى كشفت أن عبدالكريم قاسم الذى لم يكن ملكاً ولا إقطاعياً، هو الذى أعطى من خزينة العراق ستة ملايين من الجنيهات الإسترلينية تدعيماً لحكومة الانفصال فى دمشق التى قامت بسند الملوك والإقطاعيين وحاولت أن تعيد سوريا إلى ما كانت عليه قبل الوحدة. ضيعة للرأسماليين وللرجعيين!
لسوف يجئ يوم يتكشف فيه أن البعث فى العراق دفع الملايين بغير عدد لعناصر لا شك فى اتصالها مباشرة بمصالح الاستعمار، ومع أنى ما زلت حتى الآن أقول باقتناع أن الحماقة وليست الخيانة هى دافع البعث العراقى إلى ما يفعل فإن مضاعفات الحماقة إذا لم تتوقف تصل بأصحابها إلى موضع الخيانة. وليس يشفع لهم يومها جهلهم بعواقب ما يفعلون!
هو إذن طريق عبدالكريم قاسم ونهايته.
وإنما حل محل “الرجل الواحد”. “الحزب الواحد”.
وبدلاً من “وحدانية الزعيم”. يتحكم الآن “تسلط الحزب”!
وأعرف أنه عند هذه النقطة، سوف يقفز عدد من زعماء حزب البعث وفلاسفته – إن كان للحزب حقاً زعماء فلاسفة – ليقولوا بأعلى أصواتهم:
– هو الآن يغالط!
هو الآن يتناسى أن حكم الحزب الواحد، ليس بالضرورة تسلطاً حزبياً يسير فى طريق
مسدود!
إنه يعرف أن الحزب الواحد له ضرورته فى بعض الظروف، وفى الدنيا نماذج كثيرة للحزب الواحد تحكم بنجاح، وتقود التطور فى بلادها على سند من إرادة الجماهير.
ورداً على ذلك أقول:
– هذا صحيح فى حالة واحدة. حين يكون هناك حزب، وحين يكون هذا الحزب ثورياً.
والسؤال الحاسم الآن:
– هل البعث حزب. وهل هو حزب ثورى؟!
ومخلصاً أحاول مناقشة هذا السؤال بمقياس علمى. متجرداً من أى عاطفة تجاه البعث!
ولنبدأ المناقشة على الفور.
– ما هو معنى الحزب؟
من غير سفسطات أو غيبيات الرد على هذا السؤال هو:
– الحزب مجموعة من الأفراد، لهم نفس المصالح، يتجمعون معاً لعمل سياسى يضمن أن تكون سلطة الدولة فى حماية مصالحهم.
إن المصالح المتصادمة، مصالح الإقطاعيين وعمال الزراعة مثلاً لا يمكن أن يجمعها حزب واحد، مصالح أصحاب المصانع الكبرى وعمال هذه المصانع مثلاً لا يمكن أن يجمعها حزب واحد.
وإنما الحزب بالطبيعة تعبير عن المصلحة الواحدة. أى عن الطبقة الواحدة أو بتعبير آخر فإن “الحزب هو مظهر الحركة السياسية لطبقة من الطبقات المكونة للمجتمع”.
وحين تكون هناك دعوة لحكم حزب واحد، فلا يمكن إلا أن يكون ذلك تعبيراً عن الرغبة فى سيادة طبقة واحدة.
وفى الاتحاد السوفيتى مثلاً حزب واحد، وكذلك فى غيره من الدول الشيوعية، وذلك طبيعى لأن السيادة هناك لطبقة واحدة تمثلها ديكتاتورية البروليتاريا.
وكان فى ألمانيا النازية مثلاً حزب واحد، وكذلك فى غيرها من التجارب الفاشستية، وكان الحزب النازى يمثل المصالح الكبيرة فى ألمانيا وينظم التنازلات التى كانت الطبقة السائدة تمنحها لغيرها من الطبقات.
وننتقل الآن إلى تطبيق ذلك على حزب البعث. ودعواه بحكم الحزب الواحد.
إن السؤال الذى يفرض نفسه الآن هو:
– أى طبقات المجتمع يمثلها حزب البعث؟
– هو بالقطع لا يمثل طبقة العمال والفلاحين وحدهم ويسعى إلى ديكتاتورية البروليتاريا.
– كذلك فليس هو الممثل للمصالح الكبيرة، مصالح الطبقة العليا للمجتمع، ولقد تستعمله هذه الطبقة مرحلياً سلماً تقفز به إلى السلطة – لكنه للإنصاف لا يمثل مصالحها.
نبحث احتمالاً آخر قد يطرأ على المناقشة:
– ألا يمكن أن يمثل الحزب الواحد أكثر من طبقة واحدة؟
من غير سفسطات أو غيبيات – مرة ثانية – فإن الرد على هذا السؤال هو:
– صعب، ومع ذلك فهو جائز فى بعض الظروف ولكن بشروط.
– الشرط الأول: إن يكون المجتمع قد جاوز مرحلة التخلف الاقتصادى والاجتماعى وبلغ مرحلة الانطلاق.
أى أن يكون المجتمع قد وصل بالتنمية إلى حالة من الوفرة تحقق الكفاية ومن ثم تسمح بالعدل.
فى بريطانيا مثلاً يجوز أن يحدث ذلك.
ومع أن حزب العمال هناك يعبر عن مصالح الطبقة العاملة فإنه فى نفس الوقت يستطيع أن يصون مصالح بقية الطبقات، لأنه لم يعد هناك تصادم حاد بين مصالح كل الطبقات فى بريطانيا.
والسبب هو الوفرة التى تحققت من نزح ثروات المستعمرات، واستعمال هذه الثروات فى تنمية صناعية فى وقت مبكر أحدث مع مرور السنين أثره فى زيادة قاعدة الثروة الوطنية إلى حد يسمح بزيادة قاعدة توزيعها.
– الشرط الثانى: وهو نتيجة للشرط الأول، أن يبطل الحديث عن الثورة وعن الحاجة لها، فإن التطور التلقائى أو المنظم هو الحل المنطقى والأسلم فى مثل تلك الظروف.
وحزب العمال فى بريطانيا مثلاً لا ينادى بالانقلاب ولا بالثورة، وإنما هو ينادى بالتدرج والتطـور. ومن هنا لا يحتكر العمل السياسى حزب واحد وإنما يكون تعدد الأحزاب ممكناً. ولازماً!
إن زوال التصادم الاجتماعى بين مصالح الطبقات يفتح الباب للتفاعل بينها ويمكّن من تغيير مواقع القوة فى علاقاتها ببعضها من غير حاجة إلى الثورة وعنفها سواء كان عنفاً أبيض أو كان عنفاً مخضباً بالدماء!
فإذا ما انتقلنا إلى تطبيق ذلك على حزب البعث فإن هناك على الفور فى ظروفه تجافياً مع هذه الشروط:
– الأول: أن سوريا والعراق لم تتجاوزا بعد مرحلة التخلف، مع وجود سيطرة لطبقة تملك المصالح الكبيرة أو أكثرها الأمر الذى يجعل التصادم محتماً.
– الثانى: أن حزب البعث نفسه يرفع شعار الثورة كحل وحيد لهذا التصادم، وربما من هنا المأساة الحقيقية لحزب البعث. إذ هو يرفع شعارات الثورة ولا ينفذها. ولا يقدر على تنفيذها.
ويجئ احتمال ثالث هنا:
– ألا يمكن أن يكون هناك تنظيم سياسى لا يمثل طبقة واحدة ويعبر عن سيادتها المطلقة، وإنما يمثل أكثر من طبقة فى المجتمع ويواجه فى الوقت نفسه ضرورة الحل الثورى لمشاكل هذا المجتمع؟
من غير سفسطات ولا غيبيات – مرة ثالثة – الرد كما يلى:
– مثل هذا التنظيم السياسى وجدته بالفعل تجربة النضال الاجتماعى فى مصر.
لكنه لا يقوم على الحزب الواحد الذى لا يمكن إلا أن يعبر عن مصالح الطبقة الواحدة.
وإنما يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة بعد إسقاط استغلال الطبقة القديمة المتحكمة.
فى هذه الحالة لا يكون هناك حزب واحد.
وإنما فى هذه الحالة تكون هناك جبهة اجتماعية متحالفة. تمثل مصالح قد تتناقض فى بعض الظروف لكنها لا تتصادم:
– بالعنف الثورى تسقط الطبقة القديمة المستغلة محتكرة المصالح والمتصادمة إلى آخر المدى مع حقوق الجماهير.
– وبالتفاعل الثورى – بعد العنف سواء كان العنف الأبيض أو العنف الدموى – تنظم حركة المجتمع نحو تذويب الفوارق بين طبقاته ويساعد على ذلك تجميع المدخرات الوطنية وتوجيهها إلى خطة منطلقة بكل الطاقات إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إن ثورة مصر وجدت هذا الحل.
وتابعتها فيه ثورات وطنية عديدة تدرك بوعى، خطورة الظروف التى تواجهها مجتمعاتها تحت ظروف الحاجة الملحة إلى الاستثمارات وتحت ضغوط الحرب الباردة وأعاصيرها المخيفة.
لكن حزب البعث لا يقبل بهذا الحل.
ولو قبل به لألغى وجوده كحزب.
وإذا ماذا يبقى لحزب البعث علمياً:
– هو لا يريد أن يمثل طبقة واحدة. البروليتاريا لا تريده لأنه ليس منها. والرأسمالية لا يريدها هو ويحاول أن يهرب منها.
ليكن!
– لكنه بعد ذلك لا يستطيع أن يمثل أكثر من طبقة لأن ذلك مستحيل فى ظروف مجتمع متخلف تحكمه طبقة مستغلة. فإن التصادم فى هذه الحالة محتم والثورية تقتضى تحديد موقف محدد من صراع الطبقات الحتمى والطبيعى.
ليكن!
– لكنه أخيراً يرفض الحل الوحيد الذى أوجدته التجربة الحية فى المجتمع المصرى والذى قبلته مجتمعات كثيرة أخرى تعيش نفس ظروفه فى آسيا وأفريقيا. بل هو يرفض أن يناقشها علمياً. ويكتفى بالهجوم عليها وتجريحها ويسميها لملمة فلاحين وعمال ومثقفين وجنود ورأسمالية وطنية!
ليكن!
أدهى من ذلك كله أنه لا يقدم جواباً علمياً على السؤال الذى يطرحه وجوده ذاته.
والنتيجة التى لا يمكن تفاديها – علمياً – هى أن البعث:
– ليس حزباً.
– وليس ثورياً.
وتلك هى الحقيقة.
إن البعث – على أحسن أحواله – حركة قامت فى ظروف المجتمع العربى، قبل مرحلة الثورة الاجتماعية.
وهى تنتمى بطبيعتها إلى المجتمع القديم وقصارى ما تحلم به هو أن تحاول إصلاحه من الداخل، والدليل على ذلك أنها عاشت عشرين عاماً قبل الثورة الاجتماعية وهى تتعامل مع النظام القديم، وتتعاون معه، وقد تختلف أحياناً ولكن بغير تصادم وبغير ثورة‍‍.
لقد نشأت على حافة نظام الطبقة المسيطرة القديمة وماشتها وسايرتها.
وحتى بعد أن بدأت الثورة الاجتماعية العربية فإن حركة البعث لم تقدر على مواجهة مسئولية تحديد موقف محدد من حركة النضال الاجتماعى.
والواقع أن ما يسميه الناس غيبيات من فلسفة حزب البعث، ليس تيها غافلاً، لكنه هروب مقصود من تحديد موقف.
إن أى محاولة من جانب البعث لتحديد موقف له من حركة النضال الاجتماعى سوف تنتهى إلى تصفية وجوده على صورته الراهنة ولابد أن تصل به: إما إلى تطوير جذرى لنفسه وإما إلى إلغاء كامل لهذا الوجود.
ومن هنا انتهازية البعث سواء بادعاء أنه حزب أو بافتراض كونه مجرد حركة.
من هنا كان سهلاً عليه فى الماضى، داخل الوطن الواحد أن يضع أكاليل الغار على رأس كل مغامر عسكرى. ابتداءاً من حسنى الزعيم حتى أديب الشيشكلى.
وكان سهلاً عليه فى الماضى داخل الوطن الواحد أن يشارك فى وزارات خالد العظم.
واليوم امتداد طبيعى للأمس. حيث البعث فى سوريا الآن مجرد حذاء يخوض به ديكتاتور صغير فى بركة من الدم لكى لا تتلطخ قدماه.
والبعث سواء عن تآمر أو غفلة يتحرك بانتظام إلى حيث يسنده ويستند عليه الاستعمار الجديد فى المنطقة.
نفس طريق عبدالكريم قاسم ونهايته. وإنما – كما قلت بالمقلوب.
بدل الشيوعيين. يتقدم الاستعمار سعيداً وراضياً.
وبدل وحدانية الزعيم. تسلط الحزب.
وليته مع ذلك كان حزباً!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=429