إن ظلموك فأبشر.. والدليل.. جميل رزق الله بقلم منى ثابت

مسكين يا مرسى، جلست وطوَلت، على مقعد رئيس جمهورية مصر العربية.. لكن أصبحتَ كابوسًا لملايين المصريين.. تمكنت وتحكمت وتفسحت وتنعمت فى طيارات الرئاسة وقصور الملوك.. ووقفتَ تخطب وتهدد ببدلة شيك لم تتباهَ ببطانتها كما فعلت برشاقة أول مرة هلّيت علينا.. وسقطت فى قبضة التاريخ الآن، يلتقط صوتك وصورتك فى انتظار حكم الشعب عليك ليكتب النهاية.. وقلم التاريخ مرعب لأمثالك.. أحكى لكم اليوم عن مصرى عظيم استحق وسام الجمهورية الذى سيناله كل مصرى ناضل لتحرير مصر من الإخوان.. هى حكاية فساد السلاح القديم الذى يشهره الأقزام ليطعنوا العمالقة فترتدّ الطعنة إلى قلوبهم.. وهو سلاح اتهام الأقباط بالطائفية.. بمناسبة أن أول يوليو هو الذكرى الثالثة والتسعون لهذا الرجل المدهش اللواء المهندس جميل رزق الله، الذى أقام صرح المصانع الحربية فى مصر، وأتشرف بانتمائى إلى عائلته.. العائلة تشبه مصر، وكانت تسكن فى قلبها، فى حى شبرا.. عمارة عتيقة رائعة المعمار حوائطها مكعبات صلبة من الأحجار، تتنفس الهواء وتمتص أشعة الشمس صباحًا لتشرق حجرات المنزل بنوافذها المرتفعة، وتدفأ، ثم تمرح فى هواء عليل مساءً.. بيوت لا تقرصها برودة شتاء ولا تلهبها حرارة صيف.. السكان هم العائلة، فى القلب شقة الأم والأب، ولكل بنت وأسرتها شقة، وشقة كبيرة لعائلة أبو عوف الفنان عزت وأخواته البنات.. المحبة تؤمِّن المداخل والمخارج المفتوحة.. للهواء عبق آسر.. الأجيال تتوالد والأغصان تمتلئ ثمارًا مفرحة.. يتزوج أولاد الخالة إيفا وجميل بعد تخرجه فى الكلية الحربية، ويبنون عشًّا فى آخر دور لتمتد مظلة الحب وتتسع.. من هذا المكان انطلق الفارس مشبَعًا بالحب والوطنية.. كان حلمه بعد الثورة صناعة وطنية عملاقة فأسس المصانع الحربية، صروحًا مداخنها تناطح السحاب.. وسافر إلى المانيا لشراء ماكينات التصنيع.. دار يختار ويقارن حتى وجد ما يحقق الحلم، بعد الاتفاق حاولوا منحه سيارة مرسيدس هدية عمولة توقيع الصفقة، فرفض العمولة والصفقة كلها تجنبا للشبهات، وبدأ البحث شهرا عن الأجود الأرخص، وعاد إلى القاهرة ليتسلم الماكينات وتضاء المصانع، ويعود لسيارته الستروين العتيقة ويبدأ أول مشوار التصنيع المحلى، الأجهزة المنزلية المعمَّرة.. وبكل فخر ما زال بمنزلى سخان مصانع حربية يعمل بكفاءة منذ أكثر من أربعين عاما.. لا يحتاج إلا إلى استبدال قطعة غيار رخيصة سنويا.. كان حلم مصر هو إنتاج سيارة ركوب مصرية، وإنتاج صواريخ مصرية.. نجح جميل رزق الله واكتسب حب العمال لنزاهته ووطنيته وطموحه وشجاعته.. وطبعًا طالته الأحقاد، وتم تلفيق تهمة الطائفية له لأنه لم يخشَ تعيين المسيحيين مثل أغلب القيادات المسيحية فى مصر، فالأولوية للكفاءة.. وفوجئ فى صباح يوم من عام 70 بخبر تعيين بديل له رئيسا لمجلس إدارة مصنع «99 الحربى»، الذى بناه وعمره وغطى إنتاجُه ربوع مصر.. عوَّضه وزير الصناعة عبد الوهاب البشرى بمنصب مستشار بهيئة الإنتاج الحربى، ثم خبير بجامعة الدول العربية، لكن جلوس المكاتب أصابه باكتئاب، فقبل عرضًا من صدام حسين لتطوير المصانع الحربية العراقية.. وسافر بغداد لينال تكريمًا وتقديرًا، ونجح نجاحًا استحق عنه راتبًا مرتفعًا أتاح له الأمان والحياة الكريمة بعد المعاش.. وبعد عامين تَبدَّل حال مصنعه فى مصر وبدأت الخسائر الباهظة، وتَمرَّد العمال على الظلم والتعسف، مثل استيلاء المديرين على أوتوبيسات نقل ذوى الاحتياجات الخاصة، ووقاحة توزيع الغنائم. تم استدعاؤه لإنقاذ المصانع فوافق فورًا رغم البذخ والتكريم فى العراق.. ويوم عودته فى المطار رأى حشودًا جماهيرية فتصور أن هناك استقبالًا شعبيًّا للرئيس.. وفوجئ أنهم عمال المصانع، جاؤوا بأوتوبيسات الشركات لاستقباله بالهتاف والتهليل.. أما الذين غدروا به بتوجيه من صلاح نصر وعلى صبرى وشعراوى جمعة، فاجتمعوا فى السجون ضمن ثورة التصحيح لأنور السادات.. عاد يتنفس هواء المصنع ويبدع، وتضاعفت أحلامه وجسارته.. وبعد سبعة أعوام نال وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى لما بذله من جهد فى إنتاج الذخيرة الحربية التى انتصرنا بها فى حرب أكتوبر 73.. ولكنه ظل هدفًا للأقزام، فأحيل إلى التقاعد بمجرد بلوغه الستين.. لكنه خرج راضيًا مطمئنًّا ليواصل الخدمة والعطاء للمحتاجين ولتنعم به أسرته وعائلته الكبيرة.. ويملأ خزائن قلوبنا ذكريات جميلة نشحن بها أحلام أولادنا وأحفادنا.. ونؤكد أن الله يمهل ولا يهمل أبدًا يا أتباع الإخوان