الفتنة صناعة نظام

الفتنة صناعة نظام د. عماد جاد
نشر: 13/4/2013 3:01 ص – تحديث 13/4/2013 9:20 ص تحاول الجماعة العزف على وتر الدين، من أجل استعادة شعبيتها المفقودة، تلجأ إلى أساليب تقليدية لنظم استبدادية من أجل تقسيم المصريين والتفريق بينهم ورسم خطوط انقسام على أساس دينى، نفس الأسلوب الذى لجأ إليه السادات عندما جاء إلى السلطة خلفا لعبد الناصر، وجد نفسه فاقدا لكاريزما جمال عبد الناصر، ولم تكن لديه القدرة على مواجهة التنظيمات اليسارية والقومية لا سيما فى الجامعات المصرية، هنا قرر العزف على وتر الدين، شكل جماعات دينية وأمدها بالسلاح كى تواجه الناصريين واليساريين، منح نفسه لقب الرئيس المؤمن، ونعت مصر بدولة العلم والإيمان فى مرحلة جرت فيها أكبر عملية لنهب الأصول المصرية، نفخ فى وتر الطائفية وعزف عليه كثيرا، فوقف المجتمع المصرى على حافة الانفجار بعد أن وقعت حوادث فتن طائفية رتبها النظام كنوع من الرد على مقاومة الكنيسة، ورفض البابا شنودة تأييد زيارته للقدس ومعاهدة السلام مع إسرائيل. وجاء الانفجار مدويا فى السادس من أكتوبر ١٩٨١ عندما اغتالت عناصر من الجماعة الإسلامية السادات الذى وقف وراء تشكيلها، وجاء مبارك وواصل العمل بنفس القاعدة، استخدام ورقة الدين والطائفية كلما تأزم الموقف، وكان فى حاجة إلى إلهاء المصريين بعيدا عن المجال العام، واصل مبارك سياسات التمييز الطائفى، وقام جهاز مباحث أمن الدولة بالإشراف الكامل على هذا الملف، لدرجة أن أقباط مصر باتوا عبارة عن ملف فى أمن الدولة. مرة ثانية تصاعد الاحتقان الطائفى شعبيا، وتوالت الاعتداءات الطائفية، ووصلت إلى الذروة فى عام ٢٠١٠، ذلك العام الذى شهد عدة حوادث طائفية نوعية منها قتل ستة من الشباب الأقباط بعد الخروج من الكنيسة ليلة عيد الميلاد مساء السادس من يناير بمدينة نجع حمادى، وانتهى العام على جريمة غير مسبوقة فى تاريخ مصر وهى تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية، وهى جريمة تحيط بها علامات استفام كثيرة، وهناك تقديرات تقول بأنها من ترتيب جهاز أمن دولة حبيب العادلى، من أجل حرف الانتباه عن قضية التوريث التى كانت قاب قوسين أو أدنى من التنفيذ، وهناك تقديرات تقول بأنها كانت رسالة «عقاب» للكنيسة المصرية على خروج شبابها للمطالبة بحقوق المواطنة والمساواة. كانت مصر مع بداية عام ٢٠١١ على شفا انفجار طائفى، فقد نجح نظام مبارك فى زرع حالة من الكراهية الشديدة بين قطاعات من المسلمين والمسيحيين، وفى نفس الوقت كان واضحا أن هناك مقاومة من الجسد المصرى المنهك، كانت فئات عديدة من المصريين المسلمين تشعر بخطر ما يجرى وتصرخ رافضة عمليات التمييز والظلم بحق الأقباط، وأبدع شباب مصرى مسلم فى التعبير عن التوحد الوطنى من خلال سلاسل بشرية أحاطت بالكنائس ليلة عيد الميلاد عام ٢٠١١، حملوا الشموع والتفوا حول الكنائس فى رسالة تلقائية تقول بأننا كمصريين شعب واحد، كانت رسالة شعبية لرفض لعب النظام بورقة الطائفية. أقل من ثلاثة أسابيع على هذه الواقعة واندلعت شرارة ثورة الخامس والعشرين من يناير، ثورة شعب يطلب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وأيضا الوحدة الوطنية. وفى منتصف الطريق خطفت الجماعة الثورة، وبدأت فى إعادة أسس النظام القديم بوجوه جديدة، خرجت للتو من السجون، وضعت أسس نظام ينهض على التفرقة بين المصريين على أساس الدين، كثفوا من سياسات التفرقة والتمييز بين المصريين على أساس الدين، روجوا لخطاب دينى شديد العداء لأقباط مصر. لم يشتر الشعب المصرى بضاعتهم هذه المرة، فقرروا زيادة جرعة تديين المجال العام بإسقاط الحظر على استخدام الشعارات الدينية فى الانتخابات، أى أن الانتخابات ستكون بين أديان لا برامج سياسية لأحزاب يختار المواطن الأنسب منها لأفكاره من منطلق مصالحه الحياتية، وبعدها بأيام رتبوا لجريمة الخصوص، والاعتداء على الكاتدرائية المرقسية بالعباسية لأول مرة فى تاريخ البلاد الحديث، وفى مشهد سوف يتوقف العالم أمامه كثيرا، قصفت مصفحات وزارة الداخلية المقر البابوى بقنابل الغاز المسيل للدموع، وفرت الغطاء لبلطجية من أجل الاعتداء على مشيعى جثامين شهداء جريمة الخصوص، وأمام المقر البابوى حرقوا الكتاب المقدس وسط صيحات التهليل والتكبير، وأصدر مساعد الرئيس لشؤون العلاقات الخارجية بيانا باللغة الإنجليزية يتهم الأقباط بالمسؤولية عن الأحداث، وهو بيان كاذب تماما، لم تستطع مؤسسة الرئاسة الدفاع عنه، فاضطرت إلى التنصل منه وتبريره بأنه اعتمد على معلومات أولية!! كان المشهد برمته مدبرا، مخططا، هدفه رسم خطوط انقسام دينى فى مصر، بحيث تقول الجماعة إن الانتخابات هى بين الإسلام والمسيحية، ومن ثم يصوت كل مصرى على أساس دينى، فتحصل الجماعة ورفاقها على الغالبية الكاسحة، ومن ثم تستريح فى حكم البلاد لعشرات السنين. رغم الحزن والأسى والألم على الضحايا الذين فقدناهم وعلى المشهد غير الحضارى وغير الإنسانى وغير الأخلاقى أمام المقر البابوى، فإن النتيجة العامة كانت عدم شراء الشعب المصرى بضاعة الإخوان الفاسدة، فتعاطف غالبية الشعب المصرى مع الكنيسة المصرية، وجاء الرد من البابا والمجلس الملى العام ليؤكد رفض فتنة النظام، فقد كان الكلام محددا ما جرى مسؤولية نظام لا فتنة طائفية، وأن فضيلة الأمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور أحمد الطيب كان أول من بادر بالاتصال بالبابا، بينما اضطر مرسى إلى الاتصال بعد أن تلقى مكالمة من مفوضة العلاقات الخارجية فى الاتحاد الأوروربى كاترين آشتون!! الاتجاه العام السائد لدى المصريين مسلمين ومسيحيين أن الفتنة صناعة النظام، وأن الشعب لم يشتر بضاعة الفتنة الإخوانية.