أول مكفوفة صينية خبيرة في تنظيم نغمات البيانو

دعونا نتعرف على نجمة اسمها تشين يان. ولدت تشين في مقاطعة خوباي عام 1973، وترعرعت في مدينة بكين في كنف جدتها. أولى والداها أمرها حينما بلغت خمسة أشهر إلى جدتها بسبب مرضها الخلقي. فقد أصيبت بالكتاراكت الخلقي، وذهب بصرها من العين اليمنى، وتبقى عندها في العين اليسرى بصيص من الشعاع بعد إجراء عملية جراحية.

ورغم ذلك فإنها تعتبر أول مكفوفة في الصين تمتلك خبرة كبيرة في تنظيم نغمات البيانو وأول فاقدة للبصر تكتب سيرتها الذاتية وتستطيع أن تلعب على دراجة بعجلة واحدة. وتعرف أيضا السباحة وتركب الدراجة وتنزلق على الجليد وإلخ.. أعزائي، قد تتساءلون: كيف حققت تشين يان هذه المعجزات؟ نقول إن الفضل يرجع أولا إلى جدتها، ثانيا إلى شجاعتها وعزمها.

لقد عقدت جدتها العزم على أن تنمو تشين يان مثل الأطفال الأسوياء، فقدحت زناد فكرها لتطوير حاستي السمع واللمس عندها. مثلا درّبتها على المشي مستعينة حاسة السمع حيث كانت تلقي فئات مختلفة من النقود المعدنية على الأرض، لتميز تشين يان بينها بأذنيها حسب الأصوات المتغيرة. كما دربتها على لضم الإبرة والخيط مستخدمة حاسة اللمس منذ أن كانت في الرابعة من عمرها لتطوير حاسة اللمس. هذا أفادها كثيرا في حياتها اليومية وكان أساسها لتعلم فنون تنظيم نغمات البيانو فيما بعد.

ها هي تشين يان تقول متأثرة: ” إن أحب الناس إلى قلبي هي جدتي. لأنني نموت في بحر من هواها. لقد شجعتني دائما على الاعتماد على النفس في كل شيء. وتقول لي دائما: ” الإرادة ليس أمامها مستحيل ” و” ما تزرعه اليوم تحصده غدا “.

لم تتمكن تشين يان من الالتحاق بالمدرسة إلا عندما بلغت الثالثة عشر. كانت مولعة بالموسيقى منذ نعومة أظفارها وتعلمت العزف على كثير من الآلات الموسيقية. ثم اختارت أن تتخصص في تنظيم نغمات البيانو في معهد المكفوفين حينما أدخلت الصين أحدث الفنون في هذا المجال من أوروبا وأمريكا.

وبالطبع فإن مسيرة تشين يان في المرحلة الدراسية كانت شاقة جدا، إذ تقول: ” في البداية كنت أرى أن عملية تنظيم نغمات البيانو سهلة مثل العزف عليه. لكن الواقع عكس كذلك. فالبيانو به ثمانية آلاف قطعة أو أكثر، يجب معرفة مكان كل قطعة وكيفية فكها وتركيبها وإصلاحها إلى جانب تنظيم النغمات. وأصعب شيء هو صنع قطع غيار. وأصعب حصة هي حصة إصلاح البيانو وبالتحديد عملية النجارة، حيث كنت أستخدم الشاكوش والمسمار مستخدمة حاسة اللمس وكثيرا ما كانت يدايّ تصاب بجروح كثيرة. ”

فعلا مثل هذه الأعداد من قطع الغيار يصعب على الإنسان العادي أن يعرفها فما بالنا بالمكفوفة؟ لكن تشين يان لم تضع في ذهنها أبدا أنها فاقدة للبصر بل انكبت على تدريبات تنظيم نغمات البيانو وعمليات الإصلاح أربع عشرة أو خمس عشرة ساعة يوميا. أخيرا نجحت في تنظيم النغمات وإصلاح البيانو انطلاقا من ثقتها بنفسها وعزيمتها وجهدها الدائب.

تخرجت تشين يان ضمن أول دفعة من الدارسين المكفوفين لتنظيم نغمات البيانو وكان عمرها اثنين وعشرين عاما. المجتمع الصيني وقتها لم يكن يقبل المكفوفين للعمل في هذا المجال، وقد ذهبت إلى الكثير من محلات البيانو، إلا أنها لم توفق في الحصول على عمل. فاضطرت تشين يان إلى تعلم التدليك الطبي، وبذلت جهودا كبيرة وحصلت على شهادة في هذا التخصص. إلا أنها عادت إلى محاولات البحث عن عمل في مجال تنظيم نغمات البيانو.

في إحدى المرات، توجهت تشين يان إلى أحد محلات البيانو طالبة العمل. وفي البداية، لم يكتشف مدير المحل أنها مكفوفة فاختبرها في تنظيم النغمات وإصلاح البيانو، وقبلها وقرر استخدامها فورا. لكن العمل لم يكن في المحل بل في بيوت الزبائن. فاضطرت تشين يان إلى أن تكشف عن ضعف بصرها. فتعجب المدير كثيرا. وقال لها: إذا استطعت الذهاب إلى بيوت الزبائن بنفسك، فالفرصة متاحة أمامك للاستمرار في العمل. طلبت منه مهلة شهر لمعرفة خريطة مدينة بكين. فعلا، حفظتها بسرعة. لكن في بدايات الأمر كانت تضل الطريق أحيانا وتبكي. أخيرا أصبحت على بينة بطرق بكين وحتى أزقتها وبدأت تذهب إلى بيوت الزبائن دون أن تخطئ طريقها. ذاع صيتها لعملها الرائع وحظيت بكامل الثقة والتقدير العالي من الزبائن والمجتمع والأوساط المهتمة بالبيانو.
بعد النجاح الكبير، فتحت السيدة تشين يان خطا هاتفيا ساخنا دون مقابل من الساعة السابعة إلى
الساعة التاسعة كل مساء للإجابة على استفسارات المواطنين حول حدود معرفتها في مجال البيانو.

في عام 2004، كتبت سيرتها الذاتية بعنوان ” تشين يان والعالم في أذنيها ” وبكمبيوتر مجهز ببرنامج سمعي خاص، دوّنت في الكتاب حياتها المليئة بالمصاعب آملة أن تشجع المزيد من أمثالها المعوقين. وفي العام نفسه، أنشأت السيدة تشين يان شركة شين له لتنظيم نغمات البيانو في بكين لتقدم خدماتها للزبائن من كل أنحاء البلاد وهكذا حققت أمانيها التي راودتها منذ سنوات طويلة.

ها هي تقول: ” هناك الكثير من الشركات تسعى وراء الربح إلا أنني لا أضع ذلك في اعتباراتي، إذ أوزع الأرباح على منظمي نغمات البيانو. إن شركتي تخدم كل أرجاء البلاد، وهذا ليس لجني الكثير من الأموال بل هدفنا أن يعرف كل الصينيين أن المكفوفين بإمكانهم تنظيم نغمات البيانو وأن مهاراتهم عالية جدا. لقد سمعت أن المكفوفين في أوروبا وأمريكا قاموا بتنظيم نغمات البيانو منذ أكثر من مائة سنة. لكننا أنا وزملائي نعمل في هذا المجال منذ اثني عشر عاما فقط. ربما تذاع شهرتنا مثل زملائنا في أوروبا وأمريكا بعد عشرات السنين طالما أننا مثابرون على بذل جهودنا.”

لقد اشتهرت السيدة تشين يان خبيرة تنظيم نغمات البيانو في الصين كما حققت كثيرا من المعجزات كما ذكرنا في البداية. قالت السيدة تشين يان إنها تبحث الآن عن معلم للرسوم الصينية وتستفيد منه لتحقيق أمنيتها منذ الطفولة فقد فازت إحدى رسوماتها بجائزة في معرض رسوم الأطفال الذي أقيم في اليابان عام 1987.