النساء والذرارى بقلم نوارة نجم

فى يوم 2 مارس 2013، كتبت مقالًا فى جريدة «التحرير» بعنوان: دموع الرئيس. كان حديثًا عن رواية تافهة، مختلقة، رواها المخلوع «2»، عن طفل قبضت عليه قوات الداخلية -وكان وقتها محمد إبراهيم هو وزير الداخلية، وأحب أن أكرر تذكيرى بأن مرسى أتى به لأن سالفه لم يرض نهم الرئيس للدماء- ويزعم المخلوع «2» أن الداخلية وجدت فى جيبه شهادة ميلاده، ولما سُئل لِمَ تحمل شهادة ميلادك؟ قال: لأننى طفل صغير ولا أحمل تحقيق شخصية، فأخذت أمى 600 جنيه مقابل نزولى للمظاهرات ووضعت فى جيبى شهادة ميلادى حتى إذا ما وجدوا جثّتى تعرفوا على شخصيتى. وأشفع المخلوع «2» هذه القصة بقوله: فدمعت عيناى، وبس. ولم يقل بعد أن دمعت عيناه ماذا فعل لهذا الطفل، ولأكثر من 140 طفلًا كانوا رهن احتجاز «الداخلية»، وقتها، كان النشطاء يذهبون للبحث عن أصدقائهم الذين كانوا عادة ما يختفون، وبعد مدة يعثر عليهم فى المشرحة، وشاهد النشطاء والمحامون عددًا مهولًا من جثث الأطفال مجهولى الهوية فى المشارح. ووقتها، كانت جماعة الإخوان المسلمين، ولجانها الإلكترونية، تتحدّث بقسوة عن هؤلاء الأطفال: أطفال شوارع مأجورون، وهمّ الأطفال يفهموا حاجة عشان يتظاهروا؟

كنت أعرف بعضًا من أطفال الشوارع الذين كانوا يشاركوننا التظاهرات، وزرت بعضهم فى الحجز، وإن كان الإخوان الذين يأتون بالأطفال من الملاجئ الآن ويلبسونهم أكفانًا ليتاجروا بهم، ما زالوا يريدون معرفة علّة خروج أطفال الشوارع، الذين استحلوا قتلهم وسجنهم، لأنهم بلا أهل ولن يبكيهم أحد سوى ملائكة السماء، فإن أطفال الشوارع كانوا يخرجون فى التظاهرات ويشاركون فى الاعتصامات لعدة أسباب، أولًا: حسن المعاملة والحنان اللذان كانوا يتلقونهما من المتظاهرين والمعتصمين، فأغلب المتظاهرين والمعتصمين من الشباب كانوا يعتبرون أطفال الشوارع من رفقاء الكفاح، ويتعاملون معهم بوصفهم قضيتهم الأساسية التى من أجلها خرجوا. ثانيًا: مَن أولى من الفقير كى يخرج ضد مَن أفقره وأجاعه؟ خصوصًا أن شعارات التظاهرات والاعتصامات لم تكن لتستعجم على الأطفال، فالأطفال لا يفهمون حقًّا شيئًا عما يسمى بالشرعية والشريعة، لكنهم يفهمون: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. سهلة دى. ولو كانوا من أطفال الشوارع لشعروا بأنها تمسّهم بشكل مباشر.

هذه المقدمة التى أكلت أكثر من نصف العمود، لا أهدف منها إلى القول للجماعة بأن الأطفال الذين يتمترسون هم بهم الآن فى رابعة يستحقون الموت، كما كانت الجماعة تقتل الأطفال إبان فترة حكمها. ولكن لأقول لكل القائمين على الأمر، وللمؤسسات الأمنية: لن نسمح لكم بقتل الأطفال فى اعتصامات الإخوان، هؤلاء الأطفال، والذين ينتمى أغلبهم إلى دور الأيتام التابعة للإخوان، وقد قدّم فيها الكثير من المحامين والحقوقيين بلاغات بتهمة تصدير الأطفال لاعتصام رابعة، هم بالأساس جريمة من حكم قبل الإخوان وتركهم فريسة لتجار الدين، كى يتاجروا بيُتمهم وفقرهم ويلبسوهم الأكفان، ويصدروهم فى الواجهة، حتى إذا ما فكرت قوات الأمن فى فض الاعتصام ألقوا بهؤلاء المساكين فى أتون الموت، ثم التقطوا صورًا لجثثهم ونشروها على العالم، كى يحرزوا بجثثهم أهدافًا تمكّنهم من العودة إلى السلطة.

لست خبيرة أمنية، لكننى أعرف ألف وسيلة ووسيلة لإنقاذ الأطفال من نير من يتمترسون بهم، وإخلاء النساء من المكان، ولو أخذت المهمة أشهر عدة، بل وسنوات، فحياة هؤلاء الأطفال تخصّنى بشكل شخصى، وتخص كل مواطن لديه الحد الأدنى من الإنسانية بشكل شخصى.. الأطفال لأ.. الأطفال لأ.. تحت أى بند، وبأى مبرر، لن يقبل أحد المساس بالأطفال داخل الاعتصام.

تتشوق جماعة الإخوان المسلمين إلى مذبحة تاريخية، تدعمها دوليًّا، وتعطى مسوغًا للقوى الإمبريالية التى جنّدتها لهدم مصر أن تشرع فى البدء لتنفيذ مخططها بتحويل مصر إلى نسخة أخرى من سوريا، ولن أقول لإشعال الحرب الأهلية، لأننا الآن فى حرب أهلية لم نتعرف عليها بعد. وأولئك المواطنون الأبرياء الذين لا يكفون عن الإلحاح فى تساؤلهم: فين تفويضنا؟ فين تفويضنا؟ كأنهم يستعجلون مذبحة تضر بأمن وصالح البلاد، وتضعنا جميعًا فى مأزق دولى، ناهيك بحساب الله والضمير، كما أنهم لا يعنون تمامًا ما يقولون من تعبيرات قاسية، فكل مَن يقول: ما يقتلوهم بقى ويخلّصونا منهم.. لن يتحمّل مشهدًا لطفل من دار أيتام مصاب بجرح ولو بسيط.

اعتصاما النهضة ورابعة ليسا اعتصامين سلميين، وليس أدل على ذلك من الجثث المعذبة التى تخرج منهما، لكن اعتصام رابعة أيضًا يتمترس بالأيتام، ويحتاج إلى خطة شديدة الدقة لفك أسر الرهائن.