الفتنة المشتعلة دائما

خالد داوود

نشر: 13/4/2013 3:05 ص – تحديث 13/4/2013 9:22 ص هى ليست فتنة نائمة لعن الله من أيقظها. بل هى فتنة قائمة ومتواصلة وتترسخ جذورها على مدى العقود الأربعة الماضية بينما نحن ننكر وجودها، ونكذب ونواصل الكذب حتى اقتنع قطاع كبير منا بأن أوضاعنا على ما يرام، وأن كل ما جرى ويجرى من مشاحنات طائفية بين الأغلبية المسلمة والأقلية المسيحية الكبيرة هو مجرد استثناءات للقاعدة المتينة الصلبة المسماة زورا بـ«الوحدة الوطنية» وكل الطنطنة الفارغة التى نرددها كأسطوانة مشروخة عن «وحدة الهلال مع الصليب» وقبلات البهتان السمجة بين الشيوخ والقساوسة. والآن بلغ الأمر حد الاعتداء على مقر البابوية والكنيسية القبطية الأرثوذكسية التى يمتد نفوذها فى مناطق مختلفة من العالم، خصوصا فى إفريقيا. وإذا كان التاريخ سيذكر أن الصحابى عمرو بن العاص هو من قام بنشر الإسلام فى مصر، فإن أحدا لن ينسى أن أول اعتداء على هذا الرمز شديد الأهمية جرى فى الزمن الذى تمكن فيه الإخوان من حكم مصر، ولن نقل إن تلك الجريمة وقعت فى عهد الرئيس محمد مرسى، لأنه ليس الحاكم الفعلى بل المرشد العام محمد بديع. أما فى مصر العزيزة الجميلة القديمة، التى سبق وجودها وحضارتها كل الأديان، فلقد ارتبط انطلاق الفكر الطائفى البغيض وإثارة الكراهية بين المصريين بنمو نفوذ جماعات الإسلام السياسى، وعلى رأسها «الإخوان المسلمين»، فى منتصف السبعينيات من القرن الماضى، بعد أن أطلق الرئيس الراحل أنور السادات سراحهم من السجون تماشيا مع التحول من اشتراكية عبد الناصر إلى رأسمالية انفتاح الفساد وإثراء الطبقة الحاكمة وأفراد أسرهم وأصدقائهم. كان السادات هو من أطلق على نفسه لقب «الرئيس المؤمن»، وأمر بنشر صوره فى الصحف وهو يقوم بأداء الصلاة وإبراز الزبيبة فى جبهته، بل إن بعض شيوخ السلطة المنافقين طالبوا قرب نهاية عهده بإعلانه سادس الخلفاء الراشدين. وبعد أن قام السادات بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، نسق مع الولايات المتحدة والإخوان وجماعات الإسلام السياسى الأخرى لشغل المصريين بالجهاد فى أفغانستان بدلا من فلسطين. وبعد أن انتهت معركة أفغانستان أرادوا شغلنا بالبوسنة والصومال وكوسوفا، كل ذلك بدلا من فلسطين. منذ ذلك الوقت، وأعتبر نفسى شاهد عيان على تلك المرحلة فى التحول والتغير، بدأ الحديث عن أن مصر «دولة إسلامية» وليست دولة كل مواطنيها، وأن تاريخها بدأ قبل 1400 عام فقط وليس قبل سبعة آلاف عام. كنت فى الخامسة عشرة من عمرى فى بداية الثمانينيات عندما استمعت لخطبة من شيخ متقدم فى العمر فى زاوية صغيرة يريد فيها إقناعنا بأن الأقباط ليسوا مصريين!!! بل هم أجانب خلفهم وراءهم الفرنسيون بعد احتلالهم مصر لفترة قصيرة فى بداية القرن التاسع عشر. لم تكن درايتى واسعة بالطبع، ولكن الكلام بدا أقرب للعبث. وعندما توجهت إلى الشيخ قائلا إن ما يردده مستحيل، وإن جيراننا من المسيحيين فى البناية التى أسكن بها ليسوا شقرا ولا عيونهم زرقاء كالفرنسيين، أصر على صحة كذبه، وقال إن كل المسيحيين المصريين الأصليين تحولوا إلى الإسلام. أيضا فى تلك الفترة، وللمرة الأولى، بدأت أسمع من أقرانى الكلام الطائفى البغيض الداعى إلى عدم التعامل مع المسيحيين أو الشراء من محالهم. وعندما توجهت إلى شرب عصير القصب مع مجموعة من الأصدقاء، رفض أحدهم بشدة تناول الكوب، وعندما صممت على معرفة السبب قال إنه لاحظ وجود وشم الصليب الصغير على يد صاحب محل العصير، وبالتالى قرر عدم تناوله بزعم أن ذلك يصيبه بالغثيان. ونفس الموقف فاجأنى به أحد أقاربى عندما رفض تناول حلوى قدمتها لنا جارتنا المسيحية الطيبة، كما اعتادت كل عيد، وكنا نرد الزيارة فى عيد القيامة المجيد. وعندما كنا نلعب الكرة فى الشارع، وجدت صديقا لى يقوم برسم صليب صغير على الأرض والبصق عليه قبل أن يضرب الكرة، بزعم أن ذلك من شأنه أن يجلب الحظ. ثم بدأنا نسمع عن الاعتداء على الكنائس، وقيام أطفال بضرب القساوسة بالحصى فى أثناء مرورهم فى الشارع فى القرى والنجوع، وتعليق ملصقات «لا إله إلا الله» مقابل «الله محبة» والصلبان. وبدأ أعضاء الجماعة الإسلامية فى الثمانينيات والتسعينيات الذين ينظمون مبادرات مضحكة الآن لنبذ العنف، فى سرقة محلات الذهب التى يمتلكها الأقباط، بزعم أن ذلك حلال، لأنهم كفار، ومهاجمة كنائسهم. كل هذا كان يجرى وينمو ويكبر، بينما صحفنا وإعلامنا الرسمى مستمر فى الكذب، والزعم أن وحدتنا الوطنية راسخة. وبدلا من مواجهة هذا الفكر الطائفى منذ بدايته والسعى لمحاربته، تساهلت معه أجهزة الدولة، والمدارس والإعلام حتى أصبح أمرا واقعا. وبعد هذه العقود من زرع الكراهية، ابتلانا الله بحكم الإخوان الذين يشكل الفكر الطائفى جزءا أصيلا من عقيدتهم. لم أصب بالدهشة لرد الفعل البطىء والسلبى لمندوب مكتب الإرشاد فى قصر الرئاسة، الذى بلغ حد اتهام مستشار الرئيس الأقرب ووزير خارجيتنا الفعلى عصام الحداد للأقباط بأنهم الذين بدؤوا الاشتباكات. فالمرشد الراحل للإخوان مصطفى مشهور أخبرنى شخصيا فى حوار صحفى أجريته معه فى مطلع عام 1997، أنه لو وصل الإخوان إلى الحكم، فسيقومون بفرض الجزية على الأقباط ويحرمونهم من دخول الجيش، وذلك لأن جيش مصر الإسلامية سيكون هدفه إعلاء كلمة الله. ولن ننسى طبعا التصريحات شديدة الصدق للمرشد السابق مهدى عاكف بأن المسلم الماليزى أقرب للمسلم المصرى من المسيحى القبطى المعجون بطين الوطن، لأن كليهما ينتمى إلى نفس العقيدة. ونسى قادة الإخوان أن أمة تشعر أقلية كبيرة فيها بالاضطهاد كما هو الحال بالنسبة للأقباط، لا يمكن أن تنهض أو تنمو، وبغض النظر عن أى حسابات دينية أو طائفية. الاعتداء على مقر الكاتدرائية الأرثوذكسية فى العباسية يوم أسود فى تاريخ مصر، وفى ظل حكم الإخوان، فإن الفتنة الآن مشتعلة، وليس فقط مستيقظة وفاغرة عيناها.