أنا تلاتين عتريس فى بعض عاصم بكري

الصحيح لغويا أن نكتبها «أنا ثلاثون عتريسا فى بعض»، لكن هكذا قيلت الجملة باللهجة العامية الصعيدية فى الفيلم الشهير «شىء من الخوف» وهى جملة رددها أحد رجال عتريس بشكل هستيرى حينما اكتمل جنونه فأراد أن يتصور نفسه عتريسا آخر بل أقوى وأخطر من عتريس الحقيقى فأخذ يردد العبارة السابقة بل أضاف إليها جملا تؤكد حالته الجنونية بشكل تام فقال مثلا «أنا مصيبة»، «أنا بلوة سودة».. إلخ، لكن الناس بطبيعة الأمر لم يرتعبوا من كلماته ولم يعبأوا بوعيده وتهديداته بل ما لبثوا أن ضحكوا ثم سخروا منه ثم انهالوا عليه بالضرب والركل واللكم ربما تعويضا عما لا يستطيعون فعله مع «عتريس» الحقيقى.

وهنا أحب أن أذكر ما حكاه لى يوما المخرج الراحل حسين كمال عن كواليس تصوير هذا الفيلم فقال إنه عند تصوير مشهد ذهاب عتريس إلى منزل فؤادة لكى يأمر أباها حافظ بتزويجها إليه، طرق الفنان محمود مرسى باب البيت بعنف، ثم أخذ ينادى بصياح وزعيق مرهب: حافظ.. حافظ، فأوقف حسين كمال التصوير ثم ذهب نحو الفنان محمود مرسى وعلى جانب قال له: لماذا كل هذا الصراخ والزعيق والتحدث بعنف وصخب؟ فقال محمود مرسى طبعا أفعل ذلك لأننى عتريس، فقال حسين كمال: ولأنك عتريس ينبغى ألا تفعل بل على العكس ينبغى أن تتكلم بهدوء يؤكد الثقة والقدرة التامة على الفعل، فقط بعض الجمل الحاسمة المحددة القاطعة التى لا تردد فيها ولا قبول لنقاش (جئت لأتزوج فؤادة، عليكم بإعدادها، يوم الخميس القادم موعد كتب الكتاب والزواج. انتهى الأمر)، أما لو رفعت صوتك وهددت فالمعنى أنك مهتز وغير واثق بقوتك وشدة تأثيرك على «حافظ المسكين».

يا ليت مستشارى الرئيس مرسى ينصحونه نفس النصيحة قائلين له: حينما تريد أن تظهر قويا فلا ينبغى أن تهدد كثيرا ولا أن ترفع صوتك فضلا عن إصبعك إرهابا ووعيدا، ولا ينبغى أن تحتد لهجتك أو ترفع حاجبك أو تفتح الجاكيت، فكل هذه الأفعال سوف تؤكد أنك ضعيف ولست قويا، مهزوز ولست واثقا، فكثير الوعيد منعدم الوفاء بالوعد، يهدد كثيرا لأنه لن ينفذ حتى قليلا، وحذارِ أن تستمر فى مثل هذا النوع من الصراخ والتهديد والوعيد وإلا ربما يتصور بعض الناس أنك «رشدى» ولست عتريسا، رشدى ذلك الرجل الذى أخذ يصرخ قائلا أنا تلاتين عتريس فى بعض، أنا بلوه سودة، وحينها ربما لا تكتفى الجماهير بأن تقابل قرارك بحظر التجوال فى مدينتها بلعب كرة القدم فى وقت الحظر، أو أن يأتوا إليك فى مقر رئاستك متظاهرين محتجين طالبين سقوط النظام، وإنما قد يقتحمون المكان بمشاعل النور والنار وحينها لن يكون هنالك مخرج درامى من كل ذلك إلا بضرب عتريس المصطنع المجنون (رشدى) أو حرق عتريس الحقيقى فى غرفته بعد أن أغلقت عليه وصارت مصفدة بحديد شباكها وشعلة النار النافذة عبر نوافذها.

لا ينبغى أن تكون عتريسا مصطنعا ولا عتريسا حقيقيا وإنما ينبغى أن تكون نفسك كما هى، فإن وجدتها غير وافية لمتطلبات المنصب الرفيع، وغير كافية لأداء مهامه الفارقة، فعليك أن تقولها بمنتهى الصراحة لمن زج بك عنوة فى هذا المعترك: «رحم الله امرأ عرف قدر نفسه»، وذكره وذكر نفسك بحديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لسيدنا أبى ذر الغفارى «وهو من هو» حينما طلب الولاية: «يا أبا ذر إنك رجل ضعيف، وإنها لأمانة، وإنها يوم القيامة خزى وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى ما عليه».

صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم).