التاريخ بين النقد والتشويه.. للكاتب فاروق جويدة

أمام مجلس الشعب الآن مشروع قانون لإدانة كل من يسىء للرموز التاريخية مع العقاب بالسجن والغرامة لكل من يرتكب هذا الفعل.. والواضح أن مشروع القانون يشير إلى ما حدث فى الفترة الأخيرة من اعتداء صارخ على عدد من الرموز الوطنية التى لعبت دورا كبيرا فى تاريخ مصر والواضح أيضا أن مشروع القانون يخص جزءا من النخبة المصرية التى تهتم بالتاريخ والأحداث التاريخية وتقيم الأدوار كما تراها..إن هدف المشروع هو حماية الرموز وهذا حق مشروع للمجتمع أن يحمى رموزه ولكن يجب أن نفرق بين قضيتين هما حرية النقد وحرية الإساءة أو التشويه..هناك فرق كبير بين القراءة الجادة والموضوعية للتاريخ وقراءة الكراهية والرفض والتشويه وربما قصد مشروع القانون هذا الجزء الأخير..لا يمكن أن نعاقب باحثا جادا قدم دراسة عن شخصية تاريخية وانتقد بعض مواقفها لأن هذا يتعارض مع حرية الفكر، إن من حق الباحث أن يحاسب الرموز التاريخية على أخطائها الثابتة بحيث لا يلجأ إلى الحكاوى وقصص المقاهى التى تقال عنها وهنا يصبح من الضروري أن نحمى التاريخ من المهاترات ونترك للباحث الجاد حرية أن يناقش الأحداث والأدوار بموضوعية كاملة..إن منع الباحثين والمؤرخين من نقد التاريخ يتعارض مع حرية الفكر ويدخل بنا إلى قدسية التاريخ والحقيقة انه لا قدسية للتاريخ إلا فى ظل ثوابته التى لم يختلف عليها أحد..هناك جانب آخر يمكن أن يدخل فيه مشروع القانون وهو تناول الأعمال الفنية للشخصيات التاريخية لأن ذلك يعنى منع الاقتراب من هذه الشخصيات فى عمل درامى خاصة أن الدراما تقوم على التناقضات وهى تعنى جوانب الشر والخير والقبح والجمال فى الشخصية وهذا حجر مسبق على حرية الإبداع..إذا كان مشروع القانون يقصد وضع ضوابط مع من يشوهون رموز التاريخ فهذا حق للمجتمع ولكن ليس بالسجن أو الغرامة ولكن من خلال ضوابط فكرية كنا فى يوم من الأيام نحترمها ونعمل لها ألف حساب..كان لدينا كتاب كبار يمثلون ضمير المجتمع ومنذ اختفى هذا الضمير سادت الغوغائية وانتشر فكر السداح مداح.